الأنبا بولا: عيد القيامة رسالة حب وسلام وتجديد للرجاء في قلوب المصريين    لماذا ارتفعت أسعار الفسيخ والرنجة قبل شم النسيم؟.. رئيس شعبة الأسماك يوضح    حصار بحري، القيادة المركزية الأمريكية تعلن منع الدخول والخروج من الموانئ الإيرانية    مستشارة محافظ القدس: الاحتلال يتبع سياسة ممنهجة لمنع وصول المصلين للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة    سموحة يتقدم بشكوى ضد حكم مباراته مع الأهلي    خبير لوائح: قانون كرة القدم يحصن قرارات الحكم ويمنع الاستماع لتسجيلات الفار    مسئول تحكيمي سابق يكشف سبب رفض إطلاع وفد الأهلي على التسجيل الصوتي لمباراة سيراميكا    قائمة «سيدات طائرة الأهلي» في بطولة إفريقيا    استعدادات مكثفة لشم النسيم، رفع درجة الطوارئ بالمحافظات وتشديد الرقابة على الأسواق    وزيرة الثقافة تطمئن على الحالة الصحية للفنان سامي عبدالحليم    رئيس «خارجية الشيوخ»: إسرائيل لا تريد إطفاء نار الحرب المشتعلة في المنطقة    محافظ البحر الأحمر يتفقد موقع محطة تحلية مياه البحر بمرسى علم استعدادا لبدء إنشائها    الزراعة بعد زيادة سعر التوريد ل2500 جنيه: موسم القمح مبشر ونستهدف 5 ملايين طن    نشأت الديهي مشيدًا بقرار حظر النشر في قضية فتاة الإسكندرية: "جاء في وقته"    وزير الدفاع: أمضوا رسالتهم وأوفوا العطاء لقواتنا المسلحة    كونتي: أرتبط بعقد مع نابولي.. ولم أوافق على تدريب منتخب إيطاليا    مدرب سموحة: تعرضنا لظلم واضح أمام الأهلي.. وقدمنا شكوى رسمية للاتحاد    بعد 16 سنة بالسلطة، لعنة دعم ترامب ونتنياهو تطيح ب فيكتور أوربان من حكم المجر    كشف ملابسات واقعة محاولة سرقة بالإكراه بالقاهرة    الأرصاد تحذر: ارتفاع فى الحرارة يكسر حاجز ال30 ويصل ذروته الأربعاء والخميس    نقابة الإعلاميين تؤكد التزامها بقرار النيابة العامة بحظر النشر في القضايا محل التحقيق    مصرع طفل متأثرا بإصابته في حريق شقة سكنية بحلوان    نشأت الديهي: تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز "ليس مجرد صدفة"    «بالألوان» تجليات الربيع فى رؤية صبرى راغب    أخبار الفن اليوم.. نقيب الممثلين يتابع تطورات الحالة الصحية للفنان سامي عبد الحليم.. وعنبة يثير قلق جمهوره بصورة من داخل المستشفى    ترميم حارس بوابة آمون تطوير 3 مقابر أثرية بجبانة الخوخة    فى مسابقة مهرجان كان الحضور قوى للسينما الأوروبية وغياب استوديوهات هوليوود    "صحة المنوفية" تُشارك الإخوة الأقباط احتفالات الأعياد بفرق المبادرات داخل الكنائس    طرق مختلفة لتجهيز الرنجة والفسيخ قبل تناولها غدا فى شم النسيم    «مركز سموم الإسكندرية» يحذر: تسمم الفسيخ يهدد المواطنين خلال شم النسيم    إدخال 53 طنا من المساعدات الطبية الإماراتية من معبر رفح إلى غزة    السفير مسعود معلوف: واشنطن تتحمل مسئولية غلق هرمز وتعثر المفاوضات    حين يتحول الألم إلى عرض مباشر: قراءة نفسية وأخلاقية في ظاهرة الانتحار العلني    الإسماعيلية استعدت لاستقبال زوارها فى شم النسيم    ملاحم بطولية لرجال الإنقاذ لانتشال ضحايا "عبارة الموت" بسوهاج    مصرع شخص أثناء عبوره الطريق أمام إسعاف فوكة في اتجاه الإسكندرية    جوهر نبيل يهنيء معتز وائل بعد التتويج بذهبية كأس العالم للخماسي الحديث    