فيديو| ياسر رزق: «المصالحة مع الإخوان مستحيلة.. الشعب لن يسمح»    فيديو.. الرئاسة تكشف تفاصيل لقاء السيسي مع مجلس محافظي المصارف المركزية    ما هي تقنية العلاج عن بعد التي أعلنت المصرية للاتصالات المشاركة فيها؟    تعليق عمرو أديب على استهداف "أرامكو" السعودية    بوتين تعليقًا على هجمات «أرامكو»: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين    ولي العهد السعودي: تهديدات إيران ليست موجهة ضد السعودية فقط.. بل ضد المنطقة والعالم    الصفاقسي التونسي يفسخ التعاقد مع نيبوشا بعد الفشل فى الكونفدرالية    حسام البدري يعود للصورة بقوة لقيادة المنتخب الوطني    رسميا.. غياب نيمار ومبابي وكافاني عن سان جيرمان أمام ريال مدريد    بالفيديو.. إحباط تهريب 6 ملايين شمروخ ألعاب نارية داخل البلاد    ضبط أدوية بشرية منتهية الصلاحية بصيدليتين في دمنهور    صور| محافظ قنا يُقدم واجب العزاء لأسر «شهداء لقمة العيش» في أبوتشت    اتحاد كتاب مصر ينعي الناقد المسرحي أحمد سخسوخ    توقيع اتفاقية تعاون لتنظيم قوافل بيطرية في كفر الشيخ    مرزوق الغانم: الكويت تنظر إلى مصر على أنها قلب العالم العربي    أستون فيلا ضد وست هام.. التعادل السلبى ينهى الشوط الأول    766 فصلًا جديدًا لتخفيض كثافة الطلاب بالفصول الدراسية بالإسكندرية    ما هي تقنية ال True View لمشاهدة الأهداف؟.. معلومات مدهشة لا تعرفها    وكيل الأزهر يستقبل وزير الشئون الإسلامية بموريتانيا    اليوم..هيثم شاكر في ضيافة "صاحبة السعادة"    فتاة تسخر من إخفاء كريم فهمى لوجه ابنتيه.. والفنان يرد عليها    بعد الإفتاء بعدم أحقية الزوجة في معرفة راتب زوجها.. كاتبة: الزوج بيحس أن زوجته هتسمسر عليه    انتخابات تونس| نافست الرجال بقوة.. عبير موسى «امرأة لم ترض بالبقاء على الهامش»    عميد علوم القاهرة يتفقد تجهيزات الكلية لاستقبال أوراق الطلاب الجدد    بالصور .. رفع 20 طن قمامة ومخلفات صلبة في حملة للنظافة بأخميم    محافظ جنوب سيناء يبحث مشروعات الخطة الاستثمارية واستعدادات ملتقى التسامح الديني بكاترين    المصرية سارة غنيم تؤدي قسم الحكام في بطولة العالم للجمباز    الليلة.. ياسر ريان ضيف برنامج "الماتش"    عن عمر يناهز49 عامًا.. وفاة النجم الأمريكي برايان ترك بسرطان المخ    "لمبة الخطيب" تكشف الغطاء عن "المقاول المهرج": "محور المشير معمول عشاني"    سعيد الماروق ينتهى من مونتاج فيلم الفلوس    مؤسسة هيكل للصحافة العربية تستعد للحفل الختامي لإعلان جوائزها 23 سبتمبر الجاري    خطط للتوسع فى البنية الأساسية وشبكة نقل المنتجات البترولية    محافظ بني سويف يتابع منظومة العمل ب 12 إدارة مركزية شرق النيل    لمواجهة التزييف ..