في ظل مرحلة دقيقة يمر بها الاقتصاد العالمي، تتسم باضطرابات متواصلة فى سلاسل الإمداد وتغيرات سريعة وحادة فى خريطة الصناعة الدولية، يبرز قطاع السيارات فى مصر كأحد القطاعات التي تقف عند مفترق طرق حاسم. فبعد سنوات اتسمت بالتباطؤ وتراجع معدلات النمو وغياب الرؤية الواضحة، بدأت مؤشرات مرحلة جديدة فى الظهور، تعكس تحسنًا تدريجيًا فى أوضاع السوق، ويأتى فى مقدمة هذه المؤشرات عودة ثقة المستهلكين، مع التوسع فى عمليات التجميع المحلى، وتحسن مستوى خدمات ما بعد البيع، إلى جانب زيادة توافر قطع الغيار مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما أسهم فى إعادة تنشيط حركة السوق نسبيًا. ولا يقتصر هذا التحسن على الجانب الاستهلاكى فقط، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بمستقبل الصناعة ككل، وفى مقدمتها التساؤل حول قدرة مصر على تجاوز مرحلة الاكتفاء بتجميع السيارات، والانتقال إلى بناء صناعة متكاملة ذات قيمة مضافة حقيقية. فالفارق بين التجميع والتصنيع لا يقتصر على نسب المكون المحلى فقط، بل يمتد ليشمل امتلاك التكنولوجيا، وتوطين سلاسل الإمداد، وخلق فرص تصديرية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، وهو ما يمثل التحدى الأكبر أمام القطاع خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، تلوح فى الأفق فرص واعدة يمكن البناء عليها، من بينها النمو الملحوظ فى صناعة الأوتوبيسات والمركبات التجارية، والتى تمتلك فيها مصر خبرات تراكمية وفرص تصدير حقيقية، إلى جانب التوجه العالمى المتسارع نحو السيارات الكهربائية وصديقة البيئة، وهو ما يفتح مجالات جديدة للاستثمار والتصنيع، كما تسهم الحوافز والتيسيرات الحكومية المعلنة لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية فى تعزيز جاذبية السوق المصرى، خاصة فى ظل سعى الدولة إلى توطين الصناعات الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الواردات. وعلى الجانب الآخر، لا تزال هناك تحديات جوهرية لا يمكن تجاهلها، تأتى فى مقدمتها ارتفاع تكلفة الإنتاج، وضعف نسب المكون المحلى فى العديد من الطرازات، فضلًا عن الحاجة الملحة إلى نقل حقيقى للتكنولوجيا وليس مجرد تجميع شكلى، كما يبرز تحدى تأهيل الكوادر الفنية والهندسية القادرة على مواكبة التطور السريع فى صناعة المركبات عالميًا، سواء من حيث التقنيات الحديثة أو أنظمة الإنتاج المتقدمة. وفي هذا التحقيق، نرصد آراء عدد من الخبراء وقادة قطاع السيارات، الذين يقدمون رؤية شاملة لمستقبل الصناعة في مصر، تتراوح بين التفاؤل بإمكانات النمو الكبيرة، والتحذير من عقبات هيكلية تستوجب التعامل معها بجدية، إذا ما أرادت مصر التحول من مجرد سوق استهلاكى واسع إلى مركز صناعى وتصديرى مؤثر فى المنطقة. ◄ الصياد: توطين المكونات والتوسع في الإنتاج مفتاح ثقة المستهلك ◄ كفاءة الخدمات وأكد شريف الصياد، رئيس مجلس إدارة شركة Glide ورئيس المجلس التصديرى للصناعات الهندسية، أن نجاح صناعة السيارات فى السوق المصرية لا يرتبط فقط بجودة المنتج أو سعره، بل يعتمد بدرجة كبيرة على عامل لا يقل أهمية، يتمثل فى توافر قطع الغيار وكفاءة خدمات ما بعد البيع. ويوضح أن ثقة المستهلك فى أى علامة تجارية لا تتشكل عند لحظة الشراء فحسب، بل تبدأ أساسًا من شعوره بالاطمئنان بعد امتلاك السيارة وقدرته على صيانتها بسهولة. فعندما تتوافر قطع