رئيس القومي لحقوق الإنسان يستقبل سفير استراليا بالقاهرة    البيئة: ورشة عمل لموجهي التربية الفنية والبيئية استعدادًا لإطلاق مباردة «الفصل من المنبع» بالمدارس    نتنياهو «مندهش ومحبط» من رفض جانتس عرض تشكيل حكومة وحدة    ضبط 5 قضايا تهريب بقيمة 70 مليون جنيه خلال 24 ساعة    «توشكى» للفنون تخطف الأنظار في افتتاح بينالي لواندا الأول لثقافة السلام بأنجولا    «المعادي العسكري» يستضيف خبراء في علاج العمود الفقري وأورام قاعدة الجمجمة    رئيس جامعة القاهرة: استمرار العمل بمشروعات تطوير مستشفى «أبو الريش الياباني»    بنك راند ميرشانت يختار مصر «أفضل» دولة للاستثمار في إفريقيا لعام 2020    ضبط 1049 قضية تموينية فى حملات مكبرة خلال 24 ساعة    وزيرة التضامن: نتطلع إلى إنشاء مركز علاجي جديد لمرض الإدمان في مصر.. (فيديو)    10 كليات بجامعة مطروح تنهى استعداداتها لاستقبال العام الدراسي الجديد    تونا الجبل أحدث الاكتشافات الأثرية.. محاضرة بمكتبة الإسكندرية    سفارة العراق في القاهرة: تسهيلات جديدة للعراقيين القادمين إلى مصر    بنك الاعمال لجنوب افريقيا: تونس ضمن الدول الافريقية العشر الأول الجاذبة للإستثمار    سحب قرعة الفائزين في مسابقة سفراء الأزهر    النائب العام الجديد يتسلم مهام منصبه في دار القضاء العالي    مؤسسة سعود بن صقر تدعو جهاز تنمية المشروعات للمشاركة في معرض رأس الخيمة    «ألف ليلة وليلة» تهدد عرش رئيس وزراء كندا    القاهرة 33.. «الأرصاد» تكشف تفاصيل طقس الجمعة    "الداخلية" تحبط تهريب 4 ملايين لعبة نارية محظور تداولها    «نباشين القمامة» يذبحون مسجل خطر ويلقون بجثته على شريط السكة الحديد بالمنتزة    الإمارات تقدم مساعدات طارئة لناجين من مجزرة ارتكبها الحوثيون جنوب الحديدة باليمن    مصر وإيطاليا توقعان اتفاقية إنشاء 10 صوامع رأسية بقيمة 360 مليون جنيه    نيللي كريم بصورة أبيض وأسود.. شاهد    وزير الرياضة يلتقى البطلة المصرية هانيا مورو    عاجل.. تقديم مباراة السوبر بين الأهلي والزمالك    عاجل| الصحة تحذر: هذه الأدوية مسرطنة ومحظور تداولها    تعرف على إجراءات الغلق الجزئي لأنفاق «الميرغنى والعروبة والثورة»    غرق موظف في مياه بحر أبو طبل بمنيا القمح بالشرقية    بالصور- وكيل "تعليم جنوب سيناء" يتفقد مدرسة بدر الابتدائية    مسؤولون: مقتل 30 مدنيا في ضربة جوية بشرق أفغانستان    الكويت: استوردنا تقنية قادرة على ملاحقة طائرات "الدرون"    ياريتك تعرفي تمثلي.. درة ترد على متابعة هاجمتها    فى الذكرى الأولى على رحيله.. اللحظات الأخيرة فى حياة جميل راتب    صلاة الحاجة.. تعرف على حكمها وكيفيتها من "البحوث الإسلامية"    فنلندا: يجب على بريطانيا تقديم مقترحات جديدة للبريكست بحلول نهاية سبتمبر    بشكتاش النني يواجه سلوفان براتيسلافا السلوفيني بالدوري الأوروبي    مرتضى منصور: "الخطيب كي جي وان ونفسه يكون زيي"    «الصحة» تستعد لتطعيم 11 مليون طالب خلال العام