يركِّز مقالنا اليوم على فهم الوجود القوى للجماعات الجهادية فى شرق لبييا المتاخمة لمصر، بينما لم تتمركز فى غرب ليبيا أو وسطها. وكنت قد تناولت فى الأسبوع الماضى أبرز الجماعات الجهادية فى شرق ليبيا، ونستكمل اليوم فى تشريح وفهم هذه الجماعات وأيديولوجيتها بتحليل تمركزها فى الشرق. ويرجع هذا التمركز فى نظرنا إلى عدة عوامل أهمها: 1- سياسة القذافى: انتهج القذافى سياسة التدمير المنظم للبنية الاجتماعية للشرق، واستهدف الطريقة السنوسية الصوفية وأتباعها باعتبارهم القاعدة الاجتماعية الأساسية للملكية. كما قام بإضعاف البنية القبلية لمنطقة الجبل الأخضر -أحد معاقل السنوسية- وترك هذا الاستهداف الشرق الليبى أضعف اجتماعيا وأسهل اختراقا من قبل الجماعات المتطرفة. 2- التمركز التاريخى للجماعات الإسلامية: نشأت فى درنة والجبل الأخضر حركات جهادية فى التسعينيات مع عودة الأفغان العرب، قبل أن يقمعها القذافى عام 1999، ومثّل المنحدرون من درنة النسبة الأكبر من الليبيين المقاتلين فى العراق بعد الغزو الأمريكى، وسوريا بعد الثورة. 3- الوضع السياسى لشرق ليبيا: اتسمت السلطة فى الشرق بتزاوج قلق بين بقايا الجيش ومؤسسات الدولة والكتائب الثورية ذات الطابع الإسلامى، وفشل تشكيل سلطة موحدة. وأدى هذا الوضع إلى تحول الصراع السياسى إلى صراع إسلامى-غير إسلامى، ونشوء جماعات أكثر تطرفا (أنصار الشريعة). أما غرب ليبيا ووسطها فقد نشأت فيهما هياكل سلطة جديدة، مع طابع مناطقى للثورة والسلطة الناشئة، لذا فإن سلطة سياسية محلية تشكلت فى مدن الغرب/الوسط وإن كانت غير مركزية على المستوى الوطنى. أما أسباب ضعف وجود الجماعات المتطرفة فى مناطق الغرب/ الوسط والجنوب، وعدم تمكنها من تأسيس مناطق نفوذ فترجع بدورها إلى عدة عوامل على رأسها: 1- اندماج الجماعات الإسلامية فى النظام السياسى: تبنت جماعات الإسلام السياسى الدخول فى العملية السياسية بعد الثورة، على عكس الجماعات المتطرفة فى الشرق كأنصار الشريعة، بل إن الإسلاميين المتشددين من أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة قد انخرطوا فى العملية السياسية وقبلوا الدخول فيها وشكلوا حزبين هما حزب الوطن، بقيادة عبد الحكيم بلحاج، وحزب الأمة بقيادة سامى مصطفى الساعدى، وعبد الوهاب قايد شقيق القيادى فى القاعدة أبو يحيى الليبى، بل وترأس أحد القياديين السابقين فى الجماعة خالد الشريف منصب وكيل وزارة الدفاع الليبية. كما تم استيعاب الإسلاميين السابقين فى قوات درع ليبيا التى أقر المجلس الوطنى الانتقالى تأسيسها فى 8 مارس 2012. ويدفع هذا الاندماج الإسلاميين إلى الابتعاد عن تبنى مواقف متطرفة، بغض النظر عن حقيقة المواقف والأيديولوجيا التى يحملونها، بالإضافة إلى أولوية التحرك وفق المصلحة المناطقية على الأيديولوجية. 2- غياب الحاضنة الاجتماعية فى الغرب/الوسط: تتسم الكتائب المسلحة بخضوعها للمدن ولمصالحها المحلية قبل نزوعها الإسلامى، ورغم وجود كتائب إسلامية قوية فى مصراتة والزاوية فإنها لا تتصرف من منطلق إسلاميتها بقدر ما تتحرك من منطلق مصالح مدنها المحلية وتحالفاتها على الأرض. على جانب آخر فإن الانقسام الاجتماعى كبير فى منطقة الغرب الليبى بين المناطق التى كانت سابقا موالية لنظام القذافى وتلك التى ثارت عليه، كما أن هناك انقسامات أخرى أفرزتها الثورة فى مدن الجبل الغربى بين العرب والأمازيغ. 3- الطبيعة القبلية للجنوب الليبى: يتميز الجنوب الليبى بدور فاعل للقبيلة، وانقسام السكان بين ثلاثة مكونات عرقية هى العرب والطوارق والتبو المنحدرين من أصول تشادية، ويضعف هذا الوجود القبلى القوى من قدرة التنظيمات المتطرفة على اختراق التكوينات الاجتماعية الجنوبية. 4- التهريب والجريمة: يتركز نشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة فى مناطق الحدود مع الجزائروتونسوالجنوب على التهريب وبخاصة السلاح لنظرائها فى تونسوالجزائر. كما تواردت معلومات عن أدوار مماثلة يقوم بها تنظيم القاعدة فى المغرب الإسلامى فى جنوب ليبيا، لكن هذه الأدوار لا تمكنهم من الاندماج فى المجتمع المحلى أو تأسيس قاعدة قوية لنفوذهم على المدى القصير والمتوسط. فهم يعملون فى مناطق الفراغ التى تهملها مدن الغرب/الوسط المتصارعة على السلطة فى طرابلس، وفى مناطق صحراوية قاحلة، وفى أنشطة غير شرعية. وعلى عكس أهمية التهريب للجماعات المحلية فى مناطق الساحل والصحراء كمالى والنيجر، فإن هذه الأهمية تعد ثانوية بجانب السيطرة على حقول النفط التى تعد المجال الأساسى للصراع بين الجماعات العرقية والقبلية فى الجنوب الليبى.