عودة نجوم التسعينات بدون «حميد الشاعري»    "اورنچ مصر" تفتتح أول مركز للاتصالات في أسيوط لتدعيم الخطط الحكومية لتنمية الصعيد    ننشر أسعار الفائدة الجديدة على الشهادات في البنك الأهلي    بابا الفاتيكان يدعو العالم إلى التكاتف لإخماد حرائق الأمازون    مقتل وإصابة 48 مسلحًا من طالبان خلال عمليات عسكرية في أفغانستان    بيراميدز يفوز على إيتوال بهدف نظيف في تمهيدي الكونفيدرالية    فيديو وصور| أسرة «شهيد الشهامة» تروي اللحظات الأخيرة لحياته    الأوقاف تنظم ندوة بمدينة الضباط عن حسن الجوار    بوجبا يستعين بوالده ولوثر كينج للرد على العنصرية    الاتحاد السكندري بالزي الأبيض أمام العربي الكويتي    “الحشد الشعبي” فى العراق يعلن عن اصابة عنصرين اثنين من قواته وإصابة عدد آخر في قصف نفذته طائرات إسرائيلية في قضاء القائم    التعليم تتقدم بشكوى ل«الداخلية» في واقعة اعتداء شرطي على معلمة ببورسعيد    التضامن: توفر خدمة رفيق المسن بالتعاون مع الجمعيات الأهلية    وزير البترول: تريليون جنيه حجم الاستثمارات في تنمية الحقول والتكرير والبتروكيماويات والبنية الأساسية    الإفتاء: يجوز للإنسان تقسيم تركته كما يشاء حسبما يراه محققا للمصلحة    هل الموتى يشعرون بمن يزورونهم؟.. "الإفتاء" تُجيب "فيديو"    انتهاء التحقيق مع ريهام سعيد.. والقرار الأسبوع المقبل    «حرس وزير الزراعة» يتعدون على «صحفيين» في حفل تكريم أوائل الخريجين    أهالي قرية المحروسة في قنا يشيعون جثمان شهيد رفح بسيناء    مخصصات المصارف السعودية ترتفع 6.2% بنهاية النصف الأول    الموقف الشرعي ل الأرملة المُعتدة عند تغيير السكن .. المفتي السابق يجيب    اعتقال 18 شخصا حاولوا اجتياز الحدود البحرية التونسية باتجاه أوروبا    لازال العالم ينتظر.. نقل تماثيل ل«سخمت وبتاح وسنوسرت الأول» للمتحف المصري الكبير قريبا    الاثنين.. بدء تنسيق القبول بشعبة الترجمة الفورية لطلاب الأزهر    رئيس جامعة المنيا يفتتح المنتدى الأول ل«قادة شباب جامعات الصعيد»    «الثانوية الأزهري»: طعون الدور الثاني ستبدأ فور إعلان النتيجة ولمدة أسبوعين    "أبو شقة" يطلق مبادرة "الوفد مع المرأة" سبتمبر المقبل    ما حكم تجديد المقام المبنى داخل المقابر؟ .. «الإفتاء» تجيب    5 قتلى جراء اصطدام مروحية بطائرة فوق جزيرة إسبانية    تحت رعاية رئيس الوزراء ... وزيرة البيئة ىتختتم مهرجان الطبيعة الأول    خطورتها ضعف العادية.. طلب إحاطة يحذر من تداول السجائر الإلكترونية    أشهر رؤساء اتحاد الكرة.. وزرير دفاع وداخلية و«جد» رانيا علواني    عصام فرج يتسلم مهام عمله أميناً عاماً للأعلى للإعلام    فيديو| تعرف على تكلفة ميزانية المهرجان القومى للمسرح    التفاصيل الكاملة لألبوم أحمد شوكت الجديد "ولا 100 طريقة"    تدريبات مكثفة للقوات المصرية المشاركة فى حماة الصداقة 4 بروسيا    إحالة 45 من العاملين بوحدة طب أسرة بالشرقية للتحقيق    نادية مصطفى و ساوند تراك الثلاثاء بالقلعة    سقوط مسن لاستيلائه على 900 ألف جنيه من مواطنين بزعم توريد مواد بناء بسوهاج    هل توقف الدعاوى القضائية مشروعًا قوميًا؟!    وزير التعليم العالي يشهد احتفال جامعة الأهرام الكندية بتخريج دفعة 2019    16 عرضا في اليوم التاسع بالمهرجان القومي للمسرح المصري    هاني شاكر يوجه رسالة لمحمد صلاح    العثور على جثة متحللة داخل شقة بالغردقة    عمرو المصري: «حيطة سد» التعاون الأول لي مع أصالة    مرضى متلازمة «تململ الساقين» يواجهون خطر الانتحار    «القومى للاتصالات» يصدر أول تقرير لجودة خدمات شركات المحمول الأحد المقبل    برشلونة يحدد "بديل" ليونيل ميسي أمام ريال بيتيس    الصحة: 39 حاجا مصريا مازالوا يتلقون علاجهم في المستشفيات السعودية    تسمم 4 أطفال