رئيس الوزراء يتلقى التقرير النهائي للجنة تطوير الإعلام المصري    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    إجراءات حاسمة ضد المنشآت الصناعية غير المرخصة    الرقابة المالية تعتمد ضوابط جديدة لتعديل تراخيص شركات التأمين لمزاولة نشاط التأمين متناهى الصغر    فرصة لجذب استثمارات جديدة| مجتمع الأعمال: الغزل والنسيج والنقل أبرز القطاعات المستفيدة    الجسر العربي: استثمارات تتجاوز 55 مليون دولار ترفع حركة الشاحنات على خط «نويبع–العقبة»    وزير الخارجية يبحث مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تطورات الملف الإيرانى    على حافة المواجهة| أمريكا وإيران فى اختبار جديد بمسقط.. وترامب يلوّح بالحرب    تفاصيل صادمة حول مقتل نجل القذافي وتورط "حكومة العائلة"    رخا: نقلة نوعية وتكامل عسكرى لمواجهة تحديات الإقليم    وصول سفينة إماراتية إلى ميناء العريش محملة ب4 آلاف طن مساعدات لغزة    استبعاد رونالدو من كلاسيكو النصر واتحاد جدة في الدوري السعودي    تشكيل وادي دجلة لمواجهة المقاولون في الدوري    القضية رقم 11.. فيفا يعلن إيقاف قيد جديد على الزمالك    الإيطالي فرانسيسكو يصل القاهرة فجر غد لتدريب طائرة الزمالك    المستشار بولس فهمى: نقل خبراتنا الدستورية للأشقاء الأفارقة    حماية الأطفال «3»    مكتبة الإسكندرية تكرم الدكتور مصطفى الفقي لإهدائه مجموعة كتبه الخاصة    الحارث الحلالمة: استهداف مظاهر الاستقرار فى غزة سياسة إسرائيلية ممنهجة    سفراء «الشافعى»| 4 وجوه مصرية تدشن منصة أمل فى «مقابر الإمام»    وكيل صحة الإسماعيلية تتفقد وحدة طب أسرة بالكيلو 17 بالقنطرة غرب    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    «الضوضاء الوردية» تحسن النوم    الزمالك انتصار الشباب.. ومشكلة الأهلى أمام البنك    محافظ كفر الشيخ يشهد ورشة عمل تطبيق اللائحة التنفيذية لقانون تقنين أملاك الدولة    بنك إنجلترا يثبت سعر الفائدة متوافقا مع المركزي الأوروبي بسبب التضخم    «التنظيم والإدارة» يتيح الاستعلام عن نتيجة وظائف سائق وفني بهيئة البناء والإسكان    "مجرد واحد".. تفاصيل رواية رمضان جمعة عن قاع الواقع    الإثنين.. افتتاح معرض "أَثَرُهَا" ل30 فنانة تشكيلية بجاليري بيكاسو إيست    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    الصحة العالمية تُصوت لإبقاء الوضع الصحي في فلسطين في حالة طوارئ    إصابة 8 أشخاص فى انقلاب سيارة ربع نقل بطريق الزعفرانة بنى سويف    ترامب: قضينا على داعش تماما فى نيجيريا    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال يناير الماضي    السبت.. مواهب الأوبرا للبيانو والغناء العربي في دمنهور    الصحة: الوزير تفقد معبر رفح لمتابعة الأشقاء الفلسطينيين القادمين والعائدين إلى قطاع غزة    البورصة تخسر 7 مليارات جنيه بختام تعاملات الأسبوع    رافينيا يغيب عن برشلونة أمام ريال مايوركا بسبب الإصابة    تعليم القليوبية يشدد الإجراءات الأمنية قبل انطلاق الفصل الدراسي الثاني    السفير محمود كارم يشارك في اجتماع شبكة المؤسسات الوطنية الأفريقية لحقوق الإنسان    طريقة عمل الثوم المخلل فى خطوات بسيطة وسريعة    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    التصريح بدفن جثمان