رئيس جامعة المنوفية يتابع تحديث البرامج الدراسية وربطها بسوق العمل    رئيس الوزراء يتابع الخطط التنفيذية لتنمية سيناء    سفير اليونان يزور مسرح ماسبيرو ويشيد بالعلاقات بين القاهرة وأثينا    الدولار يعاود الارتفاع ويقترب من 53 جنيها فى تعاملات اليوم    رئيس مياه أسيوط يؤكد على سرعة الاستجابة وحل مشكلات المواطنين    محافظ الغربية يتابع إنتاج الدقيق التمويني ويشدد على الالتزام بمعايير الجودة    عاجل مدبولي: تطوير الغزل والنسيج أولوية لاستعادة ريادة القطن المصري وتعظيم دور القطاع الخاص    عاجل مدبولي: تنمية سيناء أولوية وطنية.. وجذب الاستثمارات وزيادة السكان على رأس الأهداف    عودة التشغيل التدريجي لرحلات الرياض والدوحة أول مايو    الطب البيطرى بالأقصر تحصن 53492 رأسا ضد مرض الجلد العقدى وجدري الأغنام    "العدل الأمريكية": مطلق النار في عشاء المراسلين كان يستهدف ترامب ولا معلومات مؤكدة بشأن تورط إيران    وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان قادما من عمان    حزب الله: استهدفنا بسرب مسيرات مربض المدفعية الإسرائيلي المستحدث    811 شهيدًا في غزة منذ وقف إطلاق النار أكتوبر الماضى    بعد تأكد مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا : تصعيد دراماتيكي على تخوم باماكو    وزيرا خارجية الإمارات وأمريكا يستعرضان سبل تحقيق السلام والأمن الإقليمي المستدام    محافظ أسيوط يفتتح ملعبًا اكليريك متعدد بنادي الشبان المسلمين ويكرم أبطال المحافظة الرياضيين    صافرة ألمانية للأهلي وبيراميدز.. ناجي حكمًا للزمالك وإنبي.. ورحيل مدرب طائرة الأبيض| نشرة الرياضة ½ اليوم    من هو الألماني دانيال شلاجر حكم مباراة الأهلي وبيراميدز    الموعد المبدئي لتصفيات أمم أفريقيا للشباب تحت 20 سنة    مباشر BAL - الأهلي (15)-(12) داكار.. بطولة إفريقيا لكرة السلة    وزير الشباب: الرياضة في عهد الرئيس السيسي أصبحت ركيزة أساسية في بناء الإنسان    مصطفى محمد بديلا في تشكيل نانت أمام رين في الدوري الفرنسي    وزير الرياضة يهنئ منتخب مصر بتصدره بطولة أفريقيا للجودو    مصرع طفلة وإصابة أخرى في حادث تصادم ميكروباص بكفر شكر    القبض على عاطلين بتهمة سرقة غطاء صرف صحي بالبحيرة    كانوا راجعين من الحضانة، مصرع طفلة وإصابة أخرى في تصادم ميكروباص بالقليوبية    إحالة المتهم بهتك عرض فتاة المطرية المريضة بتأخر عقلى للمفتى    الامتحانات أمانة وطنية.. تعليم القليوبية تضع خارطة طريق لامتحانات نهاية العام    عروض تراثية ولقاءات تثقيفية متنوعة في احتفالات ثقافة أسيوط بذكرى تحرير سيناء    مهرجان أسوان يسدل الستار عن دورته العاشرة وهجرة السعودي يحصد جائزة الجمهور    شيرين عبد الوهاب تدعم هاني شاكر: دعواتنا ليك ترجع لبلدك وجمهورك    فيلم السيرة الذاتية Michael يعكس التوقعات.. اعرف القصة    وزير الشباب: ألعاب الكازينو تستحوذ على نحو 40% من أنشطة القمار الإلكترونية تليها المراهنات الرياضية بنسبة 25%    غدا انطلاق القافلة الطبية المجانية لخدمة أهالي الأقصر بمركز شباب العشي    وزير الصحة يتابع تنفيذ مستشفى النيل للأطفال بمدينة النيل الطبية    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    عودة برنامج «براعم الإيمان» على إذاعة القرآن الكريم بعد توقف لأكثر من 30 عامًا    