يزور رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون واشنطن الشهر المقبل لاجراء محادثات مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ومناقشة عدة ملفات ساخنة تتعلق بالأزمة الاقتصادية العالمية ومتابعة قضايا الشرق الأوسط ، خصوصاً الموضوع السوري الباحث عن حل علي مائدة مجلس الأمن لاقرار خطة الجامعة العربية بتسليم السلطة في دمشق لنائب الرئيس وتنحي بشار الأسد عنها.هذه المحادثات البريطانية الأمريكية تأتي في وقت بارز بشأن الملف الأفغاني وسعي واشنطن مع لندن لتحقيق تسوية سلمية في أفغانستان تنهي الصراع الدائر منذ عشر سنوات عبر التوصل الي اتفاق مع حركة «طالبان» يسمح لها بدخول تفاوض بعد القاء السلاح وانهاء النزاع المستمر منذ دخول قوات حلف «الناتو» في معمعة المشكلة الأفغانية عام 2001. هناك قناعة لدي بريطانيا والولاياتالمتحدة بأن الحرب في أفغانستان تتجه الي نهاية ، لكن الأزمة مرتبطة باقناع «طالبان» بالتفاوض مع الحكومة الموجودة في «كابول». اذ أن أنصار الحركة المسلحة يسعون للوصول الي السلطة بأنفسهم بدلا من المشاركة مع حكومة أفغانية يرونها ضعيفة ومتهالكة. وقد أنهت حركة «طالبان» علاقاتها مع تنظيم «القاعدة» وأسقطت عنها هذه الخطوة خطورة فجّرت الحرب منذ عشر سنوات. واذا كانت العلاقة مع «القاعدة» انتهت فيمكن تسوية الأمر بطريقة ما لانهاء مهمة قوات حلف الناتو هناك في حالة الوصول الي نهاية سلمية تنهي الحرب الدائرة هناك. الشأن الأفغاني سيكون علي مائدة المباحثات الأمريكية البريطانية علي مستوي القمة. غير أن أكثر الملفات سخونة هو بالطبع التعامل مع ايران في ظل تطورات أخيرة واستمرار نهج يطبق مقاطعة وعقوبات وصفها وزير الخارجية البريطاني وليم هيج بانها كفيلة باقناع حكومة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد أن المفاوضات مع المجتمع الدولي هي الطريق الأفضل ، وأن التلويح بالحرب واغلاق مضيق هرمز مخاطرة ستفكر الحكومة في طهران أكثر من مرة قبل الانزلاق في مستنقع لا تستطيع الخروج منه. وصلت الأمور الي مرحلة دقيقة باعلان الاتحاد الأوروبي مقاطعة استيراد النفط الايراني. من جانب آخر تحركت قطع بحرية أمريكية وبريطانية الي مياه الخليج للتلويح باستعدادها للتحرك اذا نفذت ايران تهديدها باغلاق مضيق هرمز. وقد تراجعت الحكومة الايرانية عن التلويح باستخدام هذه الورقة ، كما أنها سمحت لفريق التفتيش الدولي لزيارة مواقعها النووية للتأكيد علي سلمية هذا المشروع. كان وليم هيج وزير الخارجية البريطانية ألقي بياناً في مجلس العموم يشرح سياسة حكومته بالتعاون مع ايران واستخدام أسلوب العقوبات لاقناعها بالعودة الي التفاوض ، لأن اشعال المنطقة كما تهدد لن يكون في صالحها علي الاطلاق. وقد تراجعت حكومة طهران عن الحافة التي اندفعت اليها لترهيب الاتحاد الأوروبي حتي لا يطبق أسلوب المقاطعة لشراء نفطها. وعندما اتخذ الاتحاد هذه الخطوة قالت ايران انها غير مؤثرة ولن تضر بمستوي تصدير نفطها الي الخارج ، اذ هناك عدة دول أخري غير أوروبية أبدت رغبتها بشراء الكميات التي حجبها الاتحاد الأوروبي عن مصانعه. سيكون أمام باراك أوباما وكاميرون الملف الايراني كله لبحث احتمالاته المختلفة في ضوء تهديدات اسرائيلية تصل الي الصحف الأمريكية والبريطانية تُعلن عن استعداد لتوجيه ضربة عسكرية لايران تدمر المنشآت النووية. وهي الخطوة التي قامت بها اسرائيل من قبل ضد منشآت عراقية خلال حكم نظام حزب البعث للعراق. اسرائيل تعطي انطباعات علي مستوي العالم بقدرتها لتكرار المشهد العراقي علي الأراضي الايرانية. والحكومة في تل أبيب لا تستطيع