بسبب الجبنة في سوهاج    تراجع جماعى لأسواق الخليج عند الفتح.. والبورصة المصرية ترتفع    نتائج أولية مبشرة للقاح جديد يستهدف السل الفتاك    جريمة قتل بشعة "مصورة" تهز تركيا    ألسن عين شمس تفتتح قسما للغة البرتغالية بداية من العام الدراسي الجديد    صحف السودان تهتم بمحاكمة البشير ومشاورات تشكيل الحكومة الجديدة    مدرب الإسماعيلي يعدد مكاسب معسكر 6 أكتوبر استعدادا للموسم الجديد    فيديو| تركي آل شيخ يعلن عن الفائز بسيارة موديل 2019 في مسابقة التوقع    الصحة: لايوجد بكتيريا في الغردقة.. وسنرد على الشائعات ببيان رسمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





د. أحمد صبحي منصور يكتب : كتاب المكي والمدني في التنزيل القرآني ( الجزء الرابع )
نشر في شباب مصر يوم 14 - 02 - 2016


د. أحمد صبحي منصور
ما زال الحديث موصول حول كتاب المكي والمدني في التنزيل القرآني ونقول بعون الله تعالي ما نصه الأتي :
ومن العجيب أن هذا هو الذى حذّر منه رب العزة مسبقا فى سورة ( الأنفال ) والأنفال تعنى ( الغنائم ) . القافلة التى سار النبى واصحابه للإستيلاء عليها كانت من أموالهم ، وهم أصحاب حق فيها . وتنازع المؤمنون حول الغنائم ، فليس كل من حارب كانت له حقوق ضائعة لدى قريش ، ولذا بدأت سورة الأنفال بالتأكيد على أن الانفال لله جل وعلا ورسوله والأمر باصلاح الخلاف بينهم وتقوى الله ، ثم جاء توزيع تلك الغنائم والأكل منها حلالا طيبا ( الأنفال 1 ، 41 ، 69 ). ومعنى وصف رب العزة الأكل من هذه الغنائم (حلالا طيبا) أنها كانت حقا للمؤمنين الذين أخرجتهم قريش من ديارهم وأموالهم (الحج 40 ) ، وبدليل تحريم أخذ الفداء المالى من أسرى بدر ( الأنفال 67 : 71 ) . الغنائم الحلال هنا مرتبطة بوضع خاص ، لايجوز تعيميمه إلا فيما يشابهه فقط فى قتال دفاعى ضد عدو معتد قام بالسلب والنهب .
فى نفس السورة نتعرف على صفات سلبية للذين آمنوا ، فقد كانوا لا يستجيبون طاعة لله جل وعلا ورسوله وكانوا يخونون الله جل وعلا ورسوله فحذرهم رب العزة من فتنة لا تصيب الذين ظلموا منهم فقط ، وأعلمهم أن أموالهم وأولادهم فتنة وأن الله جل وعلا عنده الأجر العظيم، يقول جل وعلا فى سورة ( الأنفال 24 : 29): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ واعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ).
الذين آمنوا ظاهريا وكذبوا بالحق القرآنى ما لبث أن تناسوا هذا فقرنوا الكفر القلبى بالكفر السلوكى ووقعوا فى جريمة الفتوحات ، فحاقت بهم الفتنة التى قال عنها رب العزة فى سورة الأنفال:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ). والتفصيل فى كتابنا عن ( المسكوت عنه فى تاريخ الخلفاء الراشدين ).
مواكبة التنزيل القرآنى لحركة المنافقين البداية
مقدمة :
1 فى التنزيل المكى لم يكن فيه إى حديث عن المنافقين . كانت هناك إشارة للسماح لمن يتعرض للإكراه فى الدين أن يقول كفرا ، ويغفر الله جل وعلا له طالما كان قلبه مطمئنا بالايمان . يقول جل وعلا : (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل 106 ) وفى التنزيل المدنى كان هناك إشارة ( للتقية ) للمؤمن فى مجتمع معاد للاسلام ويجبر ذلك المؤمن على أن يوالى ذلك المجتمع فى عدائه وعدوانه على المسلمين المسالمين ، يقول جل وعلا : (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) آل عمران ). فى الحالتين نحن أمام مجتمع تنعدم فيه الحرية الدينية . وهذا يخالف الدولة الاسلامية التى أرساها الرسول عليه السلام ، وتمتع فيها الجميع بالحرية الدينية بلا حد أقصى ، وبحرية المعارضة السلمية ، أيضا بلا حد اقصى . هذا المناخ الحُرُّ أتاح للملأ فى يثرب أن يمارس حريته الدينية والسياسية بلا حدود ، وأطلق عليهم رب العزة لقب ( المنافقون ) .