بسبب الإقبال الكبير، مد معرض زهور الربيع بالمتحف الزراعي لنهاية مايو    «بدوي» يوجه «تنمية للبترول» بتسريع وحدات الإنتاج لخفض فاتورة الاستيراد    التعليم في طريقه للتغيير.. حقوق الإنسان تدخل الفصول من أوسع أبوابها    اليونيفيل: دبابة ميركافا إسرائيلية صدمت آليات تابعة لقواتنا فى لبنان    محبة المصريين    امرأة جاءها الحيض قبل صلاة الوتر.. ماذا تفعل؟.. أمين الفتوى يجيب    بيان مهم من الصحة بعد واقعة "سيدة الإسكندرية"    تشييع جثمان سيدة ألقت بنفسها من الطابق ال13 بالإسكندرية    رئيس الوفد يزور الكاتدرائية لتهنئة البابا تواضروس بمناسبة عيد القيامة    حزب الله ينفي صلته بمحاولة اغتيال حاخام في دمشق وسط اتهامات رسمية    الأزهر للفتوى: طلب الراحة بالانتحار وهم وكبيرة من كبائر الذنوب    الرئيس مهنئًا مسيحيي مصر بعيد القيامة: سنظل دائمًا نموذجًا للوحدة الوطنية والتعايش الأخوي    هو في إيه؟.. واسكندرية ليه؟.. جرائم ازاوج أنذال تزهق أرواح الزوجات.. حادتتان مؤلمتان في أقل من شهر    قلعة الفسيخ في مصر.. نبروه مركز رئيسي لإنتاج أكلة شم النسيم    رئيس جامعة المنوفية والمحافظ يزوران مقر الكنيسة الإنجيلية لتقديم التهنئة بعيد القيامة المجيد    بعد واقعة سيدة الإسكندرية، هل المنتحر خارج من رحمة الله؟ رد حاسم من عالم أزهري    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يطلق مسابقة للأعمال المصرية باسم خيري بشارة    «الصحة» ترفع الجاهزية بالمنشآت الطبية تزامنًا مع احتفالات عيد القيامة وشم النسيم    المونوريل يتيح 12000 فرصة عمل لتصميم وتنفيذ الأعمال المدنية    محافظ أسيوط: استمرار حملات النظافة ورفع المخلفات بشوارع مدينة أبوتيج    شاهد الآن بث مباشر مباراة مانشستر سيتي ضد تشيلسي اليوم في الدوري الإنجليزي لحظة بلحظة HD    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سهر العامري : امرأة لم تولد بعد
نشر في شباب مصر يوم 09 - 02 - 2017


سهر العامري
كان ملك بابل ، نبوخذنصر الثاني ، يظن أن مدينته سيشهد ولادة امرأة لا تضاهيها امرأة أخرى في هذا الكون غنجا ودلا وجمالا ، ولهذا أراد هو أن يعرف تاريخ ولادة تلك الفتاة ، وفي أية سنة من السنوات سيقع تاريخ تلك الولادة . ولأجل ذلك قرر أن يجمع المنجمين في مدينته كي يعلم منهم إطلالة تلك الساعة التي صارت تلازمه في يقظته وفي منامه ، فقد كان يرى هو تلك المرأة الباهرة الجمال في كل يوم وليلة ، تارة تقف أمامه ، وأخرى ترسل له ابتسامة عذبة تسلب اللب منه ، ولكنه حين يقترب منها تفر مسرعة من بين يديه ، ويظل هو يلاحقها ببصره ، بينما تقف هي تحت ظل شجرة من جنائنه المعلقة التي ابتناها لزوجته أميديا الميدية ، وأحيانا يشاهدها كاشفة عن ساقيها الممتلئين تحت شلال ماء صهريج متدفق من أعلى مكان في تلك الحدائق ، ولطالما أشرقت هي مثل نجمة مشعة حين يهبط الليل ويضم بأجنحته مدينة بابل العصية .
لقد صار هو يبحر في قلق دائم ، يتسرب شيء من الخوف لنفسه ، هذا رغم أنه قاد الجيوش الجرارة ، وخاض معارك ضارية ، واستولى على بلدان بعيدة ، فهو الذي قاتل في حران والجزيرة ، مثلما قاتل في فلسطين ومصر ، ووقف على شواطئ قورينا ، واغتسل بمياه البحر المتوسط ، واستنشق نسيم البحار ، واستاف عطر زهور الجبال .