نادية مصطفى: تصريحات رئيس الجالية عنى مسيئة وحديثه عن هانى شاكر غير دقيق    كشف ملابسات فيديو تحطيم رصيف وإلقاء حجارة على محل بالعريش    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج التعايش بين طلاب أكاديمية الشرطة والجامعات المصرية    200 سفير مياه من 25 دولة، مصر تعزز حضورها في أفريقيا عبر التدريب    الداخلية: ضبط 15 شركة غير مرخصة لإلحاق العمالة بالخارج والنصب على المواطنين بالبحيرة    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    الغَنِى الحَقِيقِي    رحلة الإنسان المعاصر فى «الجسد»    بسبب سوء الأحوال الجوية.. إغلاق ميناء العريش البحري    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    فحص 9.5 مليون طفل.. «الصحة» تُبرز جهود مبادرة علاج ضعف وفقدان السمع    خبير: مضيق هرمز يشعل أزمة الغذاء العالمية.. قفزة أسعار الأسمدة تهدد الأمن الغذائي    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 26أبريل 2026 فى محافظه المنيا    سكرتيرة البيت الأبيض: ترامب سيلقي خطابًا كبيرًا الليلة    جولة تفقدية للارتقاء بالخدمات الطبية داخل مستشفيات جامعة الأزهر في دمياط    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نزار قباني : لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت

فى قصيدته لماذا يسقط متعب بن تعبان.. فى امتحان حقوق الإنسان؟!
المنشورة فى ديوان «قصائد مغضوب عليها».. يقول نزار:
مواطنون.. دونما وطن.. مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق.. وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر.. كل حاكم.. يبيعنا.. ويقبض الثمن!
هذه السطور وغيرها تعطينا فكرة واضحة عن إجابة هذا السؤال:
لماذا لم تمنح قصائد نزار السياسية تأشيرة دخول إلى عالم الغناء؟!
وأوضح مرة أخرى «القصائد السياسية» لأن هناك فرقا بينها وبين القصائد الوطنية.
والفرق واضح.. القصيدة الوطنية هى قصيدة اتفاق عام بين جميع أبناء الوطن الواحد حكاماً ومحكومين.
أما القصيدة السياسية فهى تعبر عن فئة دون أخرى.. وغالبا فإنها تعبر عن المقهورين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.. وغالبا تكون مع المحكومين.. فى وجه الحاكم.
ولهذا نُفيت قصيدة نزار السياسية وظلت حبيسة الصحف والدواوين التى يقرأها عشرات الألوف.. ومُنعت منعًا باتا من الوصول إلى شرفة الغناء التى يتابعها مئات الملايين، فهل سكت المشاغب؟! هل سكت نزار؟!
الحقيقة أنه أصر على أن يطل بعبقرية اللجوء إلى رمز المرأة كمعادل للحرية التى عشنا جميعا نبحث عنها ومازال كل باحث عنها أو مناضل من أجلها.. مفقود.. مفقود.. مفقود.. يا ولدى!!
نعم.. أحدثكم عن قصيدته العبقرية قارئة الفنجان.. التى أدعوكم إلى قراءتها والاستماع إليها مرات ومرات لتكتشفوا أن حبيبة نزار فى هذه القصيدة.. إنما هى الحرية.. وأنها ليست امرأة من لحم ودم.
فحبيبة قلبك يا ولدى
ليس لها أرض أو وطن أو عنوان
ما أصعب أن تهوى امرأة يا ولدى.. ليس لها عنوان
وماذا أيضا؟
فحبيبة قلبك يا ولدى.. نائمة فى قصر مرصود
من يدخل حجرتها.. من يطلب يدها
من يدنو من سور حديقتها
من حاول فك ضفائرها
مفقود.. مفقود.. مفقود.. يا ولدى.
هل هذه مواصفات امرأة؟! أو فلنقل فى صيغة أخرى: هل هذه هى مواصفات امرأة نزار قبانى؟ الإجابة: لا.. بكل تأكيد.