أولئك المنافقون كانوا ( الملأ ) ، من أثرى سكان يثرب ( المدينة ) وحين تحول معظم أهلها الى الاسلام وهاجر اليها النبى عليه السلام والمهاجرون من مكة وغيرها جرفته الأحداث الجديدة ، فقدوا مكانتهم وسيادتهم وجاههم وتساووا فى المواطنة مع غيرهم من الأنصار بل من الغرباء ( المهاجرين القادمين ) ( لمدينتهم ) .! وفى نفس الوقت كانوا لا يملكون الهجرة من المدينة وهى وطنهم ومقر ثروتهم وفيها أهلهم وذووهم ، ثم مغادرتهم المدينة سيجعلهم تحت رحمة قبيلة أو قبائل أخرى تابعين لهم بلا مكانة بل فى أقل مكانة . أضطروا الى البقاء فى المدينة حيث كانوا ينعمون فيها فى ظل الدولة الاسلامية بحريتهم الدينية والسياسية مع تآمرهم بكل ما يستطيعون ، وهذا ما كانوا يفعلون . وكل ما كان يلزمهم هو القسم بالله جل وعلا كذبا ، أى كما قال رب العزة (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) المجادلة 16 ) ( المنافقون 2 ).
2 وروعة التنزيل المدنى هنا هو التسجيل لما كان يحدث من بداية حركة النفاق الى إشتدادها قبيل موت النبى عليه السلام . وانتهى العلم بهم بموت النبى وإنتهاء الوحى نزولا . وهذا لا يعنى أن حركة النفاق إنتهت وتم إستئصالها مرة واحدة ، ولكن يعنى العكس ، وهو بلوغها الذروة بعد غياب الوحى فلم يعودوا يخشون من نزوله يفضح ما يفعلون . بل إن البحث التاريخى للمسلمين فى الفتوحات يؤكد أن هذه الفتوحات وما تلاها من حروب أهلية قد قادها اولئك الذين مردوا على النفاق ولم يكن النبى عليه السلام يعرفهم وهم الى جانبه ، يقول جل وعلا :( و مِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ) التوبة 101 ) هم يختلفون عمّن ذكرهم رب العزة فى الآية التالية ، وهم عُصاة إعترفوا بذنوبهم وعسى ان تكون توبتهم صادقة فيغفر الله جل وعلا لهم ( و آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) التوبة 102 ). كلا .. هؤلاء الذين مردوا على النفاق لم يعترفوا ولم يتوبوا ، بل حافظوا على كراهيتهم للإسلام ، وأمسكوا ألسنتهم وضبطوا حركاتهم حتى لا يفضحهم الوحى ، وبعد موت النبى عليه السلام وإنقطاع الوحى نزولا تصدروا المشهد ( من أبى بكر وعمر وعثمان والزبير وطلحة وسعد وابن عوف ..الخ ) . أولئك الذين مردوا على النفاق حققوا لزملائهم المنافقين المفضوحين ( من الأوس والخزرج والأعراب ) ما كانوا يتمنونه . كان يجمع هؤلاء المنافقين العلنيين وهؤلاء المنافقين ( المردة ) كراهية شديدة للإسلام ، ولكن الفارق أن المنافقين القرشيين الذين هاجروا الى المدينة كانوا الأكثر دهاء ، وكانت التعليمات عندهم أن يلتصقوا بالنبى ، ولو نجح فى دعوته فتكسب قريش وتجنى الثمرة. هذا التخطيط الجهنمى الذى وصفه رب العزة بانه مكر تزول منه الجبال ( ابراهيم 46 ) أسفر عن تغيير هائل فى التاريخ العالمى ، إذ حكمت قريش بعد موت النبى وإستغلت الاسلام فى الفتوحات ، وبه ظلت تحكم قريش معظم العالم المعروف من خلافة ( الراشدين ) الى خلافة الأمويين والعباسيين والفاطميين . والتفاصيل فى كتابنا ( المسكوت عنه فى تاريخ الخلفاء الراشدين ) وهو منشور هنا . ولكن الذى يهمنا هنا أن التنزيل القرآنى المدنى حفل بتفصيلات عن المنافقين العلنيين فى المدينة ، مع إشارة الى منافقين مجهولين أخطر ، لم يكونوا وقتها قد إرتكبوا أعمالا عدائية حتى ينزل القرآن يفضحهم ، بل قدموا طاعة وإلتزاما ، وليس معقولا أن يفضحهم التنزيل بأفعال لم يرتكبوها بعد . لذا كان المناسب الإشارة الى أنهم من أهل المدينة وأنهم مردوا على النفاق وأنه النبى لا يعلمهم وأنهم سيرتكبون أعمالا فيما بعد يعذبهم بسببها رب العزة مرتين فى الدنيا ثم يموتون بكفرهم ليلاقوا فى الآخرة العذاب العظيم .
