فى كل مرة تعمد فيها الولاياتالمتحدة إلى تعظيم حضورها العسكرى فى إقليم ما، يعود السؤال ذاته ليفرض نفسه: هل نحن بإزاء استعراض قوة يُراد به التهديد وانتزاع التنازلات، أم أن منطق الحشد العسكرى يقود، فى نهاية المطاف، إلى استخدام القوة ذاتها؟ هذا السؤال يتجدد اليوم مع ما تقوم به واشنطن من إعادة تموضع وتعزيز للقدرات العسكرية فى الشرق الأوسط فى سياق التوتر مع إيران، لكنه ليس جديدًا فى السلوك الاستراتيجى الأمريكى. فالتاريخ الحديث للعلاقات الدولية حافل بمحطات استُخدمت فيها القوة كأداة ردع تفاوضى، وأخرى انزلقت فيها ديناميات الردع إلى صدام عسكرى مباشر. والتاريخ هو المؤشر الأكثر دقة عند محاولة التنبؤ بالمستقبل. • • • إذا نظرنا إلى التجربة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، نجد أن الحشد العسكرى لم يكن دومًا مقدمة حتمية لحرب. خلال أزمة تايوان فى تسعينيات القرن الماضى، دفعت إدارة الرئيس آنذاك بيل كلينتون بحاملات طائرات إلى غرب المحيط الهادئ لردع الصين دون أن يتطور الأمر إلى مواجهة. وفى سياقات أخرى، كان التعزيز العسكرى فى الخليج العربى أداة ضغط على بغداد قبل 2003، لكنه تحول لاحقًا إلى غزو كامل فى عهد جورج دبليو بوش. الفارق بين الحالتين لم يكن فى حجم الحشد فحسب، بل فى البيئة السياسية الداخلية، وطبيعة الأهداف المعلنة والمضمرة، ومدى استعداد الإدارة لتحمل كلفة الحرب. الولاياتالمتحدة تنظر إلى القوة العسكرية بوصفها أداة ضمن حزمة أدوات، لا باعتبارها الخيار الوحيد. التعزيز العسكرى قد يكون رسالة ردع، وقد يكون وسيلة لطمأنة الحلفاء، وقد يكون أداة لتحسين شروط التفاوض. فى الحالة الإيرانية، يتداخل كل ذلك: هناك رغبة فى منع طهران من توسيع نفوذها الإقليمى، ومنعها من الاقتراب من العتبة النووية، وفى الوقت ذاته تطمين الحلفاء الإقليميين بأن واشنطن لم تنكفئ عن التزاماتها. غير أن الحشد العسكرى يحمل دائمًا مخاطر التصعيد غير المقصود. فحين ترتفع كثافة الوجود العسكرى، تتكاثر نقاط الاحتكاك، ويزداد احتمال سوء التقدير. السؤال الجوهرى هنا يتعلق بالنية الاستراتيجية. هل تسعى واشنطن إلى حرب مع إيران؟ المؤشرات لا تدعم فرضية الرغبة فى حرب شاملة. الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء فى عهد باراك أوباما الذى راهن على الاتفاق النووى، أو فى عهد دونالد ترامب الذى انسحب من الاتفاق وصعّد الضغوط، أو فى عهد جو بايدن الذى سعى لإحياء مسار تفاوضى، جميعها أظهرت تفضيلًا لإدارة الصراع لا تفجيره. حتى عندما بلغت المواجهة ذروتها بعد اغتيال قاسم سليمانى مطلع 2020، انزلقت الأطراف إلى حافة الهاوية ثم تراجعت. ومع ذلك، لا يكفى تحليل النيات المعلنة. ثمة ديناميات بنيوية تجعل من الحشد العسكرى مسارًا قابلًا للانزلاق. أولى هذه الديناميات تتعلق بمصداقية الردع. حين تحشد الولاياتالمتحدة قواتها وتلوّح بخيارات عسكرية، فإنها ترفع سقف توقعات حلفائها، وتضع نفسها تحت ضغط داخلى وخارجى لإثبات الجدية. إذا قامت إيران بخطوة تعتبرها واشنطن تجاوزًا للخطوط الحمراء، يصبح التراجع مكلفًا سياسيًا. وهنا يتحول الحشد من أداة