الحزب الوطني يكتسح انتخابات بنجلاديش و"الجماعة الإسلامية" تقر بخسارتها    أسعار الدواجن تقتل ميزانية الغلابة اليوم الجمعة 13-2-2026 في بني سويف    حين يصبح الذهب خصم المواطن بني سويف تحت رحمة أسعار لا ترحم اليوم الجمعة 13-2-2026    القومي لعلوم البحار بالإسكندرية: التحول إلى المصايد الرقمية مدخل حاسم لسد فجوة 400 ألف طن سنويًا    ترامب ينتقد الرئيس الإسرائيلي لعدم منح نتنياهو عفوًا ويصف موقفه بالمخزي    تدريبات الأهلي تحسم موقف إمام عاشور من مباراة الجيش الملكي    توقف حركة القطارات بخط القاهرة الإسكندرية بعد خروج عربة قطار عن القضبان    خروج عربة عن القضبان يوقف حركة قطارات «القاهرة – الإسكندرية» مؤقتًا    استشاري أسري: استمرار الزواج لأجل الأطفال لا يعني قبول الخيانة    الفاسد، احتمال عزل بن غفير والمحكمة العليا الإسرائيلية تستعد لجلسة تاريخية    قروض بضغطة زر.. فخ إلكتروني يبتلع آلاف الضحايا    هالاند يحكم قبضته، ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد الجولة ال 26    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    وزير الاتصالات الأسبق: استمرار «د. مدبولي» ضمانة للاستقرار وسط تغييرات وزارية واسعة    اليوم، توقف خدمات شحن عدادات المياه مسبقة الدفع    إصابة 3 أشخاص في انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي الساحلي    وزير الطاقة الأمريكي: مبيعات نفط فنزويلا ستدر 5 مليارات دولار خلال الأشهر المقبلة    الرقم صادم.. هذا هو أجر يارا السكري في برنامج رامز ليفل الوحش    أرتيتا: ملعب برينتفورد صعب للغاية.. ونحتاج إلى بعض الحظ    رايا: تقلص الفارق ل4 نقاط؟ مازلنا في وضع ممتاز    أتلتيكو ضد برشلونة.. 5 أرقام سلبية للبارسا بعد سقوطه في كأس الملك    من "كمل يا كامل" إلى حقيبة واحدة على كفّ عفريت.. مراقبون: السيسي جزء من تراجع نفوذ كامل الوزير    تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار    تجديد حبس المتهمة بخطف رضيع منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية 15 يوما    صراع الدم والميراث في المطرية.. الأمن يضبط عامل وشقيقه بعد فيديو خناقة الشوم    مدبولي: كل التقارير الدولية والمؤشرات تؤكد تحسن الاقتصاد.. وهدفنا توفير الخدمات الأساسية لنيل رضا المواطن    "انتكاسة للعدالة" ..محكمة ألمانية ترفض دعوى لمنع بيع "إسرائيل" السلاح    في حفل عيد الحب، وائل جسار: الجمهور المصري له مكانة خاصة بقلبي    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور    لبنان.. شهيد جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة جنوب البلاد    مصر تعرب عن تعازيها وتضامنها مع كندا إثر حادث إطلاق النار بمدرسة في مقاطعة بريتش كولومبيا بكندا    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. فرنسا تعلن تفكيك شبكة احتيال داخل متحف اللوفر.. الكرملين يعلن تقييد واتساب.. غزة: أكثر من 3 آلاف مفقود و8 آلاف جثمان تحت الأنقاض.. وترامب: محاكمة نتنياهو مخزية    التحقيق في سقوط فتاة من القطار أمام محطة معصرة ملوي بالمنيا    حبس المتهمة بخطف طفل في الإسكندرية 15 يوما على ذمة التحقيقات    زيلينسكى: الانتخابات خلال الحرب فكرة روسية ولن نقبل سلاما بلا ضمانات    أرسنال يتعادل مع برينتفورد ويشعل صدارة الدوري الإنجليزي    برشلونة يسقط بفضيحة أمام أتلتيكو مدريد في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    استعدادًا لشهر رمضان المبارك.. الأوقاف تفتتح (117) مسجدًا غدًا الجمعة    تموين الإسكندرية: مركز خدمات حي شرق يحصد المركز الأول في جائزة التميز الحكومي    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    قصائد ورومانسية.. وائل جسار يشعل حفل عيد الحب في دار الأوبرا | صور    المهندس عبدالصادق الشوربجى...