3 ونتتبع حركة النفاق ( العلنية ) من خلال رصد التنزيل المدنى لها .
البداية : الكلام عنهم بما يعملون دون وصف ( المنافقين )
1 جاء هذا فى سورة النور ضمن موضوع
( حديث الإفك ) والذى ( تولى كبره منهم ) و( الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا ) و( الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ) . نزل التأنيب والتحذير لأولئك ( المنافقين ) بدون كلمة ( المنافقين ) .( النور 11 : 26 )
2 بدأ المنافقون يرفعون لواء الايمان خداعا بينما بعقدون إجتماعات سرية لهم يتندرون فيها على المؤمنين ، ونزل آيات سورة البقرة تفضحهم ( البقرة 8 : 20 ) ولكن دون وصفهم بالمنافقين .
ذكرهم بالاسم ( المنافقون )
سورة الأنفال :
أول وصف لهم بالمنافقين نزل فى سورة الأنفال فى الإشارة الى حقدهم على انتصار المؤمنين فى موقعة ، يقول رب العزة :
( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) الانفال 49 ).
سورة ( آل عمران ): سجلت تعاظم دورهم فى موقعة ( أحُد )
1 فى بداية الحديث عنهم جاء الحديث عنهم بوصفهم ( بطانة ) ، ونزل التحذير للمؤمنين من إتخاذ بطانة من غيرهم كارهة لهم تبدو الكراهية على وجوههم وما تخفى صدورهم أكبر ، يفرحون إذا أصاب المؤمنين سيئة ، ويحزنون إذا حدث للمؤمنين خير ، ولا يتوانون فى الكيد للمؤمنين ، ولو تمسك المؤمنون بالصبر والتقوى لن تضرهم مكائد اولئك الكارهين (آل عمران 118 : 120 ).
2 وفى سياق الحديث عن موقعة ( أحُد )، ( آل عمران 138 : 180 ) تعرض التنزيل المدنى فى السورة الى مواقف وأقوال المنافقين والرد عليها ، إذ وجدوا فى هزيمة المؤمنين فرصة لهم . حين تحرك جيش قريش للإنتقام قاصدا المدينة إستشار النبى أهل المدينة فرأى المنافقون البقاء فى المدينة وإنتظار الكافرين بينما تحمس شباب المؤمنين الى الخروج لملاقاتهم فى الطريق لدرء خطرهم عن المدينة . وهو الرأى الأصح . وأخذ به النبى ، وصدقهم الله جل وعلا وعده فانتصر المؤمنون فى البداية وكشفوا جيش قريش عن مكانه ، ولكن حدثت الهزيمة لأن فريقا من المؤمنين كان ( يريد الدنيا ) أى الغنائم ، وحدثت الفوضى ولم يسمعوا تحذير الرسول لهم
( آل عمران 152 : 153 ). وبعد الهزيمة وجدها المنافقون فرصة يلومون فيها النبى يقولون لو أطعتم رأينا ما حدثت الهزيمة وما قُتل أولئك الناس ، ويقولون : ( ليس لنا من الأمر شىء )
( لو أطاعونا ما قُتلوا ) ونزل الرد عليهم بأن كل نفس مقدر لها موعد ومكان موتها . وأن أولئك الذين قتلوا فى أحد لو ظلوا فى بيوتهم سيذهبون الى مكان المحدد لموتهم ، وأن الخير ينتظرهم عند ربهم وأنهم ليسوا موتى بل أحياء عند ربهم يُرزقون : ( آل عمران 154 ، 156 : 158 ،168 ، 169 : 171 ). ويفضح التنزيل المدنى موقف المنافقين فى رفضهم الدفاع عن المدينة بحجة انهم لا يعرفون القتال
( آل عمران 167 ) ، وكان من يسارع منهم الى الكفر وكان النبى يحزن لكفرهم ولا داعى لأن يحزن بشأنهم فليس لهم حظ فى الآخرة ،( ملاحظة : لم يكن هناك ما يُعرف بحد الردة لمعاقبة أولئك الذين كانوا يسارعون بإعلان الكفر فى وجود البنى الى درجة أن يحزن بسبب ردتهم ) ومنهم من يبخل وسيتم تطويقه بما يبخل به يوم القيامة ، وان محنة موقعة ( أحد ) كانت إختبارا يتميز فيه الطيب من الخبيث ، خصوصا أولئك المؤمنين الصادقين الجرحى فى المعركة والذين صمموا رغم جروحهم على مطاردة جيش القرشيين الذين بادروا بالفرار بعد ان خطفوا نصرهم السريع . أولئك المؤمنون الأبطال رفضوا تخويف المنافقين بأن جيش الكفار قد جهز لهم وجمع لهم كمينا ، لم يترددوا فى متابعة جيش قريش ، بينما تقاعس المنافقون وقعدوا عن حراسة المدينة بعد خروج جيش النبى منها لمواجهة جيش قريش : ( آل عمران: 167 : 168 ، 172 : 180).