فامرأة نزار لا تستعصى عليه أبدا.. يغوص بين نهودها ويبنى أهرامًا من الحلمات.. وهى تتوق إلى رجلها وتجهر بهذا التوق:
متى ستعرف كم أهواك يا أملا
أبيع من أجله الدنيا وما فيها
إن تطلب البحر فى عينيك أسكبه
أو تطلب الشمس فى كفيك أرميها
أين هذه المرأة من تلك المذكورة فى قصيدة «قارئة الفنجان»:
بحياتك يا ولدى امرأة.. عيناها سبحان المعبود
فمها مرسوم كالعنقود.. ضحكتها أنغام وورود
والشعر الغجرى المجنون.. يسافر فى كل الدنيا
قد تغدو امرأة يا ولدى ..يهواها القلب هى الدنيا
لكن سماءك ممطرة وطريقك مسدود.. مسدود
كان نزار شديد الصدق مع نفسه حين قال إن طريقه - وطريقنا - للحرية «مسدود.. مسدود» - حتى الآن على الأقل - المرة الوحيدة التى لم يصدقنا فيها القول.. هى حين كتب:
لو أنى أعرف خاتمتى.. ما كنت بدأت! ؟
جمال بخيت

ملحمة عشق عزف على أوتارها الزمن

شعراء كثيرون أثروا حياتنا الشعرية.. كانوا عباقرة ومبدعين.. إلا أن واحداً فقط أثار من الضجيج والجدل والحب والكراهية والقبول والرفض، ما لم يثره الآخرون.. إنه الشاعر العاشق الثائر نزار قبانى.
لا يختلف نزار قبانى العاشق عن نزار قبانى الثائر، فهو يحب بثورة.. ويهدأ بثورة.. ويفكر بثورة.. ويمارس خصوصية الحب مع معشوقته بمنتهى الثورة!!
- يقول نزار قبانى فى إحدى قصائده:
ضعى أظافرك الحمراء.. فى عنقى
ولا تكونى معى شاة.. ولا حملاً
وقاومينى بما أوتيت من حِيَلٍ
إذا أتيتك كالبركان مشتعلاً
أحلى الشفاه التى تعصى.. وأسوأها
تلك الشفاه التى دوماً تقول: بلى
على صفحات كتاب «القصائد الممنوعة لنزار قبانى».. يقول أنيس الدغيدى: «تفجرت ثورة 23 نزار قبانى.. تماماً مع ثورة 23 يوليو.. فنزار الشاعر انفجر بثورته مواكباً لثورة ناصر السياسية.. فحين كان جمال عبدالناصر والضباط الأحرار فى حالة مخاض.. كان نزار قبانى يتجرع الشعر ويتعاطى الشعور.. وفجأة حدث الانفجار المتوازى.. ثورة سياسية وثورة شعرية.. جمال عبدالناصر يطرد الملك وحاشيته.. ونزار قبانى يعلن تذمره على الأمير أحمد شوقى وأتباعه.. وكما حاول البعض إشعال ثورة مضادة ضد ثورة يوليو.. حاول البعض إشعال ثورة مضادة ضد نزار قبانى».
* ما أحلى الرجوع إليه؟!
ولد نزار قبانى فى 31 مارس 1923 ويقول: «الأرض وأمى حملتا فى وقت واحد.. ووضعتا فى وقت واحد».
يقول فى سيرته الذاتية: «يوم مولدى كانت الطبيعة تنفذ انقلابها على الشتاء.. وتطلب من الحقول والحشائش والازهار والعصافير أن تؤيدها فى انقلابها على روتين الأرض.. هذا ما كان يجرى فى داخل التراب.. أما خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضد الانتداب الفرنسى فى سوريا.. وكان بيتنا معقلاً من معاقل المقاومة، التى تحرض الشعب على الثورة من أجل الحرية».
هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان فى قارورة عطر؟!
قارورة العطر هذه سكنها ونشأ فيها نزار قبانى.. هى حارات وزواريب دمشق العتيقة الضيقة والتى وقعت فى إحداها داره ذات الباب الخشبى الصغير، والذى عندما يفتح يبدأ الإسراء على الأخضر والأحمر والليلكى.. وتصطدم عيناك بشجرة اللارنج تحتضن ثمارها.. والياسمين البيضاء علقت صغارها على قضبان النوافذ.. وأسراب طائر السنونو التى لا تصطاف إلا عندهم.