طالبة بعد سقوطها من الدور الثاني بمنزلها بالمنيا    شن حملة تفتيشية مكثفة على المحلات بالغردقة لضبط الأسواق.. وتحرير 8 إنذارات لمخالفات متعددة    مفيش رسوم نهائي.. شروط إقامة موائد الرحمن خلال شهر رمضان 2026    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    عمر جابر خارج حسابات الزمالك في مواجهة زيسكو بالكونفدرالية    وزير التجارة الجزائري: حريصون على دعم تكامل الاقتصاد العربي    ما هى الخطوة المقبلة للأبطال؟    نشاط رياح مثيرة للرمال والأتربة على مطروح والساحل الشمالي والعلمين    سوق الدواجن يستقبل شهر رمضان بموجة غلاء جديدة وكيلو الفراخ البيضاء ب 100 جنيه    عبد الصادق الشوربجى: الصحافة القومية حققت طفرة معرفية غير مسبوقة    الداخلية تضبط 462 تاجر سموم وتصادر 600 كيلو حشيش و285 قطعة سلاح    خدمات مرورية على الطرق السريعة لمواجهة ازدحام عطلة نهاية الأسبوع | فيديو    حكم زينة رمضان.. حرام بأمر الإفتاء في هذه الحالة    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جمهورية دلال
نشر في الشروق الجديد يوم 11 - 03 - 2010

كتب نزار قبانى يقول «بعد ألف سنة سيقرأ الأطفال العرب الحكاية التالية: إنه فى اليوم الحادى عشر من شهر مارس 1978 تمكن اثنا عشر رجلا وامرأة من تأسيس جمهورية لفلسطين فى داخل باص ودامت جمهوريتهم أربع ساعات، لا يهم أبدا كم دامت هذه الجمهورية، المهم أنها تأسست».
كل عام وفلسطين طيبة، كل عام وفلسطين تقاوم، اليوم هو الخميس الموافق الحادى عشر من مارس 2010 وهو الذكرى السنوية الثانية والثلاثين لتأسيس جمهورية دلال المغربى. ودلال المغربى ابنة العشرين ربيعا التى استشهدت فى يوم تأسيس جمهوريتها يعرفها جيلنا جيل الستينيات حق المعرفة، أما «جيل أكتوبر» وما بعده فالأرجح أنه لم يسمع عنها شيئا. هى فتاة خِلقِت كما يقول أهل الشام فى مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين بالقرب من بيروت، نزحت إليه أسرتها من يافا كما نزح قبلها وبعدها كثيرون حملوا مفاتيح بيوتهم وتركوا من خلفهم أشجار البرتقال. تربت فى معسكرات الأشبال وتدربت على فنون القتال وبرعت فيها، لكن قوة دلال لم تكن مكتسبة من الخارج بل كانت تنبع من داخلها، فلا شك أن ما يحمل هذه الفتاة صغيرة السن والجسم على أن تفصل نفسها عن توءمها محمد، وتضع مستقبلها من ورائها، وتقفز مع اثنى عشر رجلا فى زورقين مطاطيين يصارعان الأمواج فى اتجاه الأرض الحلم: فلسطين، لاشك أنه شىء ولد معها وامتزج بفطرتها.
فى عام 1978 كان قد مضى عامان على دخول القوات السورية إلى لبنان، وعام على زيارة السادات إلى القدس، والحدثان معا كانا يحاصران نشاط المقاومة الفلسطينية ويضربان حولها طوقا من نار، حتى إذا اغتال الإرهابى إيهود باراك ثلاثة من قادة فتح أبرزهم الشهيد كمال عدوان فى قلب بيروت تهيأت الفرصة لإطلاق عملية فدائية كبرى يكون لها صوت وصدى. خطط خليل الوزير، الذى خلف كمال عدوان فى قيادة الجناح العسكرى لحركة فتح، خطط لعملية إنزال على شاطئ فلسطين واقتحام أحد الفنادق على الساحل لأسر رواده ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين وعرب. تولت دلال المغربى قيادة المجموعة التى سميت مجموعة «دير ياسين»، وانطلق الجميع لتنفيذ العملية التى عرفت باسم عملية «كمال عدوان».