المنافقون فى اواسط وأواخر التنزيل المدنى
فى سورة ( النساء ) ملامح أخرى عن المنافقين :
1 رفضهم الاعتراف بالنظام القضائى لدولة المدينة ، ورفضهم الاحتكام للرسول ، والله جل وعلا يأمر النبى عليه السلام بالاعراض عنهم ووعظهم : ( النساء 60 : 70 ).
2 وكانوا يدخلون على النبى يقدمون له فروض الطاعة ثم يخرجون من عنده يكذبون عليه ما لم يقل ، ويأمر الله جل وعلا النبى ان يعرض عنهم متوكلا على ربه جل وعلا ، ويعظهم رب العزة بتدبر القرآن ( النساء 81 : 82 )
3 وكان هناك نوع من التنسيق بين بعض المنافقين داخل المدينة ومنافقين معتدين من الأعراب ، كانوا يدخلون المدينة على أنهم إعتنقوا الاسلام ، ويتصلون بالمنافقين داخل المدينة ، ويتعرفون على مواقع الضعف والقوة فى تحصينات المدينة ، ثم يهاجمون المدينة .
وقبلها وفى تأسيس دولة المدينة ولأن الدولة هى ( أرض وشعب ونظام حكم ) ، فقد نزل التشريع المدنى مبكرا يجعل المواطنة لأهل المدينة ومن يهاجر اليها ، حتى لو كان على غير عقيدة الاسلام ، وحتى لو كان منافقا كارها للإسلام . الشرط هو الاقامة فى المدينة أو الهجرة اليها وله ان يتمتع بحريته المطلقة الدينية والسياسية طالما كان مُسالما ( مسلما بالسلوك لا يرفع سلاحا ضد الدولة ومواطنيها ). وفى نفس الوقت فليست لدولة الاسلام ولاية على المسلمين المؤمنين الذين يعيشون خارجها ويرفضون الهجرة اليها ، وإن إستنصروهم وطلبوا عونهم لانقاذهم من الاضطهاد فعلى دولة الاسلام نصرتهم إلّا إذا كان أولئك المسلمون المضطهدون يعيشون فى دولة بينهم وبين دولة الاسلام عهد وميثاق ، يقول جل وعلا :( إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) الانفال 72) .
فى حالة أولئك المنافقين الأعراب المخادعين للنبى عليه السلام ودولته كان لا بد من تفعيل هذا الشرط ، بانهم لو كانوا فعلا مؤمنين فلا بد أن يهاجروا وأن يستقروا فى المدينة مُسالمين يتمتعون بحريتهم المطلقة فى الدين والمعارضة السياسية . إن رفضوا وإستمروا فى خداعهم فلا بد من قتالهم إذا جاءوا للمدينة . ووضعت الآيات ( 88 : 91 ) من سورة النساء التفصيلات التشريعية فى هذا الموضوع . وهناك إشارة الى المنافقين المحليين داخل المدينة وعملهم كطابور خامس لأولئك المنافقين الأعراب المحاربين المعتدين ، فكان المنافقون المحليون يشيعون أخبارا مُغرضة تتصل بالأمن لإرعاب المؤمنين . وكان لدولة النبى جهاز للمخابرات فيه ( أولو الأمر ) أى اصحاب الشأن الذين يقومون باستقبال الأنباء وتحليلها ، ومفروض على المؤمنين الرجوع اليهم فى هذا ( الأمر / الشأن ) لأنهم أصحاب ( الأمر / الشأن ) . يقول جل وعلا : ( وإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ ) النساء 83 ). ووردت فى نفس السورة ( النساء 59 ) الأمر بطاعة الله جل وعلا ورسوله وأولى الأمر ( اى أصحاب الاختصاص فى الأمر أو الشأن الذى هو محل تخصصهم ) . ونفهم من سورة التوبة ان بعض الاعراب اقام حول المدينة تابعا لدولة المدينة ، وكان منهم مؤمنون وكان منهم منافقون . ونعرف من سورة الفتح وجود أعراب تابعين للدولة إستقروا حولها ، وتقاعسوا عن الدفاع عن المدينة . أى نفهم أنه بعد نزول آيات سورة النساء
( 88 : 91 ) قام النبى والمؤمون بتنفيذ هذا التشريع فى حركات عسكرية ضد الأعراب المعتدين ، ولكن السيرة لم تذكر هذا وأن تلك الحملات العسكرية الدفاعية منعت دخول هؤلاء المعتدين الى المدينة بحجة الاسلام خداعا ، وألزمت من يريد الدخول فى الاسلام بأن يعيش فى كنف الدولة الاسلامية متمتعا بميزات المواطنة ، بغض النظر عن عقيدته ورأيه السياسى . ولنتذكر أن دولة المدينة كانت موقعا ثابتا مكشوفا فى صحراء تحيط بها من كل الجهات ، وهذا الموقع الثابت المكشوف يجعلها عُرضة لهجوم باغت من جماعات قليلة أو جيش ضخم ، لذا كان يتحتم على هذه الدولة المُحاطة بأعداء من الأعراب وغيرهم أن يكون لها جهاز أمنى كفء منتشر فى الصحراء بين الأعراب والقبائل وداخل مكة والطائف وغيرهما ، وأن يبادر جيش المدينة الى مواجهة العدو القادم فى الصحراء قبل أن تتعرض المدينة للحصار وإحتمال الاستئصال . لهذا يأتى التعبير عن القتال بكلمة ( أُنفروا )
وبالخروج ، أى بالخروج الى الصحراء .