يقول نزار: «كل فلة عند والدتى تساوى ولدا من أولادها..لذلك كلما غافلناها أنا وإخوتى وسرقنا ولدا من أولادها ..بكت وشكتنا إلى الله».
ضمن نطاق هذا الحزام الملون بألوان الطبيعة.. ولد نزار وعاش ونطق كلماته الأولى.
اهتم نزار قبانى فى بداية طفولته بالرسم.. فعاش من سن الخامسة إلى الثالثة عشرة فى بحر من الألوان.. يرسم على الأرض وعلى الجدران. امتازت طفولته بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثاً عن المجهول الأجمل.
ومن الرسم إلى الموسيقى.. ومنها إلى كتابة الشعر وهو فى السادسة عشرة من عمره.. وأصدر أول ديوان له «قالت لى السمراء» فى عام 1944 حين كان طالباً بكلية الحقوق.. وبعد تخرجه التحق بالعمل الدبلوماسى كسفير فى عدة بلاد عربية وأوروبية.. وفى عام 1959 بعد إتمام الوحدة بين مصر وسوريا.. عين سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة مصر وسوريا فى سفارتها فى الصين.. وفى عام 1966 قدم استقالته من الحقل الدبلوماسى وانتقل إلى بيروت حيث أسس دار نشر خاصة تحمل اسم «منشورات نزار قبانى».
أصدر نزار قبانى 35 ديواناً كتبها على مدار نصف قرن.. ويعتبر نزار قبانى من أكثر الشعراء الذين تغنى المطربون بقصائد هم.. فقد تم تلحين وغناء أكثر من ثلاثين قصيدة. أولى القصائد التى تحولت لنزار إلى أغنية كانت قصيدة «كيف كان» التى لحنها وغناها المطرب المصرى أحمد عبدالقادر أثناء إحدى زياراته لدمشق وتم تسجيلها لإذاعة دمشق.. يقول فيها:
تساءلت فى حنان
عن حبنا كيف كان
وكيف نحن استحلنا
حرائقاً فى ثوان
أما ثانية قصائد نزار فكانت أغنية «بيت الحبيبة» التى لحنها وغناها شيخ المطربين والملحنين «عبدالوهاب سوريا» نجيب سراج فى عام 1958 وسجلها فى إذاعة القاهرة وقام بتوزيعها أندريه رايدر موزع أغانى الموسيقار محمد عبدالوهاب.. ومن هنا تعرف عبدالوهاب على نزار عن طريق نجيب سراج.. فكان عبدالوهاب ثالث من لحن من شعر نزار قبانى عندما لحن قصيدته «أيظن» عام 1960 وغنتها نجاة الصغيرة.
أيظن أنى لعبة بيديه؟
أنا لا أفكر فى الرجوع إليه
اليوم عاد كأن شيئاً لم يكن
وبراءة الأطفال فى عينيه
ليقول لى: إنى رفيقة دربه
وبأننى الحب الوحيد لديه
حمل الزهور إلىَّ.. كيف أرده
وصباى مرسوم على شفتيه
ماعدت أذكر والحرائق فى دمى
كيف التجأت أنا..
إلى زنديه..
* حبيباتى
كان للمرأة دور كبير جداً فى حياة نزار قبانى وشعره بداية من والدته، التى كان نزار حتى آخر يوم فى حياتها طفلها المدلل.. وكانت هى بالنسبة إليه كل نساء العالم. كتب نزار قبانى قصائد عديدة إلى أمه، فيها:
أشهد أن لا امرأة
قد أخذت من اهتمامى
نصف ما أخذت
واستعمرتنى مثلما فعلت
وقدمت لى لبن العصفور
والأزهار والألعاب
إلا أنت
أشهد أن لا امرأة
كانت كريمة كالبحر معى
راقية كالشعر
ودللتنى مثلما فعلت
وأفسدتنى مثلما فعلت
أشهد أن لا امرأة قد
جعلت طفولتى
تمتد للخمسين
إلا أنت
هذه الكلمات تغنى بها كاظم الساهر وكانت وراء نجاحه
فى كتاب «قصتى مع الشعر».. أفرد نزار قبانى فصلاً كاملاً عن الحب فى حياته.. ووضع له عنوان «حبيباتى».. قال فيه:
قليلات هن النساء اللواتى ضربن جهازى العصبى، فكتبت فيهن شعراً.. فلا كل امرأة عرفتها حركت رياح الشعر فى داخلى.. ولا كل علاقة نسائية فتحت شهيتى إلى الكتابة.. كثيرات من النساء ذهبن من حياتى كما أتين.. ولم يتركن وراءهن حرفاً أو فصلة».