هو نبوخذنصر ، ملك بابل العظيم ، الحاكم العزيز المفضل لدى الإله مردوخ محبوب الإله نابو صاحب الفطنة والذكاء ، هو الأبن البكر لنبوبلاصر الذي جعل مردوخ رأسه شامخا وأعطاه حكم الناس القاطنين في الأقاليم القصية ، ولذلك فهو يتردد من أجل الإله مردوخ على معابد نابو ، أبن مردوخ ، وريثه الشرعي ، ويتحدث بما يسرهما ، كما انه شيد معبدا لمردوخ في بابل ، وقد جلب له مواد البناء من خشب الأرز والصنوبر اللبناني وصفائح النحاس الفينيقي ، حتى صار معبداً علويا نظيفا ، ومخدعاً للآلهة ، ثم بعد أن أكمل بناء المعبد كان هو اول من صلى به قائلا : سيدي مردوخ ! يا عظيم الآلهة ، يا جبار ! تنفيذا لأمركم الإلهي بنيت مدينة الآلهة ، وشيدت الجدران ، جددت المخدع ، وأكملت المعبد ، وبناءا على أمرك السامي الذي لا يخالف وصلت أنا الأوتاد الخشبية بيدي ، كل ذلك من أجل أن يبقى قائما خالدا على مر العصور.
حين خطا نحو باب المعبد عائدا الى قصره ظهرت له تلك المرأة ، ولهذا تراجع هو الى الوراء قليلا ، ثم وضع يده على صدره صاحبت ذلك انحناءة واضحة شاهدها مرافقوه المدججون بالحراب والسيوف ، وهذا ما أثار استغرابهم ، فكيف لملك عظيم مثله ينحي بتواضع لا يعرفون سببا له ؟ وهذا ما اضطر أكبر مستشاريه أن يطرح عليه سؤالا عن ذلك حال دخوله الى القصر الجنوبي الذي أعاد هو بناءه من جديد ، وجعله من أكبر وفخم قصور الدنيا قاطبة ، يضاهي بفخامته بوابة عشتار التي أشادها بهندسة بناء رائعة ، لم تعرف الدنيا لها مثيلا ، ثم وبطريقة اللصوص المحترفين من العثمانيين والألمان انتقلت هذه البوابة الرائعة الى برلين العاصمة الألمانية ، وبأمر من القصير الألماني الذي كان يحب الجاه والعظمة التي سرقها من نبوخذنصر الثاني ملك بابل العظيم .
طرح المستشار الكبير سؤاله على الملك ، وقد خامرته سورة من الخوف ، وكان هو يخشى أن نبوخذنصر سينهره ، ولن يجيبه عن سؤال يتعلق بشأن شخصي يتعلق به وحده ، ولا يهم أحدا غيره ، لكنه وجد شيئا من الارتياح قد غزا وجه الملك ، طاف فيه انشراح واضح مبين ، وهذا ما جعل المستشار الكبير في موقف محرج ، ولكن الملك بادره قائلا :
- ربما أنت لا تعلم ايها المستشار أنني أعيش في محنة كبيرة منذ سنوات ، وذلك حدث لي بعد أن تزوجت أنا من الفتاة الميدية بنت أحد قادة الجيش الإيراني .
- أمل أن تقول لي أيها الملك العظيم شيئا مما حل بك ، فلربما أشرت أنا عليك ببعض الأفكار التي قد تساهم في تقديم حلا للمحنة التي تعيش فيها أنت ، مثلما تقول .
- رد الملك العظيم دون تردد إني ومنذ سنوات أطارد صورة امرأة قاسمت جميع نساء الدنيا بجمالها ، فهي حلوة المبسم ، لها شفتان رفيعتان رقيقتان يزدان بهما وجهها الباسم ، مثلما يزدان بعينيها الساحرتين حين تتدلى عليها خصلات من شعرها الحريري . وليكن في علمك أيها المستشار أنني سأظل ألاحقها في أي مكان كانت هي ، ولن أهدأ الى أن أظفر بها في يوم من الأيام .