4 وبعضهم خدع النبى عليه السلام. سرق ابن لهم وشاع أمره ، فكان أن أخفوا الشىء المسروق فى بيت شخص برىء ، وذهبوا للنبى يشكون له كيف إتهم الناس ابنهم ظلما فصدقهم النبى وخطب يدافع عن ابنهم معتقدا انه مظلوم . ونزل القرآن يلوم النبى ويشير الى ما حدث بالمنهج القرآنى فى القصص ( عدم ذكر الأسماء للأشخاص ) لكى تتحول القصة الى موعظة تتحرر من أسر المكان والزمان لتنطبق على عادة سيئة للبشر فى كل زمان ومكان حيث يوضع البرىء فى السجن ويتمتع المجرم بالمكانة المحترمة . ولهذا كان التعليق الالهى على القصة بوضع قواعد حقوقية : أن المذنب الذى يستغفر الله جل وعلا معترفا بذنبه يغفر له رب العزة. والذى يقترف إثما يتحمل هو مسئوليته ، أما الذى يكسب إثما ثم يلفقه لغيره من الأبرياء فهو يتحمل بهتانا وإثما مبينا . ثم إشارة الى وضع النبى كبشر ممكن أن يتعرض للخداع والاضلال ، ولأنه رسول فقد علّمه الله جل وعلا بالوحى ما لم يكن يعلم ( النساء 105 : 113 )
5 وبدأت مبكرا مجالس الشورى بإجتماعات عامة ( امر جامع ) ونزل التشريع بتحريم الغياب عنها بدون عُذر او التسلل منها ، وأضاع هذا على المنافقين موقعهم السابق فى الصدارة التى كانوا عليها قبل مجىء النبى للمدينة . وبدأ ( عوام ) أهل المدينة يتفاعلون ويشاركون فى إدارة وحُكم مدينتهم. وردّ المنافقون بالتشويش على هذا (التحول الديمقراطى ) بتكوين جماعات منهم تحترف التشاور السّرى تنشر الاشاعات ، أو ما سمّاه رب العزة ( النجوى ) . ونزل فضح هذا التناجى فى سورة
( النساء 114 : 115 ) ونزلت تفاصيله فى سورة المجادلة ( 5 : 21 ) .
6 وحفلت سورة النساء بمتفرقات عن انواع من النفاق والمنافقين: ترددهم القلبى بين الايمان والكفر ثم زيادتهم فى الكفر ، وموالاتهم للكافرين المعتدين ضد الدولة التى يعيشون فى كنفها ، وعقدهم مجالس للخوض فى كتاب الله وحضور بعض المؤمنين هذه المجالس متناسين نهى رب العزة عن حضورها فيما سبق من تنزيل مكى ، وبعضهم كان يمُنٌّ على المؤمنين فى حالتى النصر والهزيمة ، وعاب رب العزة على المنافقين تكاسلهم فى الصلاة ورياءهم فيها وحكم الله جل وعلا بأنّ المنافقين فى الدرك الأسفل من النار إلّا إذا تابوا واصلحوا واعتصموا بالله جل وعلا واخلصوا له دينهم، فليس رب العزة جل وعلا محتاجا لتعذيب الناس إذا شكروا وآمنوا
( النساء : 137 : 147 ).