«عمال الإسكندرية»: دورات في التربية الإعلامية    ملثمون يقتحمون ويسرقون منزل نجم برشلونة صامويل أومتيتي    الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث بقطاع الأمن :ضبط عصابة لبيع الاعضاء البشرية    أخبار الأهلي : أحمد حمودي ينضم الى صفوف بيراميدز رسميا فى صفقة انتقال حر    أردوغان: يمكن لنحو ثلاثة ملايين لاجئ سورى العودة إلى "منطقة آمنة" إذا تم توسيعها    الإفتاء توضح 6 فضائل ل صلاة التسابيح    كيفية صلاة الجنازة وحكم الصلاة على الميت بعد العصر    تعرفي على 4 مخاطر يسببها نقص فيتامين "د" في الجسم    تجديد حبس متهم في قضية "خلية الأمل" 15 يومًا    "الوطن حياة واستقرار".. واعظات الأوقاف يتحدثن عن دور المرأة في المجتمع    رسميا.. عبدالعزيز بن تركي رئيسا للاتحاد العربي لكرة القدم (الصور)    شاهد.. غواص يلتقط فيديو مذهل ومفصل لأناكوندا عملاق فى نهر بالبرازيل    تعرف على حالة الطقس غدا    ” الصحة” و” الإنتاج الحربي” و “الإتصالات” يناقشون ميكنة التأمين الصحي    الاستعانة بالله    لحظة أداء النائب العام ورئيس مجلس الدولة اليمين الدستورية أمام السيسي (فيديو)    ما حكم التوكيل في إخراج زكاة المال؟ الإفتاء تجيب    حملة أمنية مكبرة في مركزين بالمنيا    "أبو غزالة": الجامعة العربية تعمل على تعزيز جهود الحكومات لضمان حياة أفضل للمواطن العربي    "الشهاوي": تدريب "jcet" دليل على خبرة مصر في مكافحة الإرهاب    الوادي الجديد تستقبل قافلة طبية متكاملة مجانية    ياسر رزق: مُرحب بالصحفيين القطريين في جائزة دبي للصحافة    رئيس جامعة أسيوط يؤكد على أهمية مساهمة الشركات الوطنية في صناعة المستلزمات الطبية    غدا.. الصحة العالمية تحيي اليوم العالمي الأول لسلامة المرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كتاب المكي والمدني في التنزيل القرآني ( الجزء الأول )
نشر في شباب مصر يوم 31 - 01 - 2016


د. أحمد صبحي منصور
هذا كتاب قيم للدكتور أحمد صبحي منصور من علماء الأزهر سابقا يتكلم فيه عن الايات المكية أي التي نزلت علي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم بمكة والآيات المدنية أيضا والتي نزلت علي سيدنا النبي محمد صلي الله
عليه وسلم في المدينة المنورة بجانب شرح
كبير عن هذه الايات القرآنية العظيمة واسباب نزولها وظروفها واحداثها وتفسيرها قديما وحديثا وبطرق ميسرة ومعانيها
العظيمة والجميلة ...الخ وهذا كتاب الذي بين ايدينا هو كتاب ( المكي والمدني في التنزيل القرآني )
واليكم المقدمة والفصل الأول منه في هذا المقال وهو الآتي ما نصه :
يقول الدكتور أحمد صبحي منصور الآتي:
فصل تمهيدي أول : لمحة عامة عن المكي
والمدني فى التنزيل القرآني
( أولا : لماذا هناك ( مكي ) و( مدني ) في القرآن الكريم ثانيا : كيف نتعرف على المكي والمدني ثالثا : موضوعات التنزيل المكي ، والتنزيل المدني )
أولا : لماذا هناك ( مكي ) و( مدني ) فى القرآن الكريم :
1 التسليم بوجود مكي ومدني فى القرآن ليس لأنه مقولة متوارثة ، ولكنه أيضا بناء على تحليل مضمون للسياق القرآني نفسه .