لاذ المستشار الكبير بالصمت ، وراح يقلب بيديه ، ثم يلتفت يمينا وشمال ، يبحث عن كلمات يرد بها على الملك العظيم ، أو عن سؤال يزيل جوابه الغموض الذي يلف أمر هذه المرأة التي استولت على مشاعر الملك ، وهو الذي استولى على الممالك الكثيرة ، وحطم أسوارها . ولكن نطق أخيرا سائلا :
- من تكون هذه المرأة ؟ ومن أي مدينة هي ؟
- أنا لا أعرفها ، لكنها بابلية ، تظهر لي دائما مبتسمة ، وأحيانا من دون أية ابتسامة ، أراها واقفة في شارع الموكب صباحا ، وبالقرب من بوابة عشتار مساءا ، وفي أوقات بالقرب من الزقورة ، وهذا يعني أنها من بابل ، وقد تكون هي قد انتقلت من مكان آخر ، فأنا لا أعرف شيئا عنها سوى جمالها الساحر الذي استولت به على مشاعري ، حتى أنني توجهت مرات عدة الى المعبد ، ودعوت الإله مردوخ أن يحقق منيتي بلقائها ، وفي أي مكان من هذا العالم الفسيح . فأنني أريد أن أحدق في عينيها الخضراوين ، مثلما أريد أن أنظر الى شفتيها ، وهي تلفظ الكلمات برقة متناهية .
كان ذكر الإله مردوخ من قبل الملك العظيم قد جعل من اليسر على المستشار الكبير أن يقدم اقتراحا مقبولا يمكن للملك أن يأخذ به ، فهو يعرف أن المعبد الكبير الذي ابتناه الملك للإله مردوخ يتعبد فيه الكثير من الكاهنات والكهان ، مثلما يتعبد به المنجمون والمنجمات ، فهؤلاء يتخذون من معابد المملكة أماكن تجارية يبيعون فيها تجارتهم على المتعبدين من سكان مدينة بابل خاصة في مواسم حصاد الغلة ، وجني ثمر النخيل ، فالكثير من العاملين في الزراعة يتوجهون صوب المعابد يطلبون النصح والإرشاد من المشعوذين الذين يوهمونهم بأنهم على معرفة بكل ما يريده سكان بابل من أجوبة على أسئلة تتعلق بصحة أجسادهم ، أو تتعلق بما تخبئ لهم الأيام .
- يطيب لي أن أقترح على ملك بابل العظيم الذي قاد الجيوش ، وأذل الملوك أن يسأل عن تلك المرأة كبيرة كاهنات المعبد ، وليس كبير الكهنة ، فالنساء يعرفن بعضهن البعض أكثر من الرجال الذين قد يجهلون ما يدور في عقول النساء في الكثير من الأحيان ، ولهذا هم يرتكبون الكثير من الأخطاء في تعاملهم معهن .
في صباح اليوم الثاني احتشد المنجمون والكهنة والكاهنات في المعبد الكبير ، فقد علموا أن الملك العظيم قد طلب منهم الحضور الى المعبد الذي سيزوره لأمر خطير وهام ، لا يعلم به أحد سواه ، وربما علم به بعض من المقربين له ، ولهذا ظل الجميع يضرب الأخماس بالأسداس ، يسأل كل واحد منهم الآخر عن الهدف الحقيقي من وراء زيارة الملك المزمعة ، وعن دعوتهم للحضور فيه .
البعض منهم اعتقد أن الملك يعد العدة للقيام بحملة عسكرية يؤدب فيها ملكا من ملوك الممالك المجاورة لمملكة بابل ، والذي تمرد عليه في الآونة الأخيرة ، وامتنع عن دفع الجزية له ، مثلما جرت عليه العادة ، بينما اعتقد آخرون أن الملك العظيم يريد أن يشق قناة عظيمة من نهر الفرات حيث الأراضي التي تقع على الضفة الغربية منه ، كما ظن آخرون أنه يريد أن يشيد قصرا جديدا ، أو ربما جنائن معلقة أخرى ، لكن البعض منهم قطع هذه الظنون عليهم ، وطلب منهم الانتظار ، فما هي إلا ساعات وينجلي الأمر بحضور الملك بنفسه الى المعبد ، وسيصرح هو بما يريده منهم .
مرت ساعة على ذلك حتى ظهرت من بعيد طلائع موكب الملك العظيم ، حيث كان يعتلى صهوة حصان قوي الشكيمة ، تحف بها الفرسان يمينا ويسارا ، بينما احتشد بعض من سكان مدينة بابل على طوال جانبي شارع الموكب مرحبين بقدوم الملك ، فلطالما وقفوا به هم حين تشهد المدينة احتفالات في أعيادها الدينية ، أو حين تنزل بها أخبار انتصارات جيوشها المظفرة بقيادة الملك العظيم، نبوخذنصر الثاني .
