أتابع منذ فترة كل ما يكتب هنا وهناك عما بات يعرف ب»صفقة القرن»، والحقيقة أن التسريبات حول هذا المشروع المشبوه أكثر بكثير من الحقائق، فلا الإدارة الأمريكية تريد الإفصاح عن محتواه، ولا أحد في المنطقة يريد التورط فيه. أقرب ما توافر من ملامح لتلك الصفقة يشير إلي أنها تستهدف إنهاء القضية الفلسطينية عبر أفكار توطين فلسطيني الضفة الغربية داخل الأردن، وسكان غزة في أجزاء من سيناء(!!)، بينما ستستمتع إسرائيل بالتهام ما تبقي من أرض فلسطين التاريخية، وسيتم تسليم القدس نهائيا لسلطة الاحتلال، علي أن تُمنح السلطة الفلسطينية وجودا رمزيا في إحدي قري القدس مثل أبو ديس أو العيسوية أو بلدة العزيزية بديلا للقدس الشرقية، في المقابل يتم الاعتراف بشكل نهائي بيهودية الدولة الإسرائيلية، وينتهي إلي الأبد حق العودة، وحلم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. والحقيقة أن تلك الصفقة المشبوهة لا تحتاج إلي سياسيين لمناقشتها، وإنما إلي خونة لتنفيذها، لذلك رفضتها مصر والأردن والسلطة الفلسطينية رفضا قاطعا، لكن الإدارة الأمريكية التي يحكمها الصلف والغرور والغباء لا تريد أن تفهم أو تستجيب، فهي تتعامل كثور هائج في متجر للأواني الزجاجية، لذلك يتصور ترامب وزوج ابنته اليهودي الصهيوني جاريد كوشنير أن ممارسة مزيد من الضغط علي دول المنطقة سيجبرها علي الرضوخ والموافقة، لذلك فإن افتعال الأزمات لمصر والأردن وللسلطة الفلسطينية لا ولن ينتهي. ولمن يجيدون القراءة بين السطور، فإن عليهم أن يتأملوا سيناريو إشعال الأزمات المعيشية في الأردن، وحرب الشائعات القذرة التي أطلقت ضد مصر، ومسلسل تخريب المصالحة الفلسطينية التي تبذل القاهرة جهدا مضنيا لإتمامها، كل هذا لا ينفصل عن الصورة الأكبر لمستقبل المنطقة، فالمطلوب أن يفهم الجميع أن دخول الجنة الأمريكية، ووعودها بالرخاء المنتظر، لا يمر إلا عبر الانحناء والتنازل لإملاءات »سيد البيت الأبيض». ولو تأملت أكثر في عمق الصورة، فستجد أن جماعة واحدة هي جماعة »الإخوان» تمثل قاسما مشتركا في أزمات الدول الثلاث (مصر والأردنوفلسطين)، هذه الجماعة علي استعداد تام لأن تلعب الدور المطلوب فور صدور الإشارة الأمريكية، فأطماع السلطة أعمت قادتها عن الهاوية التي سيجرون إليها المنطقة، ولأنهم في الأساس لا يعترفون بالأوطان، ولهم تاريخ طويل من النوم في أحضان المحتل البريطاني، والمستغل الأمريكي، فلا مانع من القبول بصفقة قذرة جديدة تعيد إليهم الحياة، مثلما تصدروا مشهد ثورات ما سمي ب»الربيع العربي» بصفقة مشابهة. الوضع أخطر مما نتصور، ومصائر الأمم يجب ألا تصنعها صفقات الساسة، وإنما تحسمها إرادة الشعوب، وحكمة التاريخ تقول إن من يفرط في فلسطين يدفع الثمن باهظا، وينبغي أن يعي الأمريكيون أن العرب - رغم كل ما وصلوا إليه من هوان حاليا - ليسوا أمة من النعاج، يمكن أن تساق إلي الذبح في صمت.. فاحذروا.