2 على أنه من المهم التنبيه على حقيقة قرآنية فيما يخص المتوارث أو
( المتواتر ) أو ( التواتر )
او ( الثوابت )،وهى أنها ليست كلها باطلة وليست كلها صحيحة، بدليل الاحتكام بشأنها للقرآن الكريم لأنه الميزان الذي نتعرف به على الحق وسط أكوام الباطل ، لذا يرتبط وصف الكتاب بالحق والميزان، يقول جل وعلا:( اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) الشورى 17 ) . ومن مراجعة آيات القرآن الكريم فى هذا الشأن نجد التكرار على إتباع ما أنزل الله جل وعلا فى كتابه إذا تعارض هذا المتوارث معه كما فى موضوع الطعام : ( البقرة 168 : 173 ،) والنذر للأولياء :
( المائدة 103 : 104 ) وتقديس البشر والحجر خروجا عن ملة ابراهيم عليه :
( لقمان 21 : 23 ) وتقديس الملائكة :
( الزخرف 15 : 22 ) .
لقد توارث العرب وأهل الكتاب ملة ابراهيم فوقعوا فى تقديس البشر والحجر وحرّفوا ما فيها من عبادات ( صلاة وصيام وحج وزكاة مالية ). والتحريف ليس الالغاء التام ، ولكن خلط الباطل بالحق . لذا نزل القرآن الكريم يدعو الى إتباع مله ابراهيم حنيفا ، ( ليس ملة ابراهيم ) ولكن ( حنيفا ) بمعنى أنه كان إتباعا شكليا لملة ابراهيم مع تقديس البشر والحجر ، وكان إتباعا شكليا فى العبادات مع عبادة القبور والأوثان والأولياء ، بمثل ما يفعل المحمديون اليوم . هو تحريف هائل ينسف ملة ابراهيم ، فأنزل رب العزة القرآن الكريم بالتصحيح والاصلاح لما قاموا به من تحريف ، لذا أوجب جل وعلا الاحتكام الى كتابه العزيز فى هذا المتوارث ، ولنرفض ما يخالف القرآن الكريم لأنه الإتّباع هو لرب العزة جل وعلا فى كتابه الكريم .
أن الله جل وعلا قد ضمن حفظ القرآن الكريم الميزان الذى يجب أن نحتكم اليه فى أى متوارث وأى مستحدث يدخل فى إطار التدين، ولأن الشيطان لم ولن بقدم إستقالته ، ولأنه لا ييأس من إضلال بنى آدم فقد تلاعب بالمحمديين . عجزوا عن تحريف نصوص القرآن فإتخذوه مهجورا ، وتعاملوا معه بالنسخ بمعنى إلغاء إحكامه ، وبتأويل مفاهيمه وبإختراع وحى نسبوه للنبى عليه السلام ، وأقاموا بهذا أديانهم الأرضية من سنة وتشيع وتصوف . ثم ظهر أهل القرآن يحتكمون الى القرآن الكريم ويعيدون إستجلاء أنواره يدمرون بها خرافات التراث التى لم يكن يجرؤ أحد قبلنا على الاقتراب منها إلا بالتقديس . عملنا شجع الكثيرون على ( إنتقاد ) أساطير الأديان المحمدية والتراث وأئمتها وشيوخها ، وشجع كثيرين على قراءة القرآن الكريم بدون الرجوع الى التفاسير ، ولكن الشيطان الذى لا ييأس نجح فى إغواء بعضهم ، فمنهم من ينكر العبادات الاسلامية والصلاة خصوصا ، ومنهم من يبيح الزنا ، ومنهم من يقوم بإختلاق دين على مقاسه الشخصى بتأويل الآيات حسب هواه وبما يتمتع به من جهل بالقرآن الكريم ومفاهيمه ومنهج التدبر فيه .