قال نزار: إن الجمال ليس شرطاً أساسياً لحدوث القناعة الشعرية.. وملكات الجمال هن أسوأ مصادر الشعر..
فمن هى المرأة الشعر إذن؟ وكيف تأتى القناعة الشعرية؟
أجاب نزار على صفحات كتابه: «من خلال تجاربى تعلمت أن المرأة الشعر هى التى تترك شرخاً وارتجاجاً فى قشرة دماغى.. هى التى تحدث خلخلة فى إيقاع أيامى، وفى نظام الأشياء من حولى.. هى التى تلغى حركة الزمن وتربطنى بزمانها هى».
تزوج نزار قبانى فى حياته مرتين.. الأولى من قريبته زهرة اقبق.. وكان له من الأبناء هدباء وتوفيق، لم يدم زواجهما.. وتم الطلاق.. توفى ابنه توفيق وهو فى عمر السابعة عشرة بمرض القلب.. وتوفيت هدياء فى أبريل 2009 نفس شهر وفاة أبيها فى عام 1998.
كانت لنزار قبانى علاقة حب مع الكاتبة الشهيرة «كوليت خورى».. قبل زواجه من «بلقيس».. وذكرت ذلك فى روايتها «أيام معه» فى عام ,1958. بلقيس هى الزوجة الثانية لنزار قبانى.. عراقية الأصل.. وأنجبت له من الأبناء زينب وعمر.. قتلت بلقيس فى انفجار السفارة العراقية ببيروت فى يناير ,1982. وحينئذ حمل نزار قبانى الوطن كله مسئولية قتلها.
الطفولة كانت المفتاح لشخصية نزار قبانى وأدبه.. يقول نزار: «كل محاولة لفهمى خارج دائرة الطفولة هى محاولة فاشلة.. لا تهمنى ضخامة الأشياء.. إن امرأة تخرج من حقيبتها ورقة كلينكس تمسح بها جبينى وأنا أسوق سيارتى تمتلكنى.. إن امرأة تناولت رماد سيجارتى براحتها وأنا مستغرق فى التدخين تذبحنى من الوريد إلى الوريد.. إن امرأة تضع يدها على كتفى وأنا أكتب تعطينى كنوز سليمان.
قليلات جداً من يعرفن العزف على أعصاب الرجال.. منهن حبيبات نزار اللواتى عرفن كيف يحببنه وقرر هو أن يحبهن، وكتب كلمات «القرار» التى تغنى بها المطرب اللبنانى عاصى حلانى: إنى عشقتك واتخذت قرارى
فلمن أقدم ياترى أعذارى
لا سلطة فى الحب تعلو سلطتى
فالرأى رأيى والخيار خيارى
بعد سنوات طويلة استطاع نزار قبانى أن يكتشف الخط الفاصل بين الحب ووهمه.. فيقول: «الحب عاطفة متداخلة ومتشابكة مثل ألوان قوس قزح.. ومن الصعب على العاشق فى بعض الحالات أن يكتشف فى أى منطقة من مناطق اللون هو موجود.. والرجل عادة أكثر عرضة لمثل هذه الاختلاطات الخطيرة.. أما المرأة فلا تتوهم أبداً، فرؤيتها أكثر وضوحاً وبصيرتها أعمق.. ومن خلال تجاربى تأكدت أن المرأة لاتفاجأ بشىء.. فعقلها وجسدها دائماً فى حالة استنفار وتوقع.. إن فى داخلها نوعاً من «الكمبيوتر» يحسب بسرعة مذهلة كل الاحتمالات ابتداءً من لحظة تعارفها مع الرجل.. إلى شكل ثوب الزفاف الذى سوف ترتديه.. إلى أسماء الأطفال الذين ستنجبهم.