رؤية وطنية وراء ميلاد جامعة «نيو إيجيبت»    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    كيف نستعد لاستقبال شهر رمضان استعدادًا صحيحًا؟.. أمين الفتوى يجيب    الورداني: الشعور بعدم عدالة الميراث سببه غياب فهم المعنى لا خلل النصوص    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    رئيسة القومي للمرأة: تمكين المرأة ركيزة للتنمية الشاملة وليست ملفًا اجتماعيًا    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    رئيس جامعة قناة السويس يشارك في استقبال محافظ الإسماعيلية للقنصل العام لجمهورية الصين الشعبية لبحث سبل التعاون المشترك    الأرصاد تحذر: طقس غير مستقر ورياح مثيرة للرمال وأمطار متفرقة غدا الجمعة    رئيس جامعة دمياط يشهد ندوة حول الاتجاهات الحديثة في البحوث الكيفية والكمية بالعلوم الاجتماعية    وزير الخارجية: مصر تولي أهمية كبيرة بدعم المؤسسات الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي    وزير التعليم يكشف عن تعديل تشريعي مرتقب يستهدف مد سنوات التعليم الإلزامي    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثورات العربية : تجلياتها السياسية والثقافية :
نشر في شباب مصر يوم 19 - 07 - 2011

في محاولة لكشف مختلف العناصر التي تتفاعل داخل الثورات العربية اليوم، وفي تأثر مباشر بالتطور الإنساني العربي، يمكننا الحديث عن دينامية جلية في الفكر العربي على المستوى القيمي والحضاري. وفي مقارنة بين الحركية السياسية العربية وبين نفس الحركية عند باقي المجتمعات في العالم، نجد أن هناك تطور ملحوظ في العالم العربي، خاصة وأننا نعيش حالة جديدة في التعاطي مع العديد من الاحتجاجات على المستوى الرسمي العربي –رغم تواجد بعض الانفلاتات الأمنية وبعض الخروقات الحقوقية ضد المحتجين- الذي أبدى ويبدي بعض المرونة، في حالة مصر وتونس على الأقل .
إن القدرة الفائقة للسيطرة على السلطة داخل العديد من البلدان العربية، والتي كانت سببا في استمرارية الحكم المستبد لعقود كثيرة، لم تستطع الصمود أمام إرادة الشعوب التواقة إلى الحرية والكرامة الإنسانية التي حرمت منها لمدة طويلة فرضت عليها أنظمة قمعية قوانين الطوارئ والصمت والرضا بالأمر الواقع والعيش على الفتات الذي يفضل على النظام الحاكم وزبانيته. ولم تستطع هذه السيطرة المستبدة أن تصمد أمام جحافل الشعوب المقهورة التي خرجت إلى الشوارع للانتفاضة ضد أنظمتها الحاكمة بطريقة سلمية وحضارية أظهرت بالملموس قيم الشعوب العربية الثابتة والتي تدين العنف وتستبعده في كل مناسبة إلا إذا فرض عليها .
من الملاحظ أن الطابع التركيبي لكل الثورات، على مستوى التأطير وعلى مستوى المشاركة الشعبية، هو ذلك التنوع العرقي والسياسي والديني والفكري... انطلاقا من تحديد الأهداف مرورا بالاتفاق على وسائل تحقيقها، ووصولا إلى مرحلة التوافق على قيادة البلاد إلى الانتقال السياسي البعيد عن التقسيم والتشتت .
وهكذا تبدو هذه الثورات التي حققت أهدافها وتمكنت من إزاحة نظام مستبد وفاسد أو من تغيير الواجهة السوداء التي لونت العديد من البلدان العربية في ظل أنظمة شمولية أنها ضمنت مستقبلا مغايرا ومختلفا عن ماضيها الأسود المليء بالإهانة والظلم والاستبداد والفقر والأمية... واستطاعت أن تخلق دينامية سياسية ونقاشا فكريا وثقافيا كان مغيبا في ظل النظام الشمولي الذي كان يحظر كل شيء حتى الحلم بالتغيير أو مجرد التفكير فيه مع الذات. وبذلك أصبحت بعض البلدان العربية التي تعرضت لثورات أو لإصلاحات سياسية جذرية مجالا للإبداع الفكري والثقافي والحوار والنقاش من أجل بناء مستقبل مختلف .