صمت الجميع حال أن وطأت أقدام الملك عتبة باب المعبد ، وصارت عيون الجميع معلقة به ، مثلما كانت النفوس تتلهف لسماع ما يريد قوله ، حتى أن البعض ظن أن الملك لا يلقي بتصريح إلا بعض مشاورات يجريها مع بعض من مرافقيه ، ولكن هذا لم يحدث فسرعان ما طلب هو من الجميع أن يصغوا له جيدا .
- على جميع المشعوذين والمنجمين الخروج من المعبد حالا ، ومن يتخلف منهم سيكون مصيره الموت بسيوف الجند القاطعة .
فر جميع المشعوذين والمنجمين ، ولم يبق أحد منهم ، وصار الواحد منهم يسقط فوق الآخر من شدة تزاحمهم على أبواب المعبد ، وفي هذه الأثناء شاهد الملك العظيم كبيرة الكاهنات وهي تسر بخبر لكبير الكهنة ، وهذا ما دفع بالملك العظيم أن يطلب منه الوقوف قائلا له بصوت حاد :
- قلْ ، أيها الكاهن الكبير ، ماذا قالت لك كبيرة الكاهنات ؟ وعن أي أمر حدثتك ؟
- رد وهو يرتجف قالت لي الكاهنة ، أنها تعرف ما يريده الملك العظيم منا .
على الفور وبصوت مخيف طلب الملك من كبيرة الكاهنات أن تقول ما تعرف هي عن غاية حضوره الى المعبد ، وبشيء من الخوف والرهبة وقفت هي ، ولكنها قالت دونما ترد :
- لن تستطيع الظفر بأنوار البابلية يا ملك بابل العظيم ، وهذه أمنية ستموت دون أن تحققها أنت أبدا ، فالوصول الى أنوار البابلية مستحيل ثم مستحيل !
ثارت ثورة الملك ، وأراد قطع لسان هذه الكاهنة ، فهو قد اعتقد أنها استهانت بقدرته على الظفر بأنوار البابلية الجميلة التي ملأت عليه عقله وكيانه بعينها الساحرتين ، وقوامها الرائع ، ولكنه قرر في نهاية الأمر أن يستعرض قوته أمام الجميع .
- تعلمين أنت أيتها الكاهنة الغبية أنني من قاتل الميديين الفرس الإيرانيين ، وسقتهم أسرى كالأغنام الى بابل العظيمة ، والآن يسيرون أذلاء في شارع الموكب أمام عينيك ، وأمام عين الجميع ، وهم الآن عبيد عند أهل بابل ، وهذا العبد الذي يقف في خدمتك هو واحد منهم ، ثم أنك تعلمين أنا نبوخذنصر ، أنا ملك بابل العظيم ، أنا الملقب بمقيم المدن ، فكم من مدينة فتحتها ، وكم من ملك خضع صاغرا لي ، أنا الذي هزمت الفراعنة بمعركة كركميش حين قادهم ملكهم نخاو الثاني فيها ، ووقت أن استنجد به الآشوريون ، أنا الذي بسطت سيطرتي على سوريا وفينقيا ، أنا الذي هد أسوار مملكة عسقلان وسبيت بعضا من سكانها ، وذلك حين عصت أمري ، أنا الذي اقتحم مدينة اورشليم ملكها مسبيا مع الكثير من مواطنيها ، ثم قمت بتنصب ابنه " صدقيا " ملكا عليها بدلا عنه ، ولكنه حين عصاني ، ورفض دفع الجزية لمملكة بابل سبيته هو وحشدا من سكانها ، وهم الآن مثلما تلاحظين صاروا عبيدا في بابل ، لا يختلفون عن الايرانيين العبيد الذين سبيتهم من قبل.
عليك أن تسألي نفسك من بنى الزقورة ، ومن أشاد الجنائن المعلق ، ورفع الماء الى سطوحها لتنعم سيدات البلاط بظلال الشجر ، وبرود النسيم حين يحل الصيف على بابل العظيمة ، أنا الذي رصع باب عشتار بالبلاط الأزرق ، ذلك الباب الذي سيزين مدينة برلين بعد أن يسطو عليه لصوص الغرب ، وينقلونه من بلاد الرافدين الى بلاد الألمان ، مثلما يقول دنيال مفسر الاحلام اليوم .