الدراسي الجديد    رئيس الوزراء يرأس اجتماع المحافظين ببورسعيد اليوم.. وجولة بعدد من المشروعات    أسوان يقرر عدم إذاعة مباريات الفريق في الموسم الجديد للدوري    فيلم «أد أسترا» يفتتح مهرجان الجونة السينمائي في مصر    ب مجموعة فاخرة من الألماس.. هنا شيحة تتألق فى أحدث إطلالاتها    وزير الأوقاف نائبًا عن رئيس الوزراء في مؤتمر سانت كاترين    رحلت عن الزمالك بطريقة لا تليق.. بشير التابعى: حازم إمام سلبى دائما ..فيديو    الأوقاف: الدعاء لمصر وأهلها بالخير من واجبات الوقت    الفقي: لدينا أوراق للضغط على إثيوبيا في هذه الحالة    تباين مؤشرات البورصة المصرية في مستهل تعاملات جلسة اليوم الخميس    وزير الخارجية يغادر إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة    الصحة تقدم الخدمة العلاجية بالمجان ل80 ألف مواطناً خلال أسبوعين    “العصار” يبحث سبل تعزيز التعاون المشترك مع المجر    السويدي: تنسيق تام بين اتحاد الصناعات والجهاز التنفيذي للدولة لخدمة المستثمرين    ترامب يبدي عدم سروره بتخفيض سعر الفائدة ويتهم المركزي بالفشل    برلمانية: القوات المسلحة الحاجز الوحيد أمام تنظيم الإخوان الإرهابي    داعية: سيدنا يوسف أول يهودي نزل مصر    عميد الدراسات الإسلامية للبنات بكفر الشيخ: لا نسمح للطالبات بدخول الكلية ب البنطلون.. جحود الأوطان أشد حرمة من عقوق الوالدين.. والأزهر الشريف محور الارتكاز في محاربة الفكر المتطرف    مستشهدًا بحديث نبوي.. مستشار المفتي: الموتى يشعرون بأفراحنا وأحزاننا    نشرة الحوادث: مقتل 9 عناصر إرهابية في تبادل إطلاق النار مع الشرطة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كتاب المكي والمدني في التنزيل القرآني ( الجزء الثالث )
نشر في شباب مصر يوم 08 - 02 - 2016


د. أحمد صبحي منصور
وما زال الحديث موصول حول كتاب ( المكي والمدني في التنزيل القرآني ) للدكتور أحمد صبحي منصور ونقول ما نصه الأتي :
2 وتأتى فى سورة الممتحنة مبكرا قواعد الموالاة مع القوم المخالفين فى الدين ، فلا بد من التعامل بالبر والمودة والعدل والقسط مع المخالفين للمؤمنين فى العقيدة والدين طالما لم يعتدوا على المؤمنين ولم يقاتلوهم بسبب اختيارهم الدينى ولم يقوموا باخراجهم من بيوتهم وأوطانهم. هذا لأن الله تعالى يحب المقسطين القائمين على تحقيق العدل . أما هؤلاء الكافرون المعتدون فيجب عدم موالاتهم .. ويلاحظ هنا أن الله تعالى أتى بوصف الاسلام الظاهرى بمعنى عدم الاعتداء، فكل من لم يقم بالاعتداء عليك فهو مؤمن مسلم ، وعليك أن تعامله بالبر والقسط والعدل. يسرى ذلك على الأفراد كما يسرى على الدول.أما الذين اعتدوا على المؤمنين بالقتال بسبب خيارهم الدينى ، وأخرجوهم من ديارهم أو ساعدوا الظالمين فى طرد المؤمنين من ديارهم فانهم الكافرون الذين ينهى الله تعالى عن التحالف معهم وينهى عن موالاتهم. ومن يتحالف معهم وينصرهم ويؤيدهم فى عدوانهم الظالم على المؤمنين فهو شريك لهم فى الظلم.