القيام بهذه العملية دون الحصول علي ضوء أخضر مباشر من واشنطن وتأييد لندن لخطورة الموقف تماماً في ظل تهديدات ايرانية بأنها قادرة علي الرد علي اسرائيل بعمل أعنف وعلي مساحة عريضة ومتنوعة. لعبة التخويف بالحرب ويقول لورد «جيلبرت» وهو وزير سابق لدي وزارة الدفاع البريطانية ، بأن الأطراف كلها لا تدفع نحو الحرب لأن التورط فيها خطير للغاية والظروف الدولية والاقتصادية غير مهيأة لاشتعالها لعلاقة أسعار النفط بالموضوع وهناك أزمة اقتصادية خانقة تمسك بالدول الغربية كلها. من ناحية المنطق السياسي فان اشعال الحرب في الخليج مخاطرة بالغة الأضرار. وكل الأطراف بما فيها ايران نفسها تدرك ذلك. وفي هذا المناخ تستعمل الدول الغربية مع ايران ذاتها لعبة الضغط والمناورة والتلويح باستخدام القوة والتراجع عن ذلك عندما تصل الأمور الي قمة التأزم. الحرب غير مطلوبة ولا ضرورية ، غير أن اسرائيل تمارس لعبة التخويف بفرض شبح وجودها وقلب المعادلة كلها علي رؤوس الجميع لتأكيد انها لاعب مهم يملك مفاتيح الحرب والسلام في منطقة الشرق الأوسط. تشعر اسرائيل أن رياح التغيير في المنطقة تهدد قوتها التي هيمنت لأكثر من نصف قرن. وهي تريد استثمار الموضوع الايراني لاستعراض عضلاتها وقدرتها علي تنفيذ ضربة سريعة غير منتظرة لقرار مؤسسات داخلية أو برلمان ، بعكس الأوضاع في واشنطنولندن المكبلة بقيود السياسة الديمقراطية ، خصوصاً أن هناك انتخابات رئاسية في الولاياتالمتحدة ، وبريطانيا مكبلة بعشرات الضوابط البرلمانية نتيجة ما حدث في العراق والحرب التي خاضتها هناك وفجرت الخلافات الحادة. زيارة كاميرون للولايات المتحدة ستبحث الموضوع الايراني بدقة والغوص في كل الاحتمالات ، غير أن الجانب البريطاني لديه قناعة قوية بأن العالم لا يحتمل هذه الحرب المقترحة في منطقة الخليج الاستراتيجية ، وان تراجع ايران عن تهديدها باغلاق مضيق هرمز يعني حرصها في الوقت نفسه علي ضبط ايقاعها وعدم تحويل الشعارات الي واقع يدفع لاندلاع النيران. مناورة النظام النظام في طهران اعتاد المناورة باستخدام كل الأوراق الساخنة ، غير أنه يعلم بأن الحرب ستحرقه أولا قبل خصومه اذا انزلق اليها. ولعل الخارجية الايرانية صاحبة أسلوب المناورة وراء الاعتماد علي الضغوط الدبلوماسية وتجريب القوة الناعمة واستخدام المناورات والتراجع عنها في لعبة الشد والجذب والتراخي. لكن اسرائيل بدورها تستخدم أسلوب تسخين الساحة لجذب الأنظار الي ايران وتحويل الضغط بعيداً عن سياسة بناء المستوطنات ومعاندة الشعب الفلسطيني. تل أبيب تسعي بكل الطرق لإيهام العالم بأنها في خطر ومهددة وأنها ستتصرف بمفردها اذا لم تتدخل الدول الكبري لقمع ايران وتدمير برنامجها النووي. السياسة الاسرائيلية تستخدم الورقة الايرانية للضغط المباشر علي انتخابات الرئاسة الأمريكية باعتبار وجود خطر ايراني يتطلب قيام ادارة جديدة تأتي من قلب الحزب الجمهوري ، الذي حرك من قبل الحرب علي العراق ودخل الي أفغانستان وأشعل ما يسمي بالحرب علي الارهاب. رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو يتدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية بتضخيم الخطر الايراني والتلويح بأن بلاده ستتحرك بمفردها لمواجهة هذا الخطر كما فعلت مع العراق ونجحت من قبل. وايران ليست العراق بالتأكيد ، لكن اسرائيل تستخدم أوراق الضغط لصالحها هي أولا ، ومباحثات باراك أوباما وكاميرون في واشنطن ستنظر بطريقة أعمق ليس لتجنب الحرب فقط وانما لتطويق ايران بالعقوبات لاجبارها علي الخضوع والاستستلام في ظل أجواء تسحب منها حلفاء كانوا معها مثل سوريا ونظام الرئيس بشار الأسد.