وقع نزار قبانى فى كثير من حالات الحب فى المنطقة بين الحب ووهمه.. وسجل هذه الحالات فى العديد من قصائده.. منها قصيدة «طوق الياسمين» التى تغنت بها ماجدة الرومى.
* الحب عليك هو المكتوب!
كتبت ابنة نزار قبانى «هدباء» قبل وفاتها فى صحيفة «العربية».. كانت جدتى تدلله باسم «نزورى».
ولد نزار قبانى ليحب ويجعلنا نحب.. قالت هدباء: «قبل أن يكون أبى.. كان صديقى.. زان أبى مراهقتى وشبابى بشعره.. ولكنه أثر على حياتى بتعامله معى، فقد جعلنى أقارن بينه وبين الرجال الذين ألقاهم.. وكنت أقارن بينه وبينهم.. وكانت المقارنة دائماً لصالح أبى.
وأضافت: «وقد يكون أهم ما أذكره عنه.. هو ذلك التشابه بينه وبين شعره، فهو لا يلعب دوراً على الورق.. ودوراً آخر على مسرح الحياة.. ولا يضع ملابس العاشق حين يكتب قصائده، ثم يخلعها عند عودته إلى البيت».
سُئل مرة نزار قبانى عن قصيدة «قارئة الفنجان»، التى تغنى بها العندليب عبدالحليم حافظ.. وعن رفضه لإعطائها لأحد إلا هو؟.. أجاب: حليم الأقرب إليها.. فكلانا ننتحر فيها حباً.. ونموت عشقاً.. ويروى عن «قارئة الفنجان» أنها قصة حقيقية، فقد قرأت له إحداهن الفنجان.. وقالت له: الحب عليك هو المكتوب.. وقال هو:
جلست والخوف بعينيها
تتأمل فنجانى المقلوب
قالت: ياولدى لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
ياولدى: قد مات شهيداً
من مات على دين المحبوب.
فنجانك دنيا مرعبة
وحياتك أسفار وحروب.
عشق نزار النساء.. وقال: «أنا أول مؤسس لجمهورية شعرية.. أكثرية مواطنيها من النساء.. ثم النساء.. ثم النساء.. ثم الرجال.
وفى النساء.. غرق نزار حباً.. وكتب رسالة من تحت الماء.. وتغنى بها أيضاً عبدالحليم حافظ.
إن كنت صديقى.. ساعدنى
كى أرحل عنك
إن كنت حبيبى.. ساعدنى
كى أشفى منك..
لو أنى أعرف
أن الحب خطير جداً
ما أحببت
لو إنى أعرف أن البحر
عميق جداً ما أبحرت
لو إنى أعرف خاتمتى
ما كنت بدأت
* لا تدخلى..؟!
رغم أن الرجال كانوا من مواطنى جمهورية نزار قبانى الشعرية.. إلا أن تواجدهم كان بالغدر والعصيان وسبباً مستمراً لعذاب النساء وآلامهن وحيرتهن أيضاً.. فكتب «ماذا أقول له»؟ التى تغنت بها نجاة الصغيرة.. و«أسألك الرحيل».. و«ارجع إلىَّ».. و«كلمات» لماجدة الرومى.. و«أغضب» لأصالة.. «ولا تدخلى» التى شدت بها فايزة أحمد.
لا تدخلى.. لا
وسددت فى وجهى
الطريق بمرفقيك
وزعمت أن الرفاق
أتوا إليك
أهم الرفاق أتوا إليك
أم أن سيدة لديك؟
تحتل بعدى ساعديك
وصرخت محتدماً قفى
أنا لست آسفة عليك
لكن على قلبى الوفى
قلبى الذى لم تعرفه
يامن على جسر الدموع
تركتنى
أنا لست أبكى منك
بل أبكى عليك.