3 بعدها انتقلت الآيات الكريمة لتضع تشريعات اجتماعية فى مشاكل الزواج والطلاق التى حدثت بعد الهجرة من مكة الى المدينة وما حدث من انقطاع تام بين أهل المدينة وأهل مكة، وترتب على هذه القطيعة تفكك بعض الأسر بين زوج كافر استمر فى مكة وزوجة مؤمنة تركت زوجها لتلحق بجماعة المؤمنين ، أو العكس ؛ زوجة تمسكت بدين أهلها المتوارث وظلت فى مكة رافضة أن تتبع زوجها الذى أسلم وهاجر. ثم هناك مشكلة أخرى ، فقد تأتى احداهن تزعم الايمان وهى فى حقيقة الأمر أتت لتتجسس على المؤمنين وتساعد المشركين فى اعتداء يعدون له ، حيث عزموا على ملاحقة المؤمنين الفارين بالقتال فى موطنهم الجديد الذى لجأوا اليه. وبالتالى لا بد أن يرسلوا جواسيس للتمهيد للعدوان. والنساء أفضل من يقوم بهذه المهمة. ومن السهل أن تأتى نساء كثيرات كل منهن تزعم الايمان ، ولا يعلم حقيقة ما فى القلب الا الله تعالى. لذا نزلت الآيات مقدما تطرح الموضوع وتضع له التشريع المناسب فى الآيات 10 ، 11 ، 12.هذه الآيات تخاطب المؤمنين أنه إذا جاءتهم إمرأة مهاجرة فعليهم امتحانها ،أى سؤالها عن سبب مجيئها واختبار حالها حتى لا تكون عينا للعدو، وحتى يتأكدوا حسب الظاهر من حالها ، أما حقيقة ما فى القلب فمرجعه الى الله. وإذا عرفوا صدقها فلا يجوز ارجاعها الى الكفار الذين هربت منهم. إذ لا يحل لها أن تتزوج من كافر ولا يصح لكافر أن يتزوجها. وبالهجرة تحدد من اختار الايمان ومن اختار الكفر. واذا كانت المرأة المهاجرة زوجة تركت زوجها الكافر ولجأت للمؤمنين فعلى المؤمنين دفع المهر الذى دفعه من قبل الزوج الكافر تعويضا له ، ويمكن لها أن تتزوج مؤمنا فى موطنها الجديد ، وعليه أن يدفع لها مهرها. وبالعكس ، إذا اختارت الزوجة الكفر والبقاء فى مكة رافضة أن تصحب زوجها الى المدينة فعلى زوجها المؤمن فى المدينة أن يطلقها تماما ويفارقها حتى تتزوج من كافر مثلها مقيم فى نفس الموطن، وعلي الكفاردفع المهر الذى دفعه المؤمن من قبل. وبعد استجواب المرأة المهاجرة واختبارها والتأكد من صدقها عليها أن تقوم بمبايعة النبى على الايمان والتمسك بالاخلاق الحميدة والطاعة فى المعروف. وتختتم السورة بآية اخيرة تؤكد على المؤمنين ألا يناصروا أو يتحالفوا أو يوالوا قوما قد غضب الله عليهم ، وقد كفروا باليوم الآخر ، ويئسوا منه بالضبط كما سييأس الكفار يوم القيامة من الأولياء المقبورين الذين يطلبون فى الدنيا شفاعتهم ثم يفاجأون يوم القيامة بأنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا.
4 تدبر سورة الممتحنة يؤكد أنها من أوائل ما نزل فى المدينة حيث معاناة المهاجرين من الغربة ، وإستمرار الهجرة المتقطعة للافراد ومنهم أزواج وزوجات ونزول التشريع المناسب لحل هذا الانفصال بين الأزواج بين مكة والمدينة ، والحذر من مجىء جواسيس من النساء ، وبيعة النساء فى الدخول للدولة الجديدة ، وقواعد الموالاة التى لم تتضمن إشارة للقتال ، لأن السورة نزلت قبل نزول تشريع ( الإذن بالقتال ) الذى جاء لاحقا فى سورة ( الحج ) ، ثم توالت بعدها تشريعات القتال التفصيلية مرتبطة بعلاقات معقدة بحروب عسكرية وحروب فكرية مع المشركين المعتدين واليهود والمنافقين ، وجاء هذا فى سور ( الأنفال والبقرة والنساء وآل عمران والأحزاب والصّف والحشر والمجادلة والحديد والمنافقون والجمعة والفتح والحجرات ومحمد والبينة) ، الى سور ( المائدة والتوبة وسورة النصر )، وهن من أواخر ما نزل من القرآن الكريم .