الآن لنجرب أن نعيش أجواء تلك العملية الجسورة ونعاصر لحظات إعلان الجمهورية الفلسطينية، نضع على عيوننا النظارات ثلاثية الأبعاد التى تنقلنا إلى داخل الكادر وتوزع علينا بطولات وهمية لم نمارسها فنتخيل أننا نبحر من ميناء صور مع من أبحروا فى مساء يوم التاسع من مارس 1978. تتلاعب الرياح العاتية بزورقينا الصغيرين وينقطع الاتصال مع «الباخرة الأم»، ينفد وقودنا ونحن فى عرض البحر فلا نجد إلا مجاديفنا وسواعدنا، نفقد اثنين من رجالنا فنودعهما ونواصل، يوشك اليأس أن يتسرب إلى نفوسنا فتلوح لنا عن بعد أنوار حيفا وما كنا ندرى أنها أنوار حيفا. تسبقنا دلال إلى الشاطئ تقفز فى طفولة لم تعش فرحتها وتصيح فينا بأعلى صوتها «يا شباب يا شباب إحنا على أرض فلسطين».
نحدث تغييرا سريعا فى الخطة التى كان مقررا فى الأصل تنفيذها يوم 10 مارس لكن تيه البحر أرجأها. نعترض باصا إسرائيليا ثم آخر ونجمع ركابهما التسعين ومن بينهم جنود فى باص واحد. تقف دلال شامخة فى مقدمة الباص المتجه إلى تل أبيب، تخرج علم فلسطين من بين أمتعتها وتثبته فى المقدمة، تؤدى له التحية فى خشوع وتعلن قيام الجمهورية. دقائق ويحاصر الرصاص المجنون الباص من كل اتجاه، نتحول بفعل المداورة والمناورة فى الشوارع والزواريب إلى مشهد أقرب إلى العربات المتصادمة فى ملاهى الأطفال، نقتل منهم سبعة وثلاثين ونصيب ثمانين عدا عدد من العسكر غير معلوم، ومن بيننا يستشهد ثمانية. وأخيرا يخترق الرصاص جبين دلال فمثلها لا يُقتل إلا فى الجبين، تسلم وهى تعانى سكرات الموت سلاحها إلى رفيقها أبوصلاح، ليس هذا وقته يا دلال، لا تسمع، تصر على أن تؤدى مهمتها حتى النهاية، تترجل من الباص وتتمدد على أرض فلسطين فتكون آخر ما تشاهده قبل أن تصعد روحها إلى بارئها.
يتكالب جنود الاحتلال على الباص، لا يصدقون أن قائدة العملية امرأة حتى يعروا صدرها، خجلى منك يا دلال، يركلها إيهود باراك بحذائه القذر ويجذبها من شعرها وتصوره كاميرات العالم المتحضر جدا. قولوا لى بربكم كيف نمد لهذا المخلوق يدا؟؟ بعد ثلاثين عاما يدعون تسليم رفاتها ويكذبون، هم دائما يكذبون، إلى أين ذهبت دلال؟ يقولون جرفت جثمانها الطاهر تيارات تحتية... فهل جرفته؟
نحتاج بعض الوقت لالتقاط أنفاسنا اللاهثة وراء دلال ومجموعتها الباسلة. نحتاج أن نستحضر كل نماذج الجمهوريات التى كتب آخرون عنها، بعضها طابعه الحكمة كجمهورية أفلاطون، وبعضها الآخر تميزه شهوة السلطة كجمهورية فرحات ليوسف إدريس، وسوف نتبين أن وحدها جمهورية دلال التى كتب عنها نزار قبانى وصورتها قناة الجزيرة هى الأدوم والأنضج والأفضل لأنها ببساطة هى الجمهورية الأعدل.
سلام إلى دلال ورفاقها فى يوم إعلان الجمهورية الفلسطينية، وسلام إلى كل من ساروا على طريقهم ولم يفقدوا الأمل ولا فارق خيالهم حلم العودة إلى الوطن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.