وجميعهم يرفضون كل التراث جملة وتفصيلا ، لأنهم لا علم لهم به ، وهم ينسون أن القرآن الكريم لم ينزل فى فراغ ، ولم ينزل لإلغاء كل شىء وتقديم جديد فى كل شىء. القرآن الكريم لم يذكر الأشياء المعروفة حتى فى ما يدخل منها فى هوامش التشريعات . مثلا ذكر رب العزة أن عدة الشهور 12 شهرا ، ولم يذكر أسماء الشهور ، ذكر يومين فقط من أيام الأسبوع ( الجمعة والسبت ) ، اشار الى الشهر المعلومات والأيام المعدودات
( أى المعروفات ) وأمثلة كثيرة تؤكد أن القرآن نزل وسط ثقافة وهيكل معرفى وتراث من ملة ابراهيم يختلط فيه الحق والباطل ، لذا نزل ( ميزانا ) نحتكم اليه فى المتوارث ، فما يخالفه نرفضه لأن الإتباع هو لهذا الميزان فقط . وجميعهم ينسون أن من يتصدى للتبر القرآنى لا بد أن يتعمق فى فهم اللسان العربى واللسان القرآنى العربى الخاص بمثل تعمقه فى دراسة تاريخ ( المسلمين ) وتراثهم وأديانهم الأرضية وأسفارهم المقدسة ، وليس لكل من هبّ ودبّ أن يجادل فى كتاب الله جل وعلا بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير .
3 وبالاحتكام للميزان الالهى ، للقرآن الكريم فإن المقولة التراثية بوجود المكى والمدنى تتفق مع التدبر القرآنى . وهنا ننصح بقراءة ما كتبناه فى كتاب( ليلة القدرهى ليلة الاسراء ) المنشور هنا،وفى بحث عن (كيفية نزول وحي القرآن علي خاتم النبيين عليهم السلام ).
قلنا إن القرآن الكريم نزل مرة واحدة
( كتابا ) ( مكتوبا ) بمعانيه فى قلب الرسول عليه السلام فى ليلة القدر حين إلتقى جبريل عليه السلام ، ثم بعدها كان ينزل القرآن مقروءا على لسانه باللسان العربى مفرّقا حسب الأحداث . ورب العزة هو الذى أنزله كتابا ثم أنزله ( قرآنا ) مقروءا فيما بعد ، وهو الذى يعلم غيب المستقبل وما سيأتى فيه من أحداث ، وهو جل وعلا الذى أحاط بكل شىء علما ، وهو الذى يستوى عنده العلم بالغيب والعلم بالشهادة . وفى بحث آخر منشور هنا أيضا أثبتنا بالقرآن الكريم أن النبى محمدا عليه السلام هو الذى كتب القرآن بنفسه ومعه بعض أصحابه يُملون عليه ، وأن للقرآن الكريم نوعية خاصة فى الكتابة تختلف عن الكتابة العادية للسان العربى ، وأن هذه الكتابة القرآنية الخاصة التى كتبها الرسول بنفسه مرتبطة بما اصبح معروفا اليوم بالاعجاز الرقمى العددى للقرآن الكريم . وهو مجال جديد أصبح له فرسانه من أهل القرآن ، كالاستاذ مراد الخولى والاستاذ محمد صادق والاستاذ جلغوم . اكرمهم الله جل وعلا .
من هنا نفهم قوله جل وعلا:( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ )( القيامة 17 : 19 ). ذلك إن ( جمع القرآن ) بسوره وآياته هو عمل قام به الرسول فى حياته بوحى الاهى ، فالله جل وعلا هو الذى ضمن حفظ القرآن وهو الذى ضمن جمعه بسوره وآياته سواء ما نزل منها فى مكة أو المدينة ، ثم هو الذى ضمن بيانه وتوضيحه من داخله ، وهذا البيان ميسور لمن آمن بالقرآن وحده حديثا ، أى مجاله مفتوح للمؤمنين بالقرآن الكريم فقط ، يقول جل وعلا عن تفصيلات كتابه الكريم : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) الاعراف 52 ).