الغيار محليًا وبشكل منتظم، تنخفض فترات انتظار الإصلاح، وتتراجع المخاوف المرتبطة بتعطل السيارة لفترات طويلة، لا سيما أن شريحة واسعة من العملاء تعتمد على سياراتها اعتمادًا أساسيًا فى التنقل اليومى والعمل. وعلى النقيض، فإن نقص المكونات أو تأخر وصولها نتيجة الاعتماد على الاستيراد، أو بسبب أزمات العملة، أو الاضطرابات التى تشهدها سلاسل الإمداد العالمية - سواء بسبب الحروب أو مشكلات الشحن والممرات البحرية - ينعكس بشكل مباشر على قرارات الشراء، ويدفع الكثيرين إلى التردد أو تأجيل دخول السوق، ومن هنا، يرى الصياد أن تعميق التصنيع المحلى لا يخدم الصناعة وحدها، بل يسهم فى تعزيز ثقة المستهلك فى التوكيل والعلامة التجارية، ويوفر قدرًا أكبر من الاستقرار للسوق ككل. وعلى المستوى الاقتصادى الأشمل، يشير شريف الصياد إلى أن صناعة الأوتوبيسات تمثل واحدة من أبرز الفرص الصناعية المتاحة أمام مصر فى المرحلة الحالية، نظرًا لكونها صناعة كثيفة العمالة وقادرة على توفير عدد كبير من فرص العمل، سواء المباشرة داخل المصانع أو غير المباشرة عبر سلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بها، ويلفت إلى أن نجاح بعض المصانع العاملة في السوق المصرية في تصدير كامل إنتاجها من الأوتوبيسات الكهربائية إلى الخارج يعكس نموذجًا عمليًا لقدرة الصناعة المحلية على المنافسة فى الأسواق العالمية، متى توافر التخطيط السليم والدعم المناسب. وتزداد أهمية هذا القطاع فى ضوء ما تمتلكه مصر من شبكة اتفاقيات تجارية مع عدد من الأسواق الكبرى، وهو ما يمنح المنتجات المصرية مزايا نسبية تتعلق بالإعفاءات الجمركية وسهولة النفاذ إلى تلك الأسواق، وهى عناصر يرى الصياد ضرورة البناء عليها عبر التركيز بشكل أكبر على الصناعات التصديرية كثيفة العمالة والقادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد. ◄ آفاق واعدة ورغم ما تحمله هذه الفرص من آفاق واعدة، يؤكد الصياد أن تكلفة الإنتاج لا تزال تمثل التحدى الأكبر أمام صناعة السيارات فى مصر، إذ غالبًا ما تكون تكلفة تصنيع السيارة محليًا أعلى مقارنة بتكلفتها فى بعض الأسواق المنافسة، وهو ما يضعف من القدرة التنافسية للمنتج المصري في التصدير، ويشير إلى أن السوق المحلية تعتمد جزئيًا على فرض رسوم جمركية مرتفعة على السيارات المستوردة لتقليص الفجوة السعرية، إلا أن هذا الحل يظل محدود الأثر ولا يمكن التعويل عليه فى المنافسة خارج الحدود، ومن هذا المنطلق، يبرز قطاع السيارات الكهربائية كفرصة استراتيجية مهمة، خاصة أن تصنيعها أقل تعقيدًا من الناحية الميكانيكية مقارنة بالسيارات التقليدية، وهو ما يتيح للدول التى لا تزال فى طور بناء صناعتها دخول هذا المجال بوتيرة أسرع، كما أن التوزيع غير المتكافئ للاتفاقيات التجارية بين الدول المنتجة، وفى مقدمتها الصين، يفتح المجال أمام مصر للعب دور مركز تصنيعى وتصديرى يخدم أسواقًا تربطها بها اتفاقيات تفضيلية. وفي ختام رؤيته، يشدد شريف الصياد على أن بناء صناعة سيارات كهربائية حقيقية ومستدامة فى مصر لا يمكن أن يتحقق دون إنشاء قاعدة صناعية متكاملة لتصنيع المكونات الرئيسية، وعلى رأسها البطاريات والمحركات الكهربائية، باعتبارهما العنصرين الأكثر تكلفة فى السيارة، ويؤكد أن غياب توطين إنتاج هذه المكونات سيبقى الصناعة المحلية فى إطار التجميع محدود القيمة المضافة، دون تحقيق الأثر الاقتصادى