سورة الأحزاب :
كان حصار الأحزاب للمدينة محنة قاسية أظهرت معدن المؤمنين الحقيقيين ، كما أظهرت أنواع النفاق والمنافقين . واضح أن الأنباء جاءت للنبى بقدوم الأحزاب فكان حفر الخندق وعقد النبى مع أهل المدينة بيعة وعهدا بالصمود ، وبينما صدق المؤمنون فيما عاهدوا الله جل وعلا عليه فإن المنافقين خانوا العهد ، منهم من سخر من وعد الله جل وعلا بالنصر ، ومنهم من قام بتثبيط المؤمنين عن الدفاع عن المدينة ، ومنهم من ترك موقعه الدفاعى بحجة ان بيته ليس آمنا ، ومنهم المعوقون والمرجفون فى المدينة بالاشاعات ومنهم الذين فى قلوبهم مرض ، وقد أوشكوا على حمل السلاح ضد الدولة الاسلامية فنزل تحذيرهم بشدة :
( الأحزاب: 12 : 20 ، 60 : 63 ) . ونزل فى نفس السورة نهى للنبى ( مرتين ) عن طاعة المنافقين ( الأحزاب 1 ، 48 ).
متفرقات :
( سورة محمد : 16 : 17 ، 21 : 31 ) : فيها تندرهم على القرآن ، وصلتهم بالكافرين ووعظهم بتدبر القرآن بنفس ما سبق فى سورة النساء ، وتحذيرهم من اللجوء للقتال وتقطيع أرحامهم ، كما سبق فى سورة الأحزاب .
( سورة الفتح : 11 : 16 ): عن منافقى الأعراب ، وترددهم بين المشاركة مع المؤمنين فى القتال الدفاعى ، وقعودهم عنه . وأعذارهم الباطلة .
( سورة الحشر 11 : 12 ): عن وعد كاذب من المنافقين للمعتدين اليهود بالتحالف معهم
( سورة المنافقون : 1 : 8 ) عن خداع المنافقين وكذبهم وإتخاذهم أيمانهم جُنة ووقاية ، ورفضهم الاعتراف بالخطأ وأن يستغفر لهم الرسول ، وإعلانهم عدم تقديم المال للدولة لأنها فى نظرهم إنفاق على أتباع النبى ، وحتى ينفضوا من حوله ، وزعمهم بأنهم سيخرجون النبى والمؤمنين من المدينة .
فى أواخر التنزيل المدنى :
( سورة المائدة : 41 ، 51 : 53 )
1 فى هذه السورة نرى تماثلا وتحالفا بين منافقى المدينة ومنافقى أهل الكتاب . وهى ناحية مسكوت عنها فى التأريخ للنبى فيما يُعرف بالسيرة النبوية . فالآيات فى سورة المائدة تشير الى معارك حربية تحتم فيها الولاء للدولة الاسلامية التى تمارس القتال الدفاعى فقط ، ومحرم عليها أن تعتدى على أحد لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين. لذا نزل الأمر بعدم موالاة اليهود والنصارى المعتدين ، وأن من يواليهم فى عدوانهم فهو مثلهم فى ظلمهم . هذه العلاقة الحربية شجعت بعض المنافقين على المسارعة بإعلان الكفر العقيدى الذى كانوا يكتمونه.
2 هذا مع وجود منافقين من أهل الكتاب يزعمون الايمان بأفواههم ، يدخلون على النبى يزعمون الايمان ، وقد دخلوا والكفر فى قلوبهم ثم خرجوا والكفر أيضا فى قلوبهم ، وهم يقومون بالتحريف والافتراء ونشر هذا الكذب والافتراء ، ثم هم يأتون للنبى يحتكمون اليه ، وعندهم التوراة فيها حكم الله ، ثم بعد أن يحكم الرسول بالحق يتولون عنه معرضين ، والله جل وعلا يبيح للنبى أن يحكم بينهم بالحق القرآنى الذى نزل مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية ومهيمنا عليها ، ويحذره من ألاعيبهم وخداعهم . ويضع رب العزة البديل الاصلاحى للمؤمنين وأهل الكتاب وهو التسابق فى الخيرات ، للفلاح فى الآخرة . وهذه العلاقات بين النبى ومنافقى أهل الكتاب من المسكوت عنه فى ( السيرة النبوية ) .
( سورة التوبة : 42 : 110 )
تنوعت فيها انواع النفاق والمنافقين على النحو التالى :
1 التقاعس عن القتال بحجج واهية ، والتثبيط عن القتال الدفاعى والدعوة للقعود بديلا عن الخروج لملاقاة العدو الزاحف لغزو المدينة . وعقاب أولئك المنافقين هو منعهم مستقبلا من شرف القتال الدفاعى، وألا يصلى النبى عليهم إذا ماتوا ( التوبة 42 : 49 ، 81 : 89 ، 93 : 94 )
2 إدمان القسم كذبا بالله جل وعلا .