* لو أنى أعرف خاتمتى
ربما صدقت نبوءة «قارئة فنجان» نزار قبانى.. فقد عشق كل نساء الأرض.. وعاد كالملك المغلوب بعد وفاة شقيقته الصغرى «وصال» وهى فى ريعان شبابها.. ووفاة أمه التى كان يعشقها وكان هو طفلها المدلل وكانت هى كل النساء عنده.. ووفاة ابنه توفيق الذى لم يتجاوز السابعة عشرة بمرض القلب وطاف به أكبر المستشفيات فى العالم.. ومقتل زوجته وحبيبته بلقيس.. ونكسة 1967 التى أحدثت شرخاً فى نفسه وكانت حداً فاصلاً فى حياته، جعله ينتقل مضطراً من عالم المرأة إلى عالم السياسة.. فكانت قصيدته «هوامش على دفتر النكسة»، التى كانت نقداً ذاتياً جارحاً للتقصير العربى، مما أثار عليه الغضب.. وأثارت جدلاً كبيراً بين المثقفين.. ولعنف القصيدة.. صدر قرار بمنع إذاعة أغانى نزار قبانى وأشعاره من الإذاعة والتليفزيون.
* أنصار وحروب
خاض نزار العديد من الحروب والمعارك والتى بدأت منذ دخول مملكة الشعر بديوانه الأول «قالت لى السمراء».
فى سيرته الذاتية.. يقول نزار: «أنا دخلت معركة الشعر من أجل تحريره.. خمسون عاماً حاولت فيها أن أؤسس جمهورية للشعر.. ترفع أعلام الحب والعدل والحرية.. ويتكلم مواطنوها لغة واحدة.. وتتوج فيها النساء ملكات مدى الحياة.. وأضاف: «أنا أكتب لأغير طقس العالم.. وأجعل الشمس أكثر حناناً.. والسماء أكثر زرقة.. والبحر أقل ملوحة.. أكتب وفى ذهنى مخطط شعرى لن أتنازل عنه، فإذا ما نمت هناك سنبلة قمح تجد صعوبة فى فهم الشعر.. فسأذهب إليها فى الحقل وأقرأ لها الشعر قبل أن تنام.. ومادام هناك تلميذ واحد فى المدارس العربية يخوفونه بالشعر الجاهلى ويعاقبونه بحفظ نماذجه، فسأبدد مخاوفه وأجعله صديقى وصديق الشعر».
فى عام 1990 تعرض نزار قبانى لحرب شديدة، حينما صدر قرار من وزارة التعليم المصرية بحذف قصيدته «عند الجدار» من مناهج الدراسة بالصف الأول الإعدادى، لما قيل عما تتضمنه من معان غير لائقة.. وقد أثار هذا القرار ضجة شديدة واعترض عليه الكثيرون من الشعراء وفى مقدمتهم الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة.
من أبرز الحروب التى خاضها نزار.. كانت معركة قصيدة «خبر وحشيش وقمر»، التى أثارت رجال الدين فى سوريا ضده.. وطالبوا بطرده من السلك الدبلوماسى.. وانتقلت المعركة إلى البرلمان السورى.. وكان نزار قبانى أول شاعر تناقش قصائده فى البرلمان.
بعد اندلاع الحرب الأهلية فى لبنان ومقتل زوجته بلقيس.. انتقل نزار قبانى للحياة فى مصر.. وتعرض لهجوم عنيف من قبل الإعلام على أثر قصيدة انتقد فيها نزار الرئيس الراحل أنور السادات واتفاقية كامب ديفيد.. ورغم وجود أصدقاء وقفوا بجانبه مثل يوسف إدريس وهيكل وأحمد بهاء الدين والموسيقار محمد عبدالوهاب.. إلا أن الحملة ضده لم تتوقف طوال عام كامل، خاصة من أنصار التطبيع آنذاك.. فقرر نزار الرحيل.
سافر نزار قبانى كثيراً بحكم عمله فى السلك الدبلوماسى.. وبعد استقالته منه.. انتقل من سوريا إلى بيروت.. ومنها إلى مصر.. إلى باريس.. ثم جنيف.. واستقر به المقام فى العاصمة البريطانية لندن والتى رحل فيها عن عالمنا.. تاركاً لنا أشعاره وأغانيه.. ليبقى سيداً لشعراء الغزل.. وأسطورة أهل الغرام.. وسلطان المحبة ورسولها أيضاً.
وكما كان سلطاناً للمحبة.. كان سيداً لشعراء السياسة.. يعلن ثورته ويبعثها رسائل موجهة معبرة عن آلام وآمال أمته.. فكان ضميرها وجراحها ومعشوقها وعاشقها.؟
نادية خليفة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.