الطوابع البريدية هذا العام من أدوات هامشية فى عصر البريد الإلكترونى والتطبيقات الذكية إلى مَحاور صراع سياسى واقتصادى وثقافى ودينى أيضًا لتؤكد أن هذه الرموز الصغيرة التى تعد من بقايا عصر ما قبل الرقمنة لا تزال قادرة على إثارة الجدل واحتلال عناوين الأخبار حول العالم.. فقد شهد هذا العام سلسلة من الأحداث التى أعادت الطوابع إلى الواجهة ليس بوصفها أدوات بريدية بل كرموز سياسية وثقافية وأدوات فى صراعات اقتصادية. طوابع عيد الميلاد البريطانية بين الإسلاموفوبيا والعنصرية أثارت طوابع عيد الميلاد المَلكية عاصفة من الجدل فى المجتمع البريطانى وكشفت عن عنصرية غير مألوفة فى مجتمعات عرفت نفسها دائمًا بأنها مكافحة للتمييز ونصّبت نفسها راعية رسمية لحقوق الإنسان فحولت العمل الفنى على الطابع البريدى الصغير إلى ساحة صراع كبيرة عكست التوترات المجتمعية والانقسامات الفكرية والسياسية التى باتت عدسة يرى من خلالها العالم ويعاد بها تفسير كل ما يحيط بنا. طرحت هيئة البريد المَلكى فى المملكة المتحدة إصدارها الخاص من طوابع عيد الميلاد لعام 2025 حاملة بين طياتها مَشاهد من ميلاد السيد المسيح بريشة الفنانة البريطانية المبدعة والحائزة على جوائز عدة «بولا دوهرتى».. تعد هذه الطوابع تقليدًا سنويًا مميزًا، فبمجرد طرحها تبدأ الاستعدادات الموسمية والاحتفالات وعادةً ما يُصمِم الطوابع فنانون من جميع أنحاء (المملكة المتحدة) وتُصور عليها مشاهد شتوية.. ففى العام الماضى احتوت الطوابع على رسومات توضيحية لكاتدرائيات المملكة المتحدة المغطاة بالثلوج.. أمّا هذا العام فهى تحمل رسومات لمشهد الميلاد وتجسّد لحظات مقدسة وشخصيات المَلاك جبرائيل والعذراء مريم ويوسف النجار والطفل يسوع والرعاة بأسلوب بصرى غنى يمزج بين تقنيات الترصيع والتزجيج والتطعيم بالرخام والكولاج فى توليفة بصرية تنبض بالحياة والرمزية. على الرغم من الإشادة بجماليات العمل الفنى للطوابع وفرادته؛ فإن هذه الطوابع لم تَسْلم من سهام النقد؛ إذ رأى بعض المتابعين أن الشخصيات تبدو كأنها تنتمى إلى ثقافة إسلامية ما فتَحَ بابًا واسعًا لنقاش عنصرى حول الهوية البصرية والدلالات الثقافية فى الأعمال الفنية الدينية فتسببت هذه الطوابع الصغيرة فى عاصفة فكرية كبيرة تعالت فيها الآراء الرافضة وطُرحت فيها الأسئلة حول الفن والدين والتمثيل الثقافى، لتتحول من أدوات بريدية إلى مرايا تعكس توترات المجتمع البريطانى وتخبط آرائه. وركزت الأصوات الرافضة على تصوير السيدة مريم وهى ترتدى غطاءً للرأس.. فبينما يرى البعض فى هذا التصوير لمسة فنية مستوحاة من الجماليات الإسلامية أو الحجاب الإسلامى وأنها غير مرتبطة بالطبيعة الغربية والمسيحية، ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك معتبرين أن الطابع يُلمح إلى لون بشرة غير أبيض ما أثار ردود فعل متباينة على منصات مثل إكس وإنستجرام وغيرهما من منصات التواصل الاجتماعى الأخرى. عبّر