مواكبة التنزيل القرآنى فى العلاقات بين المؤمنين والكافرين
1 نبدأ بتحديد ماهية ( الذين آمنوا ) هنا . والواضح أن التنزيل القرآنى يتعامل معهم بما هو كائن وموجود وعلى أساس الاصلاح .
وقد كررنا كثيرا الى حدّ الملل أن الاسلام ظاهريا وسلوكيا هو السلام ، وأن المسلم هو المسالم ، وأن لنا المرجعية فى الحكم على هذا السلوك الظاهرى ، وأن التشريعات الاسلامية تعطى السُّلطة الاسلامية التعامل على هذا السلوك الظاهرى على أساس العدل والسلام وحرية الدين . وأن الاسلام القلبى المقبول عند الله جل وعلا هو الاستسلام والانقياد طاعة له ، وهذا مرجعه لرب العزة ليحكم فيه وحده يوم القيامة . وأن الايمان القلبى هو الايمان بالله جل وعلا وملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بين الرسل ، ومرجع هذا الايمان لرب العزة يحكم فيه يوم القيامة .
أما الايمان السلوكى الذى للبشر الحكم عليه فهو الايمان من ( الأمن ) ، أى من يؤثر الأمن والأمان ويكون مأمونا يأمن الناس اليه ويقون به لأنه لا يعتدى على أحد . وبالتالى فالايمان والاسلام يتفقان فى المعنى السلوكى والقلبى . وبالتالى فإن الشرك والكفر هما معا النقيض ، أى سلوكيا ( الاعتداء والإكراه فى الدين ) وقلبيا ( تقديس المخلوقات من بشر وحجر ) . ولنا الحكم على الكفر والشرك من حيث السلوك القولى والفعلى ، لذا يترادف وصف المشركين الكافرين بالظلم والفسق والاعتداء والاجرام . اما من حيث الاعتقاد القلبى فمرجعه لرب العزة يوم الدين . إنطلاقا من هذا فإن الخطاب القرآنى للمؤمنين كان على حسب واقعهم السلوكى لاصلاحهم .
2 وفى التنزيل المكى كان واضحا أن النبى محمدا عليه السلام فى تقربه للملأ المستكبر من قريش كان يتحرج من إلتفاف المؤمنين الفقراء المستضعفين حوله ، ووصل الأمر الى أنه كان يطردهم فعوتب فى ذلك
(سورة عبس 1 ، سورةالكهف 28 ،
سورة الانعام 52 ). وبالتالى نفهم أن معظم المؤمنين فى مكة كانوا مؤمنين ظاهريا وسلوكيا ممّن كان وضعهم الاجتماعى والإقتصادى يجعلهم يدخلون فى الاسلام الداعى للحرية والعدل والرحمة خلافا للدين القُرشى العملى القائم على الظلم والسيطرة ، كانوا مستضعفين فى الأرض يريدون التحرر من تلك القرية الظالم أهلها ، لذا جاء فى بعض مسوغات التشريع للقتال الدفاعى فى الاسلام إنقاذ هؤلاء الضحايا المستضعفين فى الأرض ( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ) النساء 75 ). هذا هو المفهوم فى تحديد المؤمنين فى التنزيل المكى ( سلوكيا )
3 هذا التحديد للمؤمنين ( حسب السلوك الظاهرى من الأمن وألمان وليس الايمان القلبى بدين الاسلام ) هو الذى نفهم من خلاله نوعى الخطاب الالهى لهم فى التنزيل المدنى ، فى إصلاحهم ، وفى علاقتهم بسادتهم السابقين من الملأ القرشى .
