المواجهة الأمريكية - الإيرانية كما تراها الصحف الغربية حرب لا يريدها أحد ولكن الجميع يستعد لها ولتداعياتها، المشهد لا يُقدَّمه الإعلام الغربى كحكاية "ضربة تُنهى الملف"، ولا كصراعٍ يمكن اختزاله فى تفوقٍ جويّ أمريكيّ أو ضغطٍ اقتصاديّ متكرر، يُقدَّم كمعادلة كلفة وفواتير مُتبادلة: واشنطن تستطيع أن تبدأ، لكن طهران تستطيع أن تُفسد النهاية وبين البدء والنهاية مساحةٌ رمادية هى أخطر ما فى الأزمة: منطقةٌ تكفى فيها شرارةٌ صغيرة— احتكاك فى ممرٍّ مائي، صاروخٌ يخطئ هدفه، أو قرارٌ داخليّ متوتر— لكى تتحول سياسة الردع إلى انزلاقٍ لا يخدم أحدًا. ما يُقال هناك أن إيران، حتى وهى "مجهدة"، ليست دولةً فقدت القدرة على الإيذاء .. الفكرة الأساسية أن الضربة الأمريكية—إن وقعت— لن تواجه خصمًا بلا أدوات، بل دولة تملك ترسانة صاروخية واسعة، وقدرة على إطلاق كثيف ومتكرر، وأذرعًا يمكن تفعيلها خارج الحدود، وأهم من ذلك: قدرة على نقل المواجهة من "سماء" مُتحكم فيها أمريكيًا إلى "أرض" وممراتٍ وقواعد ومصالح يصعب تأمينها كلها فى وقت واحد لذلك لا تظهر إيران فى السرد الغربى كخصمٍ قادر على الانتصار العسكري، بل كخصمٍ قادر على فرض فاتورة سياسية وعسكرية واقتصادية على من يهاجمه. وفى المقابل، لا تُقدَّم واشنطن كقوة تبحث عن الحرب لذاتها، بل كقوة تحاول أن تجعل الحرب احتمالًا حاضرًا كى تدفع التفاوض إلى حافة القرار، التلويح هنا أداة إدارة زمن: كلما رفعت واشنطن سقف التهديد، ضاقت مساحة المناورة أمام طهران، وتحوّل "الوقت" من ميزةٍ إيرانية إلى عبءٍ إيرانى هذا هو جوهر اللحظة: ضغطٌ يحاول أن يفرض إيقاعًا سريعًا، مقابل نظامٍ إيرانى يحاول إبطاء الإيقاع لأنه يعرف أن السرعة ليست فى صالحه. لكن الغرب لا يكتب الأزمة كصراع "عسكري" فقط، بل كصراع على نقطة واحدة حساسة: مضيق هرمز لأنه فى القراءة الغربية ليس مجرد ممر، بل صمام سعر الطاقة العالمى .. أى تهديد حقيقى للملاحة هناك—حتى لو كان محدودًا—يكفى لرفع أسعار النفط، وإرباك الأسواق، وتوسيع نطاق الأزمة خارج الشرق الأوسط .. ولهذا تبدو كل الإشارات إلى الحشد البحرى والدفاعات الصاروخية والتحصينات الإقليمية وكأنها إدارة لمشهدين فى وقت واحد: مشهد الردع العسكري، ومشهد حماية الاقتصاد العالمى من الارتجاج، الفكرة ليست أن إيران ستغلق هرمز بسهولة أو بلا ثمن، بل أن مجرد اللعب على حافته قد يكون ردًا بحد ذاته. ومن هنا يبرز فى التحليل الغربى مأزق إيران الداخلي: التفاوض قد يُفهم داخل النظام كتنازل يمس الثوابت والهيبة، والقتال قد يفتح أبوابًا تُظهر الدولة أمام جمهورٍ مُثقل اقتصاديًا كأنها تُجازف بما تبقى من قدرة على الإدارة لهذا لا تُرى الخيارات الإيرانية كخيارات "جيدة" بل كخيارات ضررٍ أقل: شراء وقت بالتفاوض، أو ردع بالتصعيد، أو مزيج متوتر بينهما وفى الخلفية دائمًا سؤال لا يمنح إجابة سهلة: هل يمكن لنظامٍ تحت ضغط داخلى أن يقدّم تنازلاتٍ كبيرة بلا اهتزاز؟ وهل يمكنه أن يقاتل دون أن يدفع ثمنًا داخليًا أكبر؟ وفى نفس الوقت، تظهر أوروبا فى الرواية الغربية كجزء من ضغطٍ مُتسع لا كمتفرج ليس لأن أوروبا تقود المواجهة، بل لأنها تغلق منافذ التخفيف السياسى والاقتصادى عبر عقوبات وتصنيفات وتضييق على شبكات التمويل والتسليح .. هذا التمدد فى الجبهة الغربية لا يصنع قرار الحرب، لكنه يقلل قدرة طهران على تفكيك الضغط أو اللعب على خلافات الحلفاء، ويحوّل الأزمة من ملف أمريكي–إيرانى إلى مناخ دولى أقل تساهلًا مع طهران فى لحظة حساسة. السردية الغربية ليست دعوة للحرب ولا احتفاء بالتفاوض، بل تحذير من فكرة "الضربة النظيفة"، لا توجد ضربة نظيفة فى مواجهةٍ كهذه، لأن الخصم لا يحتاج أن يُسقِط الطائرات كى يربك الحسابات؛ يكفيه أن يهدد القواعد، ويضغط على الممرات، ويشعل ساحاتٍ بالوكالة، ويرفع كلفة التأمين والطاقة .. وفى المقابل، لا توجد ضمانة أن التلويح بالقوة سيُنتج صفقة مستقرة، لأن أى اتفاق يخرج تحت ضغطٍ عالٍ قد يولد هشًا وقابلًا للانقلاب عند أول تغيير فى الإيقاع السياسي. فى رأيي، الصورة الأقرب للواقع ليست "حرب أو سلام"، بل "ردع أو انزلاق" الغرب يقرأ الأزمة كسباق بين منطقين: منطق واشنطن الذى يريد قرارًا سريعًا يُنهى حالة الغموض، ومنطق طهران الذى يريد إطالة الزمن حتى تُنهك التهديدات أو تتبدل الأولويات وبينهما يقف الشرق الأوسط كله كمساحة اختبار: إذا ربح الردع، سنرى تفاوضًا قاسيًا لكن ممكنًا وإذا ربح الانزلاق، سنرى مواجهة تبدأ بعنوان محدود ثم تتسع لأن أدوات الرد أصبحت مُوزعة على خرائط عديدة، ولأن الاقتصاد العالمى لا يتحمل ارتجاج هرمز بلا حساب.