المنشود، ولذلك، فإن مستقبل صناعة السيارات فى مصر، من وجهة نظره، يرتبط بشكل مباشر بالانتقال الجاد من مرحلة التجميع إلى مرحلة التصنيع العميق للمكونات، بما يسهم فى رفع نسب المكون المحلى، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصرى، ودعم الاقتصاد الوطنى عبر زيادة الصادرات وتوفير فرص عمل مستدامة. ◄ جنيدي: التجميع المحلي أعاد الطمأنينة للمشترى والصناعة تحتاج تكنولوجيا حقيقية ◄ تطور ملحوظ يرى أسامة جنيدي، مدير فروع شركة جلوبال إنجينز وكلاء دونج فينج للسيارات التجارية، أن ملف التجميع المحلى للسيارات فى مصر يشهد تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، وهو تطور انعكس بشكل مباشر على مستوى ثقة المستهلكين بعد سنوات طويلة من التردد والحذر فى اتخاذ قرار الشراء. ويوضح أن وجود السيارة مجمعة محليًا لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد ميزة صناعية، بل أصبح عنصر أمان حقيقى للمشترى، لما يرتبط به من سهولة فى الصيانة، وتوافر مستمر لقطع الغيار، وانخفاض نسبى فى تكاليف التشغيل مقارنة بالسيارات المستوردة كاملة الصنع. كما أسهم التحسن الواضح فى خدمات ما بعد البيع، إلى جانب انتشار مراكز الخدمة المعتمدة، فى تعزيز إحساس العملاء بوجود كيان قوى ومسؤول يقف خلف المنتج، لا يقتصر دوره على إتمام عملية البيع، بل يمتد ليشمل تقديم دعم فنى وتشغيلى مستدام طوال دورة حياة السيارة. ويشير جنيدى إلى أن هذا التحول الإيجابى ساعد على خلق حالة من الاستقرار النسبى داخل سوق السيارات، حيث تراجعت المخاوف المرتبطة بنقص المكونات أو تأخر عمليات الإصلاح والصيانة، وهو ما جعل قرار شراء السيارة أكثر وضوحًا وسهولة مقارنة بالفترات السابقة التى اتسمت بحالة من عدم اليقين. وأضاف أن هذا الواقع الجديد عزز من الدور المتنامى للوكلاء القادرين على تطوير منظومة خدمات ما بعد البيع وتوسيع شبكات الدعم الفنى، بما يتماشى مع زيادة الاعتماد على الإنتاج والتجميع المحلى، ويواكب احتياجات العملاء المتزايدة. وعلى مستوى الاقتصاد الكلى، يوضح جنيدى أن آثار التجميع المحلى تتجاوز حدود سوق السيارات ذاته، إذ يسهم هذا النشاط فى خلق فرص عمل مباشرة داخل المصانع، إلى جانب فرص غير مباشرة فى قطاعات متعددة مثل النقل، والخدمات اللوجستية، والصيانة، والتوزيع. كما يؤدى إلى تنشيط الصناعات المغذية المرتبطة بقطاع السيارات، ومنها صناعات البطاريات، والإطارات، والزجاج، والضفائر الكهربائية، والفلاتر، وغيرها من المكونات التى باتت تشهد طلبًا محليًا منتظمًا مع توسع نشاط التجميع. ويؤكد أن زيادة نسب التجميع المحلى تمثل عاملًا مهمًا فى تقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يخفف الضغط على موارد النقد الأجنبى، ويعزز من دوران رؤوس الأموال داخل الاقتصاد الوطنى. ورغم هذا التقدم، يشدد جنيدى على أن صناعة السيارات فى مصر لا تزال تواجه تحديات رئيسية، يأتى فى مقدمتها ضرورة رفع نسب المكون المحلى، خاصة فى الأجزاء ذات التكنولوجيا المرتفعة مثل المحركات، وناقلات الحركة، والأنظمة الإلكترونية المتقدمة. ويتطلب تجاوز هذا التحدى ضخ استثمارات أكبر، وتحقيق نقل حقيقى للتكنولوجيا والخبرات الفنية، يتجاوز حدود التجميع التقليدى إلى التصنيع المتعمق. كما يظل توفير العملة الأجنبية تحديًا مستمرًا، فى ظل اعتماد بعض الخامات والمكونات الأساسية على