4 الخطاب الاصلاحى لهم فى التنزيل المدنى كان يدعوهم الى الايمان القلبى إضافة الى إيمانهم السلوكى المُسالم، يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء 136 ): قوله جل وعلا لهم :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أى آمنوا سلوكيا بإيثار الأمن والأمان والسلام ،( آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ ) أى عليهم أن يؤمنوا قلبيا بالله جل وعلا ورسوله وكتبه . أى كان معهم الايمان السلوكى دون الايمان بدين الاسلام فى ( لا إله إلا الله ) ، أى كانوا مشركين فى عقيدتهم بما إستلزم إصلاحهم قلبيا ليجمعوا الايمان القلبى مع إيمانهم السلوكى ، وكما يفوزون بالأمن فى الدنيا فى الدولة الاسلامية التى تضمن الحرية المطلقة فى العقيدة يفوزون أيضا بالجنة فى الآخرة أو بالأمن والسلام فى الآخرة ،وحيث يقال لهم على أعتاب الجنة (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ) الحجر 46 ).
ونفس المعنى يأمر رب العزة الذين آمنوا
( سلوكيا ) بالتقوى القلبية ليستحقوا الرحمة والغفران يوم الدين ، يقول جل وعلا لهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) الحديد 28 )، ونفس المعنى فى أمرهم بالتوبة القلبية الصادقة ليكفر رب العزة جل وعلا عنهم سيئاتهم ويدخلهم مع النبى عليه السلام فى الجنة ، يقول جل وعلا : (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) التحريم 8 ).
ولم ينفع هذا الخطاب الاصلاحى معهم فظلوا فى المدينة يعكفون على أوثانهم متمتعين بالحرية المُطلقة فى الدين لكل إنسان مُسالم ( مسلم سلوكيا ) مأمون الجانب
( مُؤمن سلوكيا ) . فى التنزيل المدنى أمرهم رب العزة بإجتناب الأوثان وإجتناب قول الزور عن خرافاتها ، قال لهم جل وعلا فى خطاب مباشر : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) الحج 30 ). لم يجتنبوا الأوثان ولم يجتنبوا قول الزور ، فكان من أواخر ما نزل فى المدينة قوله جل وعلا للذين ( آمنوا ) سلوكيا فقط : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.) هنا أمر للذين ( آمنوا ) بإجتناب الخمر واليسر والأنصاب أى القبور المقدسة والأزلام أى مزاعم الزور فى علم الغيب للالهة المصنوعة ، لعلهم يفلحون فى الآخرة ، وفى الآية التالية يقول جل وعلا لهم بنفس الخطاب المباشر : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ. ) ، أى أن الشيطان هو الصانع لهذه الأباطيل ليوقع بينهم العداوة والبغضاء وليصدهم عن ذكر الله جل وعن الصلاة، أى كانوا يشربون الخمر ويعكفون على الأنصاب ولا يذكرون الله جل وعلا ولا يؤدون الصلاة. ويأتى الخطاب الالهى لهم بتساؤل شديد الدلالة :
(فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) .!!. ثم يأتيهم فى الآية التالية تحذير إن لم يطيعوا الله جل وعلا ورسوله ، وإن لم ينتهوا فليس على الرسول سوى البلاغ وليتحملوا هم عاقبة أمرهم يوم القيامة ، يقول لهم جل وعلا :
( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) المائدة ).