ارتكزت كل الثورات العربية التي نجحت على الأقل في إزاحة هاجس الخوف والإقرار بالواقع، على تركيب متنوع فيتصوير الأحداث المتعاقبة، وتقديم الشعب كبديل لنظام اعتمد على القبضة الأمنية والقمع، بل اعتمدت كذلك على تكريس قيم التسامح والانصهار داخل الجماعة مع أطراف مختلفة الشوارب والأفكار والإيديولوجيات، وبالتالي قوضت تلك الصيغة الوثوقية التي كان يرسمها كل نظام عن شعبه. هذه العناصر والمرتكزات المتمثلة في الحفاظ على الالتحام والوحدة الشعبية والوطنية ساهمت في بناء تصور معين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أسس لبديل سياسي ونظام للحكم قادر على تجاوز سقطات الماضي وتصرفات النظام السابق .
ومن تجليات الوحدة الوطنية التي حافظت عليها أغلب الثورات التي نجحت في تحقيق أهدافها ذلك النمط من التعاطي مع النظام السائد، بحيث استطاعت أن تتناول الآثار السلبية لتصرفات النظام العنفية والقمعية بطريقة خاصة، تميزت بالقدرة على التحمل والصبر على الأذى ومواجهة كل الأعمال الإجرامية التي مارسها عليها بالالتحام الشعبي ومواصلة الضغط السلمي لتحقيق الأهداف المرسومة... وهذا يدعو إلى القول بأن الشعوب العربية لم تمت أبدا كما كان يروج لذلك دعاة الخنوع ومفكري الأنظمة ومأجوريها. وهكذا يتداخل الواقعي بالغرائبي تعكسه قدرة الشعوب العربية على التغيير ضمن منظومة فكرية وسياسية مبنية على السلم والحفاظ على وحدة الشعب والوطن .
ومن جهة أخرى إذا ما اعتبرنا أن الوعي السائد عند أغلب الشعوب العربية التي انتفضت على أنظمتها الحاكمة مركزا من الدوائر المتداخلة بحيث تكون أصغرها هي الدائرة الثقافية التي حضرت بشكل محتشم في أثناء التنظيم للاحتجاجات أو في أثناء الإعداد للشعارات المرفوعة، فإنه لابد من القول بأن البعد الثقافي في كل ثورة لم يكن مغيبا بحكم أن الثقافة هي مجال شامل لكل المعارف ولكل المجالات الحياتية شريطة استحضار تلك العلاقة الرابطة بين الثقافة وبين الممارسة الحياتية. وبالتالي، يمكن أن نجد تلك التعددية الثقافية من خلال تنوع المشارب والأعراق والمذاهب الفكرية الحاضرة بميادين الثورة .
أما الجلوس من أجل التعمق في الحقائق الفلسفية العليا لكل ثورة على حدة نجد أن التفاؤل الذي كان يعم الناس من خلال أنه صفة للوجود والاستمرارية والنصر والحكمة التي هي ضالة المؤمن بقضيته العادلة. فالنصر والتفاؤل من أجل الاستمرار شيء أشبه بالأسطورة في ظل نظام مستبد وحكم ديكتاتوري لا يحتمل النقد أو التهديد بإسقاطه. إنه مذهب غير ذي قيمة مادام أنه لا يستطيع الاستمرار غداة انتفاضة الشعب أو التظاهر ضده، فهو يعتمد على القمع والاستبداد من أجل بقائه في الوجود، ولذلك فحقيقته تكمن في أنه نظام مهترئ ولا أخلاقي .