الاستيراد، ما يجعل الصناعة عرضة لتقلبات أسعار الصرف وتأثيراتها المباشرة على التكلفة. ◄ الكوادر الفنية ويبرز كذلك عنصر تأهيل الكوادر الفنية كأحد المفاتيح الحاسمة للمرحلة المقبلة، إذ تحتاج الصناعة إلى مهندسين وفنيين مدربين على أحدث التكنولوجيات المستخدمة فى صناعة المركبات. وهو ما يستدعى، بحسب جنيدى، تعزيز الربط بين المصانع ومنظومة التعليم الفنى والهندسى، وتوسيع برامج التدريب المتخصص، بما يضمن توافر كوادر قادرة على مواكبة التطور السريع فى هذا القطاع. وفى سياق التحول العالمى المتسارع نحو السيارات الكهربائية، يؤكد جنيدى أهمية التحرك على عدة مسارات متوازية، تبدأ بإنشاء بنية تحتية واسعة وموثوقة لمحطات شحن السيارات الكهربائية، بما يمنح المستخدم الثقة فى الاعتماد اليومى على هذا النوع من المركبات. كما يتطلب الأمر تشجيع التصنيع المحلى لمكونات السيارات الكهربائية، وعدم الاكتفاء بتجميعها فقط، وذلك من خلال حوافز استثمارية واضحة وجاذبة. ويظل عقد شراكات استراتيجية مع الشركات العالمية ذات الخبرة عنصرًا حاسمًا لتسريع نقل التكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. وبهذه الرؤية المتكاملة، يرى جنيدى أن مصر تمتلك فرصة حقيقية لبناء صناعة سيارات أكثر عمقًا واستدامة، قادرة على دعم الاقتصاد الوطنى، وخلق فرص عمل، ومواكبة التحولات العالمية المتسارعة فى قطاع النقل والتنقل. ◄ حسين: ندخل مرحلة إعادة بناء ثقة تقودها خطوات ملموسة فى التجميع المحلي ◄ مرحلة مفصلية يشير الدكتور طارق مصطفى حسين، خبير السيارات، إلى أنه مع بداية عام 2026 يدخل سوق السيارات المصرى مرحلة مفصلية تتداخل فيها مجموعة من العوامل الاقتصادية والصناعية والاستهلاكية، أعادت مجتمعة تشكيل خريطة العرض والطلب داخل السوق. ويوضح أن هذه المرحلة تتميز ببروز التوسع فى التجميع المحلى، وتحسن خدمات ما بعد البيع، وزيادة توافر قطع الغيار، باعتبارها عناصر محورية أسهمت فى استعادة ثقة المستهلك وتحفيز قرارات الشراء، بالتوازى مع أدوار أعمق بدأت تلعبها صناعة السيارات على مستوى الاقتصاد الكلى والتحول التكنولوجى. ويضيف أنه بعد فترة طويلة من التباطؤ وعدم اليقين التى هيمنت على السوق خلال الأعوام السابقة، بدأ المستهلك المصرى مع مطلع عام 2026 فى إعادة تقييم قرارات الشراء على أسس أكثر واقعية وعملية. وقد لعب التوسع النسبى فى التجميع المحلى دورًا رئيسيًا فى هذا التحول، من خلال تحسين توافر السيارات داخل السوق وتقليص فترات الانتظار مقارنة بالسيارات المستوردة بالكامل، إلى جانب تحقيق قدر من الاستقرار النسبى فى الأسعار نتيجة تقليل الاعتماد الكامل على العملة الأجنبية. كما أسهم وجود خطوط إنتاج محلية فى تعزيز إحساس المستهلك باستمرارية العلامة التجارية داخل السوق، وقدرتها على الاستمرار فى تقديم الدعم والخدمة على المدى المتوسط والطويل. وفي السياق نفسه، يشكل التحسن الملحوظ فى خدمات ما بعد البيع، واتساع شبكات الصيانة المعتمدة، إلى جانب تحسن توافر قطع الغيار المنتجة أو المجمعة محليًا، عنصر أمان نفسى مهم للمشترى، لا سيما بعد سنوات من المعاناة مع نقص قطع الغيار وارتفاع تكاليف الصيانة والإصلاح. ويؤكد الدكتور طارق أن هذا المزيج من العوامل أسهم فى إعادة بناء الثقة التى فقدها السوق فى فترات سابقة، ما أدى إلى عودة قرارات شراء كانت مؤجلة، خاصة فى فئات السيارات الاقتصادية والمركبات