العدل: الموانئ المصرية بوابة الصناعات التركية لأسواق العالم فى خطوة وصفتها الدوائر الدبلوماسية ب«الانطلاقة الكبرى»، نجح الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الدفع بمستوى العلاقات المصرية التركية نحو رحاب أوسع من التكامل الاستراتيجى، وذلك فى أعقاب زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان لمصر أمس الأول. ولم تقتصر أصداء هذه الزيارة على الجانب البروتوكولى، بل ترجمت إلى «وثيقة عمل» مشتركة أعادت رسم خارطة التوازنات فى المنطقة بالمستقبل، معلنةً عن توافق تاريخى غير مسبوق فى الرؤى تجاه الملفات العربية والإقليمية الشائكة. وكشفت المباحثات الثنائية عن توافق غير مسبوق فى الملفات الاقتصادية والانطلاق بها نحو رحاب أوسع تشمل توطين الصناعات التركية ، مما يعزز دور البلدين كركيزتين للاستقرار. ويرى د. محمود العدل، أستاذ الدراسات التركية بجامعة الزقازيق ورئيس وحدة الدراسات التركية بمركز الدراسات الاستراتيجية، أن الزيارة التركية هى «حصاد مجهود» أكثر من 10 سنوات من العمل الدبلوماسى المتواصل. مشيرًا إلى أن مصر ربحت الرهان على عودة العلاقات، محققةً معادلة استراتيجية لم تكن لتقوم لولا الإرادة السياسية المشتركة، موضحاً أن لقاء الزعيمين قبل عامين كان بمثابة «اختبار حقيقى للنوايا» وقد اجتازها البلدان بنجاح باهر. ويضيف العدل أن الحضور الكثيف لرجال الأعمال الاتراك وغير المسبوق، الذى تخطى 300 مستثمر لأول مرة، يعكس نظرة تركية لمصر ك «نقطة للتنمية المشتركة» حيث ترى أنقرةالقاهرة كمنقذ محتمل لمسارات اقتصادية وأزمات تعانى منها، مستشهداً بالجملة الشهيرة للزعيم التركى عبد الله جول التى وصف فيها مصر وتركيا بأنهما «مثل شطرى التفاحة على البحر المتوسط»، دلالةً على الترابط الجغرافى والتاريخى الذى يجعل من انفصالهما أمراً غير منطقى فى حسابات الجيوسياسة، مشيرًا إلى تكامل «البنية والخبرة» حيث أن الموانئ المصرية هى بوابة الصناعات التركية نحو الأسواق العالمية، فضلًا عن التعاون فى مجال الغاز والتصدير الى أوروبا. من جانبه، يصف السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الزيارة بأنها «نقلة نوعية» نقلت العلاقات من مربع التهدئة إلى مستوى التعاون العسكرى والأمنى رفيع المستوى. ويشير رخا إلى أن الشراكة تجاوزت الاقتصاد التقليدى لتصل إلى مرحلة «التصنيع المشترك وتوطين الصناعة»، مدعومة بوجود أكثر من 600 شركة تركية ومستهدف تجارى طموح يصل إلى 15 مليار دولار. وفى الملف السياسى، يوضح السفير رخا أن التحديات الدولية، وعلى رأسها التهديدات الإسرائيلية لأمن واستقرار الإقليم، تفرض على القاهرةوأنقرة باعتبارهما قوتين إقليميتين كبيرتين- التنسيق الكامل لمواجهة التطرف الاسرائيلى غير المسبوق. وقد شاهدنا توافقاً حول الملف الفلسطينى، خاصة ضرورة وجود «قوات دولية» للإشراف على المعابر وحماية اللجان المستلمة، بالإضافة إلى قوة الدفع المشتركة التى سيقدمها البلدان لحل الأزمة الليبية عبر رؤية موحدة تدعم وقف إطلاق النار الدائم وإنقاذ الشعب الليبي، مؤكداً أن التعاون المصرى التركى بات ضرورة لحماية مصالح الدولتين فى ظل الاضطرابات العالمية. مع التشديد على «اتفاق شرم الشيخ» وضرورة تنفيذ قرارت مجلس الأمن، والتمسك الكامل بحل الدولتين ورفض أى محاولات للالتفاف على حقوق الشعب الفلسطينى. وفى موقف حاسم، أعلن الجانبان الرفض القاطع لأى محاولات للمساس بسيادة الصومال، كما برز ملف نهر النيل كأحد ثوابت الأمن القومى التى حظيت بتنسيق الرؤى، حيث تم التأكيد على دعم الحلول السياسية التى تحفظ الحقوق المائية وتمنع التوترات الإقليمية، انطلاقاً من مبدأ احترام سيادة الدول ومصالحها الحيوية. ويرى السفير د. يوسف الشرقاوى مساعد وزير الخارجية الأسبق أن توافق مصر وتركيا فى ملفات مثل السودان وغزة والصومال وليبيا يعنى تشكيل جبهة إقليمية قادرة على فرض حلول مستدامة لا تكتفى بمبادرات الدول الكبرى والتحكمات الإسرائيلية. كما أن تأكيد تركيا على حقوق مصر المائية فى النيل ودعم سيادة الصومال وأهمية حل الازمة السودانية وإنهاء الصراع يعكس إدراكاً تركياً عميقاً لمتطلبات الأمن القومى المصرى، مما يعزز الثقة المتبادلة. وأكد الشرقاوى أن زيارة الرئيس أردوغان والاتفاقات التى تلتها، خاصة التجارية والعسكرية فى منتدى الأعمال، أثبتت أن العلاقات بين القاهرةوأنقرة قد تجاوزت مرحلة «التهدئة» لتصل إلى مرحلة «التحالف الاقتصادى والسياسى الشامل»، مما سيغير موازين القوى فى شرق المتوسط والشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.