4 وأوجه الإعجاز القرآنى متشعبة ، ليس فقط فى فصاحته وأنه مٌيسّر للذكر والهداية وأنه فى نفس الوقت يعطى مجالا لانهائيا للتدبر والتعمق ، وليس فقط فى إعجازه فى إشاراته العلمية والاجتماعية والقصصية والتشريعية ، ولكن أيضا فى أنه لا تناقض ولا عوج فيه ، مع التكرار والتداخل فى الموضوعات التشريعية والقصصية ، ومع نزول آياته وسوره فى مكة والمدينة وما يعنى هذا من إختلاف الظروف . أى أن التنزيل القرآنى المكى منه والمدنى يحوى إعجازا فيما يتكرر فى موضوعاته .
ثانيا : كيف نتعرف على المكى والمدنى :
نعيد القول بأن تدبر القرآن له منهج عرضنا له كثيرا ، وأن الذى يقوم بتدبر القرآن لا بد أن يكون مؤهلا لهذا العلم ، مؤهلا بالهداية الايمانية وبالهداية العلمية معا . ولنا مقال سبق نشره هنا . ونعطى لمحة قرآنية :
1 القرآن الكريم هو ( علم الاهى )، وبهذا جاء وصف القرآن بالعلم فى مواضع كثيرة ، يقول جل وعلا عن المعاندين من أهل الكتاب ( وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) ( وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (145) البقرة ) (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61 ) آل عمران ) ( وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ (37) الرعد ). ( من بعد ما جاءه من العلم ) يعنى القرآن الكريم . وحين كان يتنزل القرآن مقروءا على لسانه ، وقد نزل من قبل كتابا مطبوعا فى قلبه ، فكان حين تتنزل الآية على لسانه يتذكرها فى قلبه فيسبق بها اللسان ، فقال له ربه جل وعلا :( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) طه ). هذه أمثلة لوصف القرآن الكريم بالعلم الالهى .
2 هذا القرآن ( العلم الالهى ) يستلزم هداية إيمانية ، بالايمان به وحده حديثا ، فمن يؤمن بحديث آخر معه لا يمكن أن يهتدى ولا يمكن أن يصلح للتدبر القرآنى ، بل يظل فى قلبه هوى ، ويستعمل ذكاءه ومهارته فى تحريف معانى القرآن الكريم ، وقد يتلاعب بالمتشابه والمحكم من الآيات ، هذا ، بينما يؤمن الراسخون فى العلم القرآنى بالكتاب كله ويتتبعون التدبر القرآنى ، بتجميع كل الآيات الخاصة بالموضوع وبحثها معا طلبا للمعرفة والهداية ، وقد يكون هناك مؤمن بالقرآن وحده ، لكن ليس مؤهلا للتدبر القرآنى ولا عيب فى هذا . هنا نتذكر أن الله جل وعلا جعل القرآن الكريم يجمع بين التعمق الذى يستلزم التدبر والمؤهلين له وبين التيسير فى الهداية لتكون فى متناول من يريد الهداية ، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) القمر ).
و الهداية العلمية ليست علما لدنيا الاهيا للبشر ، لأن العلم اللدنى يأتى للأنبياء فقط ،الهداية العلمية مُتاحة لكل من أرد واستعد لها بالايمان بالقرآن الكريم وحده حديثا وبالتبحر العلمى فى القرآن الكريم نفسه وموضوعاته القرآن الكريم متعددة؛ تاريخية وعلمية ووعظية . بهذا التبحر العلمى والهداية الايمانية ومعايشة القرآن يمكن التعرف على التنزيل المكى والمدنى فى القرآن الكريم .
3 ومن التدبر القرآنى معرفة التنزيل المكى والمدنى ، ليس فقط على مستوى السُّور بل الآية المدنية داخل السورة المكية . ففى بعض السور المكية توجد آية أو أكثر يؤدى التدبر فيها الى أنها نزلت فى المدينة ، وتم إلحاقها بسورتها المكية فى مرحلة ( جمع القرآن ) الأخيرة بما فيها ترتيب الآيات والسُّور ، والتى قام بها الرسول عليه السلام . وقلنا من قبل إن رب العزة هو الذى ضمن حفظ القرآن وهو الذى ضمن جمعه وقراءته أو ( قرآنه ):( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ )
( القيامة 17 : 19 ).