التجارية الخفيفة التى تمثل شريحة واسعة من الطلب. ويشدد الدكتور طارق مصطفى على أن أثر التجميع المحلى لا يقتصر على السوق الاستهلاكى فحسب، بل يمتد ليشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الكلى، ويتجلى ذلك فى عدة أبعاد متداخلة. فالتوسع فى مصانع التجميع وما يرتبط بها من أنشطة لوجستية وخدمية أسهم فى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، خاصة للعمالة الفنية والمتوسطة. كما أدى تنشيط الصناعات المغذية إلى زيادة الطلب على مكونات مثل الأسلاك الكهربائية، والبطاريات، والزجاج، والإطارات، والمقاعد، وهو ما شجع نمو عدد من الصناعات المحلية المرتبطة بقطاع السيارات، حتى وإن كانت بنسب متفاوتة من القيمة المضافة. ◄ فاتورة الاستيراد ويضيف أن كل سيارة يتم تجميعها محليًا تعنى بالضرورة تخفيضًا جزئيًا فى فاتورة الاستيراد، وتقليل الضغط على النقد الأجنبى، وتحسينًا نسبيًا فى ميزان المدفوعات، رغم استمرار الحاجة إلى استيراد بعض المكونات الرئيسية. وبهذا المعنى، تتحول صناعة السيارات تدريجيًا من مجرد نشاط تجارى يعتمد على الاستيراد والبيع، إلى قطاع صناعى له وزن اقتصادى واجتماعى متزايد داخل الاقتصاد الوطني. ورغم هذا التحسن النسبى، يرى الدكتور طارق مصطفى أن صناعة السيارات المجمعة محليًا لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الجوهرية التى يجب التعامل معها بجدية. يأتى فى مقدمة هذه التحديات ضعف نسب المكون المحلى، حيث تعتمد العديد من الطرازات على أنماط تجميع شبه كاملة بنظامى SKD وCKD، وهو ما يحد من تحقيق قيمة مضافة حقيقية. كما يمثل توفير العملة الأجنبية لاستيراد المكونات الرئيسية تحديًا مستمرًا، إذ تظل الصناعة مرتبطة بتقلبات سوق الصرف وتوافر الدولار. ويشير أيضًا إلى أن تأهيل العمالة الفنية يمثل تحديًا لا يقل أهمية، فى ظل التطور التكنولوجى السريع فى صناعة السيارات، والذى يتطلب عمالة مدربة على التعامل مع الأنظمة الإلكترونية والبرمجية المتقدمة، وهى فجوة لا تزال قائمة فى بعض المصانع. ويضاف إلى ذلك الحاجة إلى حوافز استثمارية وتشريعية أكثر وضوحًا لتشجيع تجميع وتصنيع السيارات الكهربائية ومكوناتها، إلى جانب أهمية نقل وتوطين التكنولوجيا عبر شراكات حقيقية مع شركات عالمية، وليس الاكتفاء بعمليات تجميع شكلية. كما يؤكد ضرورة تطوير منظومة التعليم الفنى والهندسى لخلق كوادر قادرة على التعامل مع البرمجيات والأنظمة الذكية، بالتوازى مع بلورة رؤية تصديرية واضحة تجعل من مصر مركزًا إقليميًا لتجميع وتصدير السيارات إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط. ويرى أن تحقيق هذه العناصر مجتمعة من شأنه ضمان استدامة التحول الجارى، ومنح الصناعة المصرية ميزة تنافسية إقليمية حقيقية، بدل الاكتفاء بتلبية الطلب المحلى فقط. وفى ختام تحليله، يؤكد الدكتور طارق مصطفى أن سوق السيارات المصرى فى عام 2026 يدخل بالفعل مرحلة إعادة بناء للثقة، تقودها خطوات ملموسة فى مجال التجميع المحلى وتحسن خدمات ما بعد البيع. إلا أن تحويل هذا التحسن إلى نهضة صناعية مستدامة يتطلب مواجهة التحديات الهيكلية القائمة، والاستثمار الجاد فى تعميق المكون المحلى، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر البشرية. وعندها فقط، يمكن لصناعة السيارات فى مصر أن تنتقل من مرحلة «التعافي» إلى مرحلة «الريادة الإقليمية» فى