بعد كل هذا وغيره كيف تريدينني لا أصل الى أنوار البابلية ؟ هل عميت بصيرتك ، وخف عقلك ، أيتها الكاهنة الغبية ! عليك أن تثقي أن أنوار ستكون هنا في بابل ، وستعيش في بابل ، ولن يستطيع أحد أن يحرمها من رؤية عظمة مدينة بابل ، ومن رؤيتي كذلك ، فأنا وهي ، على أكثر الظن ، ولدنا في هذه المدينة ، وتعانقت روحي وروحها في سماء العشق الأبدي.
- أيها الملك العظيم ! يا مقيم المدن ! لم أقصد الحط من قيمة انجازاتك العظيمة ، ولم أرد أن أصفك بالعجز ، ولكن مقصدي هو أن أنوار البابلية لم تولد بعد ، وتفصلك عنها مسافة زمنية مقدارها أكثر من ألفين وستمئة سنة ، ولو كانت هذه مسافة أرضية لما توانيت أنت عن قطعها ، ومن ثمة الظفر بأنوار الجميلة التي ستنير بجمالها مدينة بابل ، مدينتك هذه العظيمة ، ولكنها ستكون في بابل حين تعود هي أطلالا ، لا يقطنها بشر ، ولا يحيط بها سور تجري عليها العربات ، مثلما يفعل سكانها اليوم ، ستكون بابل مدينة لا يهابها أحد ، ولا يخشى سطوتها حاكم ، أو ملك ، سيعبث جنود أمريكان بأسوارها ، وسيدوسون على بلاطك العظيم بأقدامهم القذرة ، وهو البلاط الذي لم يدس عليه فاتح في زمنك وزمن أجدادك ، هؤلاء وحوش المال سيصلون لها من بلاد قصية ، ويعبرون في طريقهم إليها بحارا ومحيطات ، وقت أن يخذلك أهلها ويخذلونها ، وحين يرقص البعض منهم فرحا ساعة احتلالها ، وأعلم أيها الملك العظيم أن هناك رجل كبير من بينهم يأمر بعدم مقاومة المحتلين الغاصبين ، كل هذا سيحدث يا ملك بابل العظيم ، كل هذا الذي يحز بالنفس ، ويدمي القلب ستشهده مملكتك ، وبلادك التي سيحكمها الإيرانيون العبيد ممن يدورون في طرقات بابل اليوم ، سيكون هؤلاء العبيد هم من ينصب الحكام أمثال رجل يدعى المالكي كما تقول لي النجوم ، وينصبون من بعده رجلا آخر يدعى العبادي ، وهناك آخرون من عبيد المال والمناصب يجرون خلفهما ، أنا أعرف أن حديثي هذا سيهز مشاعرك ، ويثير غضبك ، خاصة حين تكون حبيبتك أنوار البابلية تعيش في فترة حكمهم المظلمة ، أنا أعرف أن ذلك سيصعب عليك ، سيقض مضاجعك ، ويزيد همك ، حين أقول لك مثلما تقول لي النجوم إن حبيبتك أنوار رأت الظلم بعينها ، حرموها لذة العيش ، وعرضوها لسوء معاملة ، أسقطت على إثرها حملها وهو في شهوره الأخيرة ، ستقول لي إنك ستبني لها أربعا من الجنائن المعلقة ، وبعدد فصول السنة ، مثلما بنيت لزوجتك أميديا الميدية الجنائن الحالية ، ولكن هذا سيكون عليك جد متعذر ، ولا يمكنك تحقيقه لها ، صحيح أنك ترى أنوار البابلية بيقظتك ومنامك ، ولكنك لن تصل لها ، فهي لا تزال في رحم الزمان ، وفي القادم من الأيام ، ولم تلد إلا حين يحل الخراب جنائنك المعلقة التي ستعد من عجائب الدنيا السبعة ، ووقت أن تدوس عليها عجلات الأعداء ، وتحوم عليها غربان الأمريكان ، وساعة أن تضام فيها أنوار البابلية الحبيبة التي لم تولد بعد !
- يا ويلتاه ! ياويلتاه ! يا ويلتاه ! صرخ ملك بابل العظيم ، ووراءه رددت جدران بابل العصية صوته المدوي ، وهي ذات الصرخة التي أطلقها من قبل جلجامش ، ملك سومر العظيم في مدينة أورك ، حين رأى الدود يتساقط من أنف صديقه أنيكيدو في اليوم السابع من وفاته ، حيث عز على جلجامش دفنه .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.