«استمرار التوقعات بعقد المفاوضات الأمريكية- الإيرانية رغم «الانفجارات» فى الخليج»... ليس هذا مجرد عنوان أو توصيف عابر، بل مفتاح لقراءة المرحلة كلها لأن ما حدث فى الأيام الأخيرة يقول بوضوح: الطرفان يتقدمان نحو الطاولة وهما يحملان السلاح فوقها، لا تحتها: احتكاكات بحرية، إسقاط مسيرة، محاولات اعتراض ناقلة، ثم فى الوقت نفسه تأكيد أن الفريق سيذهب إلى مسقط وأن القناة العُمانية ستعمل ك«غرفة عزل» تمنع التوتر من كسر المسار الدبلوماسى المعنى هنا أن الدبلوماسية لم تعد نقيضًا للتصعيد بل صارت تُدار بداخله. وإذا كان السؤال: كيف يتم «الاتفاق» أصلًا فى مناخ كهذا؟ فالإجابة ليست أن الطرفين توصلا إلى ثقة مفاجئة، بل إن كليهما أدرك أن البديل فوضوى ومكلف، واشنطن توافق على مسقط لأن مسقط تقلل الضجيج وتعيد ضبط إيقاع التفاوض بعد «دراما» كادت تُسقط الجولة، وطهران تصر على مسقط لأنها تريد التفاوض بعيدًا عن منصة إقليمية واسعة كانت ستفرض عليها «تعدد ملفات» وضغطًا علنيًا، وتريد كذلك حصر النقاش قدر الإمكان فى الملف النووى فقط، قد يبدو الأمر إجرائيا؛ لكنه معركة تعريف: ما الذى يُناقَش؟ ومن يحدد جدول الأعمال؟ وأى تنازل يُسجل على أى بند؟ فى مثل هذه الأزمات، المكان ليس جغرافيا فقط، المكان سياسة، تحويل المسار من إسطنبول إلى مسقط هو تحويل للمشهد من «ساحة متعددة الأطراف» إلى «مسار ثنائى بوسيط صامت»، أى من ضغط جماعى إلى اختبار إرادة مباشر بين واشنطنوطهران، لذلك تظهر إيران فى هذه اللعبة كما يصفها مراقبون: لا تبدأ التفاوض من مضمون الصفقة، بل من قواعدها؛ من يضبط الإطار يربح نصف النتيجة قبل أن تُكتب، والولايات المتحدة تقبل بهذا الإطار لأنها- فى هذه اللحظة - تريد شيئًا أهم من المكسب التكتيكي: تريد منع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة بينما هى تبنى قوة ردع كافية لرفع ثمن الرفض الإيرانى لاحقًا. وهنا يظهر «أسلوب ترامب» بوصفه عنصرًا بنيويًا فى التفاوض، ترامب لا يفاوض بالخط المستقيم؛ يفاوض بتقنية عدم الاتزان: يرفع السقف ليغيّر حسابات الطرف الآخر، ثم يترك بابًا صغيرًا اسمه «إطار» أو «قناة» أو «لقاء» ليمنح التراجع شكلًا سياسيًا مقبولًا، وهذا يفسر لماذا يمكن أن تُسمع فى يوم واحد نبرة «اتفاق أو ضربة»، ثم يُعلن فى اليوم التالى أن الدبلوماسية قائمة، الرسالة ليست تناقضًا بقدر ما هى إدارة ضغط: إبقاء إيران بين خوف الضربة وأمل الصفقة، وإبقاء الحلفاء بين القلق من التصعيد والاطمئنان إلى أن واشنطن ما زالت تمسك بزمام القيادة والمبادرة. لكن ما الذى يجعل هذه اللعبة خطرة؟ أن إيران -حتى وهى تُساوم- تختبر الخطوط فى الميدان: «الاحتكاكات» فى الخليج لا تُقرأ فى الغرب كحوادث منفصلة، بل كرسائل تفاوض بالنار: رفع تكلفة الانتظار، والتذكير بأن مضيق هرمز ليس طريقًا عاديًا بل شريان طاقة عالمي، وأن أى سوء تقدير فيه يمكن أن يحول أزمة نووية إلى أزمة نفط وأمن بحرى فى أيام. لهذا تصر واشنطن على أن المفاوضات لا تعنى خفض الاستعداد العسكري، وتصر إيران على أن الاستعداد العسكرى لا يلغى حقها فى اختبار حدود الردع، النتيجة أن المنطقة تعيش على حافة «حرب بالخطأ» أكثر مما تعيش على حافة «حرب بالقرار». يبقى السؤال الأكثر حساسية: أين إسرائيل من هذا كله؟ وهل جلوس واشنطن إلى الطاولة يعنى أنها لا تستجيب لرغبة تل أبيب فى ضرب إيران؟ القراءة الأهدأ تقول: المفاوضات لا تنفى الخيار العسكري، لكنها تؤجله وتعيد توظيفه إسرائيل- بحكم أمنها المباشر- تميل تاريخيًا إلى تفضيل الحسم قبل أن تتعقد كلفة الحسم، بينما واشنطن - بحكم انتشار قواتها وحسابات الطاقة والتحالفات - تميل إلى إدارة التصعيد بما يمنع انفلاته، لذلك قد يبدو «التراجع عن الضربة» تراجعًا عن الرغبة الإسرائيلية، لكنه فى الحقيقة أقرب إلى ترتيب توقيت القوة: واشنطن تريد أن تُجرّب نافذة تفاوض قصيرة تحت مظلة حشد عسكرى كبير، لأنها إن ضربت الآن ثم اضطرت للعودة للتفاوض لاحقًا ستكون قد دفعت الثمن مرتين: ثمن الضربة وثمن التفاوض من موقع متورط، المفاوضات هنا ليست تنازلاً لتل أبيب أو تحديًا لها، بل محاولة أمريكية لامتلاك لحظة القرار بدل أن تُساق إليها. ولماذا تراجع ترامب عن فكرة الضرب تحديدًا فى هذه المرحلة؟ لأن الضربة - فى الحساب الأمريكي- ليست سؤال «هل نستطيع؟» بل سؤال «هل نستطيع أن نوقف ما سيأتى بعدها؟» أى عمل عسكرى ضد إيران لا يقاس بعدد الأهداف التى تُدمَّر، بل بقدرة واشنطن على حماية قواعدها فى المنطقة، وحماية الملاحة، ومنع الوكلاء من فتح جبهات متعددة، وضبط سوق الطاقة من الارتجاج، لذلك تُستخدم المفاوضات كأداة اختبار مزدوج: اختبار نية إيران، واختبار استعداد المنطقة، فإذا فشلت مفاوضات مسقط، لن يكون الفشل مجرد فشل دبلوماسي؛ سيكون «تسويغًا» لخطوة أقسى، أمام الكونجرس والحلفاء والرأى العام، وأمام السوق أيضًا أما إذا نجحت، فسيقال: إن القوة لم تُستخدم لأنها لم تعد ضرورية. ما يجرى ليس «سلامًا قادمًا» ولا «حربًا مؤكدة»، بل إدارة أزمة بأدوات مختلطة: تفاوض محدود الأفق، تحت نار رسائل ميدانية، وفوقه حشد عسكرى يضغط على الزمن، ما يجرى فى مسقط ليس نهاية الحكاية، لكنه اختبارها الحقيقي: هل تستطيع واشنطن أن تحوّل التهديد إلى صفقة، دون أن تتحول الصفقة إلى غطاء لشراء الوقت؟ وهل تستطيع طهران أن تستخدم التفاوض لتخفيف الخناق، دون أن تدفع ثمنًا يمس جوهر صورتها الداخلية؟ فى المسافة بين هذين السؤالين تعيش المنطقة وكل «انفجار» صغير فى الخليج يصبح ورقة تفاوض، وكل كلمة فى مسقط تصبح قرارًا أمنيا.