قطاع السيارات. ◄ سعد: الحوافز الحكومية تدفع التصنيع المحلي للأمام ◄ الحوافز والتيسيرات أوضح خالد سعد، الأمين العام لرابطة مصنعى السيارات أن الحكومة المصرية اتجهت خلال الفترة الأخيرة إلى طرح حزمة متكاملة من الحوافز والتيسيرات، تستهدف جذب الاستثمارات فى مجال تصنيع السيارات محليًا، مع تركيز خاص على السيارات الكهربائية باعتبارها أحد محاور التطوير المستقبلية للصناعة. ووفقًا لخطط الشركات العاملة فى السوق، تستعد عدة علامات تجارية لطرح طرازات كهربائية يتم تصنيعها محليًا مع بداية عام 2026، فى خطوة تعكس تطورًا مهمًا في مسار توطين هذه الصناعة. ورغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بعملية التحول، فإن سعد يرى أنها تظل محدودة مقارنة بحجم التطور الذى يشهده القطاع، مشيرًا إلى أن أبرز هذه التحديات يتمثل في نقص نقاط الشحن، لا سيما على الطرق السريعة، في ظل توقعات بارتفاع الطلب على السيارات الكهربائية خلال المرحلة المقبلة. وفي السياق نفسه، أكد سعد أن حالة من التفاؤل تسود سوق السيارات حاليًا، مدفوعة بدخول طرازات جديدة ضمن منظومة التصنيع المحلي، وهو ما من شأنه تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية على المستوى الإقليمي. وأشار إلى أن جودة السيارات المنتجة محليًا شهدت تحسنًا ملحوظًا، وأصبحت تقترب بدرجة كبيرة من مثيلاتها المستوردة، الأمر الذي يمهد لمرحلة جديدة من الاعتماد المتزايد على الصناعة المصرية. هذا التطور يسهم بدوره في توسيع قاعدة المستهلكين الباحثين عن سيارات حديثة تجمع بين التكنولوجيا المتطورة والتكلفة المناسبة، دون التضحية بعوامل الجودة أو الاعتمادية. ◄ الإنتاج المحلي وأضاف خالد سعد أنه من المتوقع خلال الفترة المقبلة أن تشهد معدلات الإنتاج المحلى تحسنًا واضحًا، فى ضوء توجه الدولة نحو تطوير صناعة السيارات وتنظيم عمليات الاستيراد، بما يخلق بيئة أكثر استقرارًا للسوق. ويرى أن هذا التوجه يفتح المجال أمام فرص نمو أكبر للقطاع، ويمنح المستهلكين خيارات أوسع من الطرازات، إلى جانب أسعار أكثر توازنًا مقارنة بالفترات السابقة. كما أشار إلى أن استقرار الأسعار، إلى جانب تحسن قدرة البنوك على توفير التمويل اللازم لشراء السيارات، من شأنه أن يسهم فى تنشيط حركة المبيعات، خاصة فى ظل تغير النظرة إلى السيارة، التى لم تعد تُعد سلعة رفاهية بقدر ما أصبحت ضرورة يومية لقطاع واسع من المواطنين، رغم الارتفاع المستمر فى تكاليف التشغيل مثل الصيانة والتأمين والوقود. وفيما يتعلق بالسيارات الكهربائية، شدد سعد على أن التحدى الأبرز الذى لا يزال يواجه انتشارها فى السوق المصرى يتمثل فى ضعف البنية التحتية الخاصة بمحطات الشحن، على الرغم من المزايا الكبيرة التى توفرها هذه السيارات للدولة والمواطن على حد سواء. وأوضح أن الاعتماد على السيارات الكهربائية يسهم فى خفض الدعم الموجه للوقود، وتقليل الانبعاثات الضارة بالبيئة، فضلًا عن تقليص تكاليف التشغيل بنسبة قد تصل إلى 60% مقارنة بالسيارات التقليدية. ولفت إلى أن الخطة التى استهدفت إنشاء نحو 3000 محطة شحن بنهاية العام لم يتحقق منها سوى ما يقرب من 500 محطة فقط حتى الآن، مؤكدًا أن استكمال شبكة الشحن يمثل شرطًا أساسيًا لتعزيز ثقة المستهلك المصرى فى التحول إلى السيارات الكهربائية، وتمكينه من استخدامها دون القلق من فترات الانتظار الطويلة أو طوابير الشحن.