ونستشهد بسورة المزمل . وبدايتها تدل على أنها من أوائل التنزيل المكى ، يقول جل وعلا خطابا مباشرا للرسول بأنه سيُلقى عليه قولا ثقيلا:( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) المزمل 1 : 5 ). الآية الأخيرة فى السورة نزل فيها تخفيف فى قيام الليل وتلاوة القرآن لأن الحال إختلف بسبب فرضية القتال الدفاعى ، يقول جل وعلا موجها خطابا مباشرا للرسول عليه السلام نستدل منه أن قام بتطبيق الأمر الذى ورد فى أوائل السورة، هو وطائفة من المؤمنين معه ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) المزمل 20 ) هى الآية الوحيد المذكور فيها القتال فى سورة مكية ، وبها يستدل الباحث القرآنى على أنها آية مدنية فى سورة مكية .
4 لقد جاء التنزيل المدنى بمصطلحات جديدة وموضوعات جديدة وتشريعات جديدة لم تكن فى التنزيل المكى ، مثل
( المنافقون ) والقتال والأسرى والغنائم و( أزواج النبى / سورة الأحزاب ،
التحريم )
و ( اليهود ، والنصارى والمجوس ، والأحبار والرهبان والربانيون والقسيسون )
و المسجد الحرام والصد عنه : (7 مرات. البقرة ، المائدة ، الأنفال ، التوبة ، الحج ، الفتح ، ) الشهر الحرام والأشهر الحرم ( البقرة والمائدة ، التوبة ) . ونعطى عنها لمحة .
ثالثا : لمحة عن موضوعات ( التنزيل ) المكى ، والتنزيل ( المدنى )
1 نظرة عامة أُفُقية نرى تركيز التنزيل المكى على ( لا إله إلا الله ) و ( الأخلاق ) . بينما يتركز التنزيل المدنى على التشريعات ومواكبة معاصرة لمجريات الأمور فى دولة النبى الاسلامية فى المدينة .
2 التركيز فى التنزيل المكى على تصحيح العقيدة الايمانية والأخلاق يأتى تحقيقا لدور القرآن الكريم فى الأمر ب (إتّباع ) ملة ابراهيم ( حنيفا ) منزها من تقديس غير الله جل وعلا، وتكرر هذا فى التنزيل المكى : ( الانعام 79 ، 161 ( يونس 105)
( النحل 120 ، 123) والمدنى :
( البقرة 135 )(آل عمران 67 ، 95 )
( النساء 125 ) ، لكى يكون الدين لرب العزة خالصا والعبادة فيه خالصة لوجهه جل وعلا : ( الزمر 2 : 3 ، 11 ، 14 )، فقد كان العرب يؤدون الصلاة ولا يقيمون الصلاة ، وكانوا يحجون مع تقديس الأوثان وتحريف فى الحج وكانوا يصومون بلا تقوى وكانوا يقدمون الصدقة دون أن تتزكى اى تتطهر نفوسهم ، وكانوا ساقطين فى وحل الفواحش والمظالم يزعمون ان الله جل وعلا امرهم بها
( الاعراف 28 ). كان لا بد من إصلاح القلب بالتركيز على ( التقوى ) التقوى الايمانية : ( لا إله إلا الله ) والتقوى السلوكية بالحث على الخلاق السامية . وهذا رائع لأنه لا بد من البدء بتنقية القلب وإصلاح السلوكيات قبل الدخول فى التفصيلات التشريعية، وهو نفس المنهج فى التحول الديمقراطى الذى لا بد فيه من تعميق الثقافة الديمقراطية قبل تفعيل الديمقراطية، وإلا فإن الديمقراطية لا تنجح فى مجتمع تسوده ثقافة العبيد أو ثقافة القطيع . .