5 وفى علاقتهم بسادتهم السابقين من الملأ القرشى وعلاقتهم بالنبى عليه السلام تنوع الخطاب الاصلاحى للمؤمنين المهاجرين على النحو التالى :
5 / 1 : غلب عليهم حنينهم الى مكة موطنهم السابق ، وموالاتهم لسادتهم الملأ القرشى وأهاليهم الكافرين المعتدين الظالمين برغم ما نالهم من إضطهاد . وهذا كان مألوفا فى الثقافة العربية التى كان يسودها الانتماء للقبيلة والأهل والعشيرة . وفى الموازنة بين الانتماء الى الاسلام وما يعنيه من قيم عليا وتقوى لرب العزة جل وعلا والانتماء للقبيلة تغلب الانتماء للقبيلة لدى الذين ( أمنوا ) من المهاجرين . وهذا واضح فى التنزيل المدنى . وقد سبق التعرض لسورة الممتحنة فى التأنيب الالهى للذين ( أمنوا ) الذين كانوا يُسرُّن المودة للكافرين المعتدين الذين أخرجوا النبى والمؤمنين . ولقد إستمر هذا التأنيب لهم فى التنزيل المدنى فى قوله جل وعلا لهم تهديدا لهم : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة 22 )، أى فهم آمنوا سلوكيا ولكنهم فى موادتهم للكافرين من أقاربهم لا يمكن أن يكونوا مؤمنين قلبيا برب العزة واليوم الآخر . والموالاة لا تقتصر على المودة القلبية بل الانحياز قلبيا الى عدو فى حالة الحرب .
ولقد إستمر هذا التأنيب للذين آمنوا من المهاجرين بسبب موالاتهم الكفار المعتدين الى سورة التوبة وهى من أواخر ما نزل من القرآن الكريم . يقول جل وعلا لهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) التوبة 23 )، وفى الآية التالية نعرف أسبابا جديدة غير التعصٌّب القبلى لقريش ، وهو عوامل إقتصادية ودنيوية من تجارة مع الكفار ومساكن للذين آمنوا فى مكة ، وبسببها توارى حُبُّهم لله جل وعلا ورسوله والجهاد فى سبيله .يقول جل وعلا يحذرهم : ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )
سورةالتوبة 24 ).
5 / 2 : إنعكس هذا فى تكاسلهم عن القتال الدفاعى لأنه قتال ضد ( الأهل والعشيرة ) الذين يُسرٌّون اليهم بالمودة ويوالونهم . كانت قريش قد دأبت على الهجوم على المدينة وقت أن كان القتال الدفاعى ممنوعا والأمر بكفّ اليد سائدا ، فلما نزل الإذن بالقتال الدفاعى للمؤمنين الذين
( يُقاتلون ) اى يقع عليهم القتال ( الحج 38 : 41 ) ضجّ بعض الذين آمنوا إحتجاجا يطلبون التأجيل ، وردّ عليهم رب العزة فقال : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) النساء 77 ). ومع هذا ظلوا يكرهون فرض القتال الدفاعى ع أنه خير لهم ، لأنه بدونه سيستأصلهم الكافرون المعتدون ، يقول جل وعلا لهم يعظهم فى رفق : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة 216 ).
وكانت موقعة ( بدر ) إختبارا حقيقيا لهم أسماها رب العزة ( يوم الفرقان يوم التقى الجمعان )( الأنفال 41 ) . الاختبار ليس فقط فى أن المؤمنين خرجوا ليأخذوا حقهم من القافلة ، حيث صادر الملأ القرشى أموال المهاجرين وبيوتهم وإسهاماتهم فى القوافل التجارية ، وليس فقط فى أنه تحتم عليهم أن يواجهوا جيشا يفوق عددهم ، ولكن السبب الأكبر أنه يواجهون قريش بكل ما تعنيه قريش من سطوة . لذا حين تحتمت عليه المواجهة الحربية كرهوها وأخذوا يجادلون النبى فى الحق الذى تبين ،كأنما يُساقون الى الموت وهم ينظرون ، وإستلزم الأمر تثبيتهم بالملائكة لينتصروا ، ولترتفع
( روحهم المعنوية ) بتعبير عصرنا
( الأنفال 5 : 12 ) .