لقد وقفت حياة النظام الاستبدادي على التخويف والقمع، ألقاهما في قلوب الناس بواسطة شتى الوسائل التي يسيطر عليها، دون أن يسمع للشعب ولمعاناته ومشاكله ويحاول حلها. وهو من أجل غض الطرف عن ذلك، استغل انشغال الشعب بهذه المشاكل والمعاناة، فانشغل بدوره في تسمين موارده المالية وزيادتها من ثروات الشعب وشراء الأصوات الداخلية والخارجية لدعمه –التي تخلت عنه عند أول امتحان في مواجهة الثورة-، وهذه الأخيرة (أي الأصوات المدعمة له) تتميز بالضعف والانتهازية والنفاق الذي يدفعها دفعا إلى الانحياز إلى الجهة الغالبة والقوية.
إن مشهد الشعب وهو يجوب الشوارع أو يعتصم بميادين الحرية يجعل كل ذي عقل سليم وقلب خاشع يؤمن بمسلمة أن الشعوب لاتموت ولا تفنى إلى الأبد، وأنها بعد سكونها وخنوعها لابد أن يأتي اليوم الذي تنتفص فبه وتسترجع عنفوانها وحياتها من جديد. هذا المشهد العظيم يدعو إلى التأمل وإلى التعمق في تلك الصور التي تؤثثه بكل ألوان الطيف الثقافية والسياسية والدينية. إنه ليس طرف بل هو صورة صادقة تدعو إلى الحياة والحركة، وتفرض على المحلل العمل على تفكيكها فكريا وسياسيا من خلال أحداثها وشخصياتها القائدة والرائدة التي ساهمت في تأطير الثوار والتفكير معهم في وضع أجندة الأعمال يوميا حتى تحقيق الأهداف المرفوعة والمسطرة .
لقد مضى قطار الثورة بسرعة في بعض البلدان العربية بينما عرف عدة عراقيل في أقطار أخرى، لكنه لم يلق انتكاسة تحد من مروره إلى محطته الأخيرة. ولم يفكر الشعب في المسافة التي تربط بين الواقع الذي كان يعيشه في ظل نظام مستبد وبين واقع جديد وقدر جديد يصنعه بنفسه وبنضاله المستمر، ولذلك كان يؤمن بأن الوقت دائما في صالحه وليس في صالح النظام، وكلما طال الزمن زادت معاناة النظام وضاقت الدائرة المحيطة به التي تسانده وتدعمه. إن الشعب لايقهر ولا يمكن معاندته بأي وسيلة كانت، فرغبته لابد أن تحصل وإلا كانت النتائج كارثية على أعدائه ومعانديه، ولنا في النظام المصري السابق خير مثال .
إن وعينا حاد بكون النصر المعنوي والملموس الذي حققته الشعوب الثائرة، والذي نعتز به ونعمل على الترحيب به في كل مناسبة وندعمه بالكلمة والمشاعر، لايمكن صيانته إلا بالحفاظ على تلك الوتيرة التي بدأت به كل ثورة على حدة، والتي وجدت أول تعبيراتها في مصداقية الشعارات المرفوعة والأهداف المعبر عنها والوسائل المشروعة الحضارية التي استعملت فيها. إن اعتقادنا بأن التعامل مع احتجاجت الشعوب وانتفاضتها بالقمع والعنف لايزيد الطين إلا بلة، ولا يقود إلا إلى نتائج كارثية، بل يرفع من سقف المطالب الشعبية ويجعل التراجع عنها صعبا والتخلي عن الشعار الثوري المرفوع مستحيلا. ولذلك يجب أن يقوم هذا التعامل بالأساس مع الناس بطرق حضارية وبالتعاطي السلمي والإيجابي للوصول إلى حل سلمي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا .
إن عسر التواصل بين النظام الحاكم وبين الشعب يساهم في تأجيج الصراع، وفي خلق هوة سحيقة بينهما في جميع الاتجاهات. وهذا ما يفسر تلك المواجهات السلبية بينهما تدفع نحو خلق جو من التوتر الدائم الذي تساهم فيه سياسات متسرعة وقمعية تحتاج إلى كثير من الجهد لمنعه وإيقافه. فالواجب هو شيء من الحكمة في التعاطي مع المطالب الشعبية المختلفة لكي لايصل الأمر إلى ما لا يحمد عقباه ....
عزيز العرباوي
كاتب وباحث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.