3 ونلاحظ هنا إن إصلاح العقيدة الإيمانية والسلوك الأخلاقي جاءت بهما معا الوصايا فى السور المكية ( الأنعام 151 : 153 )
( الرعد 19 : 25 ) (النحل 90 : 97 )
( الاسراء 22 : 39 )
( المؤمنون 1 : 11 )( الفرقان 63 : ) ( لقمان 12 : 19 ) .
نقول ( التركيز ) لأن السور المدنية جاء في بعضها تفصيلات أخلاقية إيمانية ( البقرة 261 : 274 ) ( النساء 36 : 38 )، كما أن تفصيلات التشريع في التنزيل المدني كانت تربطه بالتذكير وعظا بالتقوى ، وعلى سبيل المثال يقول جل وعلا في تفصيلة جُزئية عن معاملة الزوجة المُطلّقة : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة 231 ) (فإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا )
سورة الطلاق 2 )
4 وفى تركيز التنزيل المكي على ( لا إله إلا الله ) استعمل رب العزة أساليب مختلفة، منها :
4 / 1 : الحوار ، ونرى نماذج من هذا الحوار فى ( المؤمنون 84 : 91 ) (العنكبوت 61 : 63 )( لقمان 25 )
( الرعد 16 )( الزمر 38 : 41 )
( الزخرف 9 : 23، 87 : 89 )
( الروم 17 : 27 )
( سبأ 24 : 37 ).
4 / 2 : الحُجة والبرهان
( الإسراء 40 : 43 )
(سورةالمؤمنون 91 : 92 ) والتذكير بنعم الخالق جل وعلا : ( النحل 3 : 26 )
( لقمان 10 : 11 ) والنظر فى ملكوت السماوات والأرض والسير فى الأرض
(يونس 101 ) (يوسف 105 : 109 )
( العنكبوت 19 : 20 ) ( الروم 9 ، 42 )
( غافر 21 ، 82 ).
4 / 3 القصص القرآني : للأنبياء نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى وفرعون فى سور مكية كثيرة مثل ( الأعراف ، هود ، يونس ، إبراهيم ، الكهف ، طه ، المؤمنون ، الشعراء ، النمل ، القصص ، العنكبوت ، سبأ ، الصافات ، ص ، غافر ، الزخرف ، الدخان ، الاحقاف ،الذاريات ق ، القمر ، الحاقة ، نوح ، النبأ ، الفجر ، الشمس ). وقصص بعض الأمم السابقة ( الكهف ، يس ، سبأ ).
4 / 4 : الوعظ باليوم الآخر : ( اهوال الساعة ، والبعث والحشر والحساب والخلود فى الجنة أو النار ) ، واحيانا يتزاوج التذكير بإقتراب الساعة مع قصص الأنبياء السابقين كما فى سورة الأنبياء التى تبدا وتنتهى بالحديث عن اليوم الآخر وبين هذا وذاك يأتى قصص الأنبياء . ونحو ذلك تقريبا فى سورة ( المؤمنون ) هذا مع تركيز فى قصار السور المكية على قيام الساعة ومظاهر اليوم الآخر فى سور مثل ( الواقعة ، الرحمن ، المرسلات ، النبأ ، النازعات ، التكوير ، عبس ، المطففين ،الانشقاق ، الانفطار ، الفجر ، الغاشية ، الزلزلة ، القارعة ، التكاثر ، الهمزة )
5 ينقسم التاريخ الى تاريخ للماضى ، وتسجيل للتاريخ المعاصر . وفى التنزيل المكى تركيز على التاريخ الماضى من خلال قصص الأنبياء والأمم السابقة . ويختلف الوضع فى التنزيل المدنى ، حيث نرى قصصا معاصرا للنبى وتعاملاته مع كفار مكة حربيا ( معركة بدر فى سورتى الأنفال وآل عمران ) ( معركة أحد فى سورة آل عمران ) ( معركة الأحزاب فى سورة الأحزاب ) ( معركة حنين وذات العسرة فى سورة التوبة ) وبينما لم ترد أى إشارة الى المنافقين فى التنزيل المكى فإن التنزيل المدنى حفل بأخبارهم.