ولازمهم هذا التثاقل عن القتال الدفاعى الى آواخر التنزيل المدنى فى سورة التوبة يقول جل وعلا للذين ( آمنوا ) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) التوبة 38 ) لاحظ هنا ( الثقل ) فى التعبير القرآنى المُعجز فى تعبيره ودلالته : (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ )، ولاحظ التأنيب القاسى : (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ )، ثم يقول جل وعلا لهم مهددا بعذاب أليم وأن يستبدلهم بقوم آخرين : (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) التوبة 39 ) .
5 / 3 : أى وصل التهديد الى ( إستبدالهم بقوم آخرين ) ، وهذا يعنى إهلاكهم. وقد تكرر هذا التهديد للذين ( آمنوا ) فى سورة ( المائدة ) فى موضوع موالاة أولئك الذين آمنوا سلوكيا وليس قلبيا للكفار، حين وصل الأمر الى إحتمال ردتهم عن الاسلام سلوكيا ، فقال جل وعلا يهددهم :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) المائدة 54 ) ولأنه فى موضوع الموالاة للكافرين المعتدين قال جل وعلا ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) المائدة : 55 :56 ) . ونفهم هنا أن الاختيار هو بين حزب الله جل وعلا أوحزب الشيطان كما جاء من قبل فى سورة ( المجادلة 22 ) وأن هذا التهديد الذى جاء لاحقا فى سورة المائدة كان تحذيرا من تحول الموالاة القلبية الى موالاة بالسلاح للكافرين المعتدين ، أى أن يفقد ( الذين آمنوا ) بمعنى المُسالمة والأمن صفة المسالمة والأمن فيصبحوا كافرين بالسلوك العدوانى .
5 / 4 : ومن الطبيعى أن يبخل أولئك
( الذين آمنوا ) عن الانفاق الحربى فى سبيل الله جل وعلا . وهذا البُخل عن الانفاق فى سبيل يعنى التهلكة ، لذا قال جل وعلا بعد تشريع القتال الدفاعى يأمر بالاتفاق فى سبيل الله : (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) البقرة 195 ) ، وتالت الأوامر بالانفاق فى سبيل الله ( المنافقون 9 : 11 ) ( النساء 37 )، ثم نزل التحذير بأن يستبدل الله جل وعلا قوما غيرهم لاستمرار بخلهم ، يقول جل وعلا محذرا : ( هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)
سورة محمد 38 ).
6 وهذا التهديد بالاهلاك ( الجزئى ) حدث فى عصر الخلفاء الراشدين ، بالفتوحات والفتنة الكبرى. وهنا نضع بعض الملاحظات :
6 / 1 : ( الذين آمنوا ) من المهاجرين لم يكونوا كلهم من المستضعفين ، كان منهم بعض المنتمين للملأ ، ومنهم من ( مرد على النفاق ) وحافظ على موقع الصدارة ، وعلى العكس كان منهم السابقون إيمانا وعملا
( التوبة 100 : 101 ) وهذا ضمن التقسيم الأخير لأهل المدينة قبيل موت النبى عليه السلام .
6 / 2 : ولكن الأغلبية من قوم النبى
( قريش ) كذبوا بالحق القرآنى ، يقول جل وعلا فى التنزيل المكى يحذرهم مقدما بالعذاب الدنيوى وبتقسيمهم الى شيع متقاتلة يذيق بعضهم باس بعض : (قل هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ )الأنعام 65 )، والسبب هو تكذيبهم للقرآن الكريم ، يقول جل وعلا فى الآية التالية : ( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ) الانعام 66) ، ويؤكد أن هذا سيحدث وسوف يعلمونه فى أوانه : ( لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) الانعام 67 ) . وفعلا فإن الملأ القرشى هو الذى قام بالفتوحات منتهكا شريعة الاسلام ومنتهكا الأشهر الحرم ومُكذّبا للقرآن الكريم ، ثم بعدها وقعوا فى الفتنة الكبرى بسبب التنازع على غنائم وثروات الأمم المفتوحة .
وللكتاب بقية .... فيتبع .
---------
بقلم الدكتور/ أحمد صبحي منصور
من علماء الأزهر سابقا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.