دون اعتماد على استطلاعات رأى علمية، يمكننى القول إن الجمهور المصرى يحترم النهايات الدائرية للأفلام.. إنها تلك النهايات الدرامية التى تعود بشخصيات العمل أو بحبكته، إلى نقطة البداية التى انطلقت منها الأحداث. فيلم «الفتوة»، هل تذكره؟ يبدأ بالشيال المقهور الذى يتلقى صفعة على قفاه فى سوق الخضار.. ثم نرى رحلة صعود هذا الشيال فى عالم السوق، مواجها بطش التاجر المحتكر، حتى ينتصر عليه، بل ويصبح هو نفسه محتكرا باطشا مثله.. ثم تكون النهاية بشيال جديد مقهور، يتلقى صفعة مماثلة لتلك التى بدأنا بها.. هذا نموذج للنهايات الدائرية، وستجد شيئا من ذلك أيضا فى نهايات «سهر الليالى»، «الإرهاب والكباب»، «سواق الأوتوبيس» وغيرها، وهى جميعا كما ترى أفلاما نجحت جماهيريا بشكل كبير. أتصور أن ذائقة المتفرج المصرى تستمتع بالنهايات الدائرية لأسباب عدة، فهى لا تخلو من الذكاء الفنى، دون أن يكون هذا الذكاء متعاليا على الجمهور.. كما أنها تدفع المتفرج إلى شىء من التفكير فى كل ما شاهده، لكنه تفكير هادئ وغير متعب أو معقد، فيشعر أنه شاهد عملا هادفا وذا معنى.. الأهم من كل ذلك، أن النهاية الدائرية تعبر عن قناعاتنا الراسخة بصعوبة التغيير بشكل عام، حيث يمكن أن يخرج بعض الأشخاص عن المسار استثناء، ويمكن أن يتعرض الجميع لاضطرابات من وقت لآخر، لكن كل ذلك لا يعنى تغييرا جوهريا فى منظومة الحياة المعتادة. على ذلك، يمكننا قراءة خروج الملايين خلال الأسبوع الماضى، فى إعادة إنتاج للثورة التى مر على بدايتها عام كامل.. اعتقد كثيرون على مدار ذلك العام أن المزاج الثورى كانت استثناء، فقد ضاقت حلقة التحكمات التى يمارسها المجلس العسكرى، وذكرتنا بنفس تفاصيل تحكمات المخلوع، وتكاثرت المشكلات الاقتصادية حول المصريين بغرض خنقهم، فى حين تتم جرجرة النشطاء السياسيين إلى المحاكم على ذمة قضايا وهمية.. كل ذلك أعطى انطباعا عاما بأن الثورة كانت مجرد حدث درامى عابر على حالة مستقرة من القهر، حالة استمرت لعشرات الأعوام سابقا وقابلة للاستمرار مئات الأعوام مستقبلا.. لكن الخروج الثانى، أوصل الرسالة الصحيحة.. الدراما التى نعيشها الآن بدأت بنهوض الشعب فى يناير 2011، وما حدث من انكسارات واختناقات وخمول على مدار العام، كان هو الاستثناء، بينما الحالة الثورية هى الأصل.. الخروج الثانى إلى الشوارع والميادين كان نموذجا للنهاية الدرامية الدائرية المفتوحة، التى تؤكد للمتابعين أن شيئا لن يتغير، وأن الثورة ستستمر.