5 ولم يرد قصص الأنبياء بنفس التركيز والتفصيل والتكرار فى التنزيل المدنى ، بل تعرض لها فى سياقات مختلفة تتسق مع نوعية جديدة جاء بها الوضع فى المدينة . فالحوار مع أهل الكتاب تكرر فى التنزيل المدنى ، وفي تفصيلاته جاءت الاشارة الى ابراهيم عليه السلام وملة ابراهيم وأنبياء بنى إسرائيل خصوصا موسى عليهم جميعا السلام ، كما فى سور : ( البقرة 40 : 147 211) ( آل عمران 18 : 25 ،61 : 101 ، 110 : 115 ، 181 : 184 ، 186 : 188 ، 199) ( النساء 44 : 55 ، 153 : 163 ، 171 : 175 ) ( المائدة 12 : 26 ، 41 : 53 ، 57 : 86 ، 110 : 120 ) (التوبة29 : 35 ).أى خفُت الحوار مع كفار العرب فى التنزيل المدنى وحل محله الحوار مع أهل الكتاب .
6 ولم يأت فى التنزيل المدنى وصف القرآن الكريم بالحديث سوى مرة واحدة :
( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ) النساء 87 ). بينما تكرر فى التنزيل المكى وصف القرآن الكريم بالحديث فى سياقات مختلفة : فى التأكيد على كُفر من يؤمن بحديث آخر غير حديث القرآن ( الأعراف ، المرسلات ) وفى مواجهة إختراع كفار العرب أحاديث أسماها رب العزة ( لهو الحديث ) مع كراهيتهم لحديث رب العزة فى القرآن الكريم
( الجاثية 6 : 8 )( لقمان 6 ) وكفرهم بحديث القرآن ( الكهف 6 ) وعجبهم منه ومداهنتهم له وتكذيبهم به لأسباب إقتصادية ( الواقعة 81 : 82 ) ( النجم 59 ) وتهديد رب العزة من يكذب بحديث القرآن ( القلم 44 ) وتحديهم بأن يأتوا بحديث مثله
( الطور 34 )، ووصف القرآن الكريم بأنه ما كان حديثا يُفترى ( يوسف 111) وأنه أحسن الحديث. ( الزمر 23 ). هذا التركيز فى التنزيل المكى على ( الحديث القرآنى ) كان مواجهة لتكذيب للقرآن الكريم كله رفضا له ، وارتبط هذا بإفترائهم وحيا شيطانيا يضاهئون به القرآن الكريم ، أى إفتروا على الله جل وعلا وكذبوا بآياته ، وتكرر التركيز فى التنزيل المكى على أن هؤلاء هم الأظلم من بين البشر : ( الانعام 21 ، 93 ، 144 ، 157 )، ( الأعراف 37 )
( يونس 16 : 17 ) ( هود 18 ) ( الكهف 15 ، 57 ) ( العنكبوت 68 ) ( السجدة 22 )
( الزمر 32 ). ومن أسف أن الشيطان أعاد المحمديين الى ما كان عليه كُفار العرب وقت التنزيل المكّى .
7 وجاءت التشريعات الاسلامية فى التنزيل المكى فى صورة عامة دون تفصيلات ، وجاءت أحيانا بين الوصايا الأخلاقية والايمانية ، ثم كان التفصيل فى التنزيل المدنى .
وللحديث بقية فيتبع
قدمه للنشر/ عبد العزيز عزو كاتنب وباحث
------------
بقلم الدكتور/ أحمد صبحي منصور
من علماء الأزهر سابقا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.