( التوبة 42، 56 ، 62 ، 95 : 96 )
2 التشفى بأى مصيبة سيئة تحدث للمؤمنين وكراهية أى خير يأتى لهم ( التوبة 50 : 52 )
3 التكاسل فى الصلاة ( التوبة 54 )
4 بالنسبة للإنفاق على المجهود الحربى ( الانفاق فى سبيل الله جل وعلا ) تنوعت مواقفهم منهم من كان ينفق كارها فمنع الله جل وعلا قبولها منهم ، ومنهم من كان يطمع أن يأخذ من الصدقات مع أنه ليس من المستحقين للصدقات ، ومنهم من عاهد الله ونذر إن أصبح غنيا سيتصدق ، فلما أصبح ثريا أخلف وحنث . ومنهم من يتندر على الفقراء المؤمنين المتبرعين بالقليل مما يملكون فى سبيل الله جل وعلا ، وعقابهم أن استغفار النبى لهم غير مقبول من الله جل وعلا ، ومنهم من يمتنع عن الانفاق فى سبيل الله جل وعلا
( التوبة 53 : 54 ، 58 : 60 ، 75 : 78 ، 79 : 80 ، 67 ).
5 إتهام النبى بأنه ( أُذُن ) أى يسمع وينصت لما يُقال له ، والسبب أنهم كانوا من قبل الملأ المسيطر أصحاب الأمر والنهى ، فجاءت الدولة الاسلامية بالشورى والديمقراطية المباشرة التى توجب على القائد أن يسمع من الجميع وأن ينتبه لآراء الجميع فى الاجتماعات العامة المُشار اليها فى أواخر سورة النور . وسكت النبى عن هذا الاتهام ونزل القرآن يدافع عن النبى بأنه أُّذُن خير ورحمة للمؤمنين ( التوبة 61 ) .
6 وقوعهم فى شتى أنواع التآمر حتى ينزل القرآن بالحق يفضحهم ( التوبة 48 ).
7 الاستهزاء بالله جل وعلا ورسوله وكتابه
( التوبة 64 : 66 ).
8 تسيير مظاهرات فى شوارع المدينة تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف للرد على أمر المؤمنين بالمعروف ونهيهم عن المنكر ( التوبة 67 : 72 ). وهذا مسموح به فى دولة الاسلام التى تُتاح فيها الحرية الدينية والسياسية بدون حد أقصى طالما كانت سلمية . ( أين هذا من نظم الحكم فى دول المحمديين اليوم ؟!! ).
9 قول الكفر والشروع فى أعمال كفرية عدائية ، وحكم الله جل وعلا عليهم بالكفر ، وعرض التوبة عليهم :( التوبة 74 ) .
10 الذين إتخذوا مسجد الضرار وجعلوه وكرا للتآمر على الدولة الاسلامية ، وإنخدع به النبى الذى لا يعلم الغيب فكان يقيم فيه ، الى أن نزل القرآن يفضح هذا المسجد وأصحابه وينهى النبى عن الاقامة فيه ، وخلافا لتلفيقات كتب السيرة فإن النبى لم يحرقه بل ظل بنيانه موجودا
( لا يزال ): ( التوبة 107 : 110 )
أنواع جديدة من المنافقين داخل المدينة :
1 الأعراب الذين هاجروا للمدينة وأقاموا حولها ، أغلبهم كان الأشد كفرا ونفاقا ، والأبعد عن الالتزام الاسلامى ، وكانوا يتربصون بالمؤمنين ويعتبرون من المغارم إنفاقهم فى سبيل الله جل وعلا ، وهناك أعراب مؤمنون مخلصون ( التوبة 97 : 98 : 99)
2 وهناك من أهل المدينة فى داخلها
( من المهاجرين والأنصار ) طائفة مردت على النفاق وكتمت مشاعرها وكفرها حتى لا يفتضح بالقرآن أمرها ، فظل النبى لا يعرفهم ومن المنتظر أن يكونوا أقرب الناس اليه ، وهؤلاء هم الذين قاموا بالفتوحات ( صحابة الفتوحات ). ( التوبة 101 ).
فى المقارنة بهؤلاء كان فى المدينة السابقون إيمانا وعملا من المهاجرين والأنصار وهم الذين لا يريدون عُلوا فى الأرض ولا فسادا . وهذه النوعية لا تتصارع على السلطة الثروة والنفوذ ، لذا تمسكت بدينها ، ولم تذكرها كتب التاريخ التى سجلت تاريخ الخلفاء وحروبهم وصراعاتهم . ولكنهم هم الذين رضى الله جل وعلا عليهم ، لأنهم سيأتون يوم القيامة ولم يسفكوا دما ولم ينهبوا مالا ولم يأكلوا سُحتا ، ولم يقهروا شعبا . الخلفاء الفاسقون هم الذين فعلوا هذا فأشاد بهم التاريخ . والتاريخ دائما ينام فى إحضان الظالمين .
وللكتاب بقية فيتبع .....
-----------
بقلم الدكتور/ أحمد صبحي منصور
من علماء الأزهر سابقا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.