تفاوض إلى قيد استراتيجى. • • • الدينامية الثانية تتعلق بإيران ذاتها. طهران بنت استراتيجيتها الإقليمية على مزيج من الردع غير المتكافئ واستخدام الوكلاء. وهى تدرك أن الحرب الشاملة مع الولاياتالمتحدة تهدد بقاء النظام، لكنها تراهن فى الوقت نفسه على قدرتها على إدارة مستوى منخفض من التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. هذا التوازن الدقيق يمكن أن يختل إذا أساء أحد الطرفين قراءة حسابات الآخر. ثمة أيضًا عامل البيئة الإقليمية. الشرق الأوسط اليوم أكثر تشظيًا وأقل قابلية للضبط من أى وقت مضى. تعدد الفاعلين غير الدوليين، وضعف بعض الدول، وتداخل المسارات فى غزة ولبنان والعراق واليمن، كلها تجعل أى حشد عسكرى أمريكى عرضة للانجرار إلى مسارات غير محسوبة. فليس ضروريًا أن تقرر واشنطن شن حملة عسكرية واسعة؛ يكفى أن يؤدى اشتباك محدود إلى دوامة ردود متبادلة يصعب احتواؤها. لكن القول إن الحشد لا ينتهى أبدًا دون حملة عسكرية فيه قدر من الحتمية المبالغ فيها. التاريخ يعلمنا أن الردع الناجح هو ذلك الذى لا يُختبر. كثير من التعزيزات العسكرية الأمريكية فى أوروبا خلال الحرب الباردة لم تتحول إلى حرب مع الاتحاد السوفييتى، بل أسهمت فى تثبيت توازن ردع طويل الأمد. الفارق أن ذلك الردع كان مستقرًا نسبيًا بسبب وضوح الخطوط الحمراء وقنوات الاتصال. فى الحالة الإيرانية، لا تزال قنوات الاتصال غير المباشرة قائمة، عبر وسطاء إقليميين ودوليين، وهو ما يوفر صمامات أمان. • • • يبقى العامل الداخلى الأمريكى حاسمًا. الرأى العام الأمريكى مرهق من الحروب الطويلة فى الشرق الأوسط. والمؤسسة العسكرية نفسها تعيد توجيه اهتمامها نحو المنافسة مع الصين. فتح جبهة واسعة مع إيران يعنى استنزافًا ماليًا وعسكريًا فى لحظة استراتيجية دقيقة. لذلك تميل الحسابات الرشيدة فى واشنطن إلى استخدام الحشد العسكرى كورقة ضغط، لا كبوابة حرب. غير أن الرشد الاستراتيجى لا يلغى احتمالات الخطأ. فى لحظات التوتر المرتفع، قد تُتخذ قرارات تكتيكية تتجاوز النية الأصلية. حادثة واحدة فى الخليج، أو هجوم من إحدى الجماعات المرتبطة بإيران على قوات أمريكية، قد يفرض ردًا أمريكيًا يتدحرج بسرعة. هنا يصبح السؤال ليس: هل أرادت واشنطن الحرب؟ بل: هل استطاعت تجنبها؟ فى التحليل الأخير، يمكن القول إن تعظيم القدرات العسكرية الأمريكية فى إقليم ما لا يعنى بالضرورة أن الحملة العسكرية باتت حتمية. فى كثير من الأحيان يكون الهدف هو إعادة تشكيل حسابات الخصم ورفع كلفة سلوكه. لكن كلما طال أمد الحشد وارتفعت وتيرة الاحتكاك، زادت مخاطر التحول من الردع إلى المواجهة. فى الحالة الراهنة حول إيران، يبدو أن الولاياتالمتحدة تسعى إلى إدارة توازن دقيق: ردع دون حرب، ضغط دون انفجار، وإبقاء الباب مواربًا أمام تسوية. نجاح هذا التوازن مرهون بقدرة الطرفين على قراءة الخطوط الحمراء بدقة، وبوجود وساطات فاعلة، وباستعداد كل منهما لتحمل كلفة التهدئة كما يتحمل كلفة التصعيد. وفى غياب ذلك، قد تتحول أدوات الضغط إلى مسارات يصعب التحكم فى نهاياتها. أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى