الرائحة أثناء ساعات الليل في بلدة "سونجاي بيتاني" الماليزية سيئة للغاية على الدوام، وفي الوقت الذي تقوم فيه محارق النفايات التي تعمل بصورة غير قانونية بإشعال مواقدها حول المدينة في شمال البلاد، لا يمكن لأحد أن يرى بالضبط السبب في هذه الأبخرة برائحتها الشديدة والكريهة. وبحلول الفجر، تكون الغيوم السوداء قد اختفت بنسبة كبيرة، ولكن الرائحة السيئة تظل في الهواء. وتقوم "سونجاي بيتاني" - التي تقع بالقرب من حدود البلاد مع تايلاند، وأجزاء أخرى من ماليزيا – بحرق نفايات البلاستيك التي لا تأتي عادة من مصادر محلية فقط، ولكن يأتي جزء كبير منها من أماكن بعيدة مثل أوروبا وكنداوالولاياتالمتحدة، بصورة غير قانونية، على الأرجحز ومنذ أغلقت الصين حدودها بصورة فعلية أمام جميع نفايات البلاستيك الملوثة العام الماضي، غمرت النفايات الأجنبية دولا أخرى مثل ماليزيا. ونقلت الولاياتالمتحدة وحدهاإلى ماليزيا في الفترة بين يناير ويوليو من العام الماضي، نحو 195 ألف طن متري من النفايات البلاستيكية، بحسب تقرير صدر مؤخرا عن منظمة "جرينبيس" (السلام الأخضر) المعنية بشؤون البيئة. وخلال نفس الفترة، أرسلت اليابان 105 آلاف طن متري من هذه النفايات، مقابل 95 ألف طن متري جاءت من بريطانيا. وتقول الدول الآسيوية الأقل نموا، والتي تسعى جاهدة لكبح جماح مشاكلها المتعلقة بأزمة القمامة، إنها لم تعد تريد أن تصبح "مكبا لنفايات" العالم، وبدأت في إرجاع النفايات التي دخلتها بشكل غير قانوني. وتعتبر ماليزيا من الدول الرائدة في هذا المجال، حيث يقول يو بي ين، وزير البيئة في البلاد: "سنرد الهجوم. إنها مسألة كرامة وسيادة أيضا". وأظهر تقرير "جرينبيس" دخول أكثر من 262 ألف طن متري من النفايات البلاستيكية إلى ماليزيا في عام 2018، أتت من 10 دول صناعية، وهو ما يعادل أكثر من 15 ألف و600 حاوية شحن مليئة بمخلفات البلاستيك. ومن يدري، قد تكون الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، بالنظر إلى التحديات التي تواجه الضوابط المعمول بها في الموانئ، بالإضافة إلى الفساد المتفشي. وأضاف وزير البيئة الماليزي، إنه سيتم إعادة 3000 طن، على الاقل، من النفايات التي دخلت البلاد غير مشروعة، إلى بلدانها الأصلية. ويرى هينج كياه تشون، الناشط في منظمة "جرينبيس"، في ذلك بداية طيبة، ولكنه يدعو إلى التوصل إلى "حل عالمي" لهذه المشكلة. ويقول هينج: "يجب على الدول المتقدمة التوقف عن إلقاء مسؤولياتها على دول أخرى، فيما يتعلق بمشاكلها الخاصة بمخلفات البلاستيك". وثمة عمليات مقاومة مماثلة في دول أخرى بالمنطقة، فقد اضطر أحد أكبر موانئ فيتنام العام الماضي إلى التوقف عن قبول دخول نفايات بعد تراكم أكثر من 8000 حاوية مليئة بالقمامة البلاستيكية والورقية هناك. وإجمالا، هناك أكثر من 23 ألف حاوية مليئة بالقمامة في البلاد. وفي تايلاند، صادرت السلطات مؤخرا أكثر من 50 طنا من نفايات البلاستيك المستوردة بطريقة غير مشروعة، في مداهمة واحدة. ويتردد أن البلاد بصدد تطبيق قوانين أكثر صرامة في هذا الشأن. أما في الفلبين، فهناك حال من الاستياء على نحو خاص. وقد تصاعد خلاف أخير حول أكثر من 100 حاوية من القمامة التي وصلت من كندا ليصل إلى أزمة دبلوماسية، حتى أن الرئيس الفلبيني رودريجو دوترتي هدد بشن "حرب" بشأن هذه القضية. وفي الوقت نفسه، هناك سفينة شحن تحمل اسم "إم في بافاريا"، تحمل على متنها 69 من حاويات القمامة، في طريقها عبر المحيط الهادئ من الفلبين إلى كندا. ومن المتوقع أن تصل السفينة إلى فانكوفر في وقت لاحق الشهر الجاري. والسؤال: ما الذي يمكن أن يحدث لدى وصولها؟