المعلقون بسخرية على لون البشرة للرسوم على الطوابع وعلق أحدهم ساخرًا «أنا متأكد فى زمن تُصور فيه «آن بولين» (زوجة الملك هنرى الثامن)على أنها سوداء أن هذا بدافع الحرص على الدقة التاريخية وليس دعاية لا تنتهى ضد البيض».. بينما كتب آخر «هذا هجوم على عيد الميلاد والمسيحيين».. واتهم آخرون البريد الملكى البريطانى بتجاهل المسيحية وتسييس اختياراتها. فى المقابل احتفت المجموعات الدينية المسيحية بالتصميم مثل المجموعة الكاثوليكية على فيسبوك؛ حيث رأت فى الطوابع عودة إلى الجذور المسيحية ل(المملكة المتحدة). ورفضت تلك المجموعات الربط بين الطوابع الجديدة والتوترات العِرقية والاحتجاجات المناهضة للهجرة التى تشهدها البلاد؛ خصوصًا أن «هيئة البريد الملكى» البريطانية استعانت خلال تصميم الطوابع البريدية بخبراء مرموقين فى اللاهوت والفنون لضمان دقة التصوير الفنى ومطابقته للروايات الدينية والحقائق التاريخية والثقافية. ومن بين العلماء الخبراء الذين استعانت بهم الهيئة: القس البروفيسور «أندرو دافيسون» من جامعة أكسفورد والبروفيسور «بن كواش» من كلية كينجز كوليدج لندن. وقدّم البروفيسور «دافيسون» المشورة بشأن التفسير اللاهوتى والفنى لمواضيع الميلاد التى تضمنتها المجموعة بينما كتب البروفيسور «كواش» النص المصاحب لإصدار الطوابع.. وقد علق البروفيسور «اندرو دافيسون» على الجدل، مؤكدًا أن «فكرة استعانة هيئة البريد بخبرة أساتذة فى علم اللاهوت والدين تؤكد على مدى الجدية التى تتعامل بها مع تصميم هذه الطوابع».. وجاءت هذه الاستشارات لتؤكد أن التصاميم الجديدة لطوابع عيد الميلاد تستند إلى فهم عميق ومتوازن للسياقات الدينية والتاريخية. وفى خضم هذا الصخب خرج الكندى «مبين شيخ» أستاذ السلامة العامة فى كلية (سينيكا) والمحاضر فى مجال الأمن القومى والاستخبارات ومكافحة التطرف لدى «منظمة آباء من أجل السلام» متحدثًا لصحيفة «هوملاند سيكيوريتى توداى» ليوضح أن تصوير «مريم» بغطاء الرأس ليس بِدعة مُستحدثة بل تقليد فنى ضارب فى القِدَم يسبق الإسلام بقرون.. وأضاف «مبين» فى حواره مع الصحيفة «لقد نسى الناس أن مريم كانت يهودية وأن تغطية الرأس كانت جزءًا من ثقافتها». وأكد «مبين» أن هذا ليس توَدُّدًا لأحد بل وفاء لحقيقة تاريخية وفنية.. مشيرًا إلى أن الكتب المقدسة سواء فى العهدين القديم والجديد أو فى القرآن الكريم لا تقدم أوصافًا جسدية دقيقة ل«يسوع» أو «مريم» باستثناء إشارات عابرة مثل وصف «داود» بأنه أحمر البشرة أو الإقرار بأن بنى إسرائيل القدماء كانوا من ذوى الملامح الشرق أوسطية. وفى الأيقونات المسيحية، لا سيما فى التقاليد الأرثوذكسية الشرقية، تظهر العذراء مريم دومًا بحجاب يغطى رأسها وكتفيها رمزًا للتواضع والإيمان.. وهذا التصوير ليس استثناءً بل امتداد لتقليد فنى وروحى عريق. كما تحظى مريم بمكانة رفيعة جدًا فى الإسلام أيضًا إذ تعد المرأة الوحيدة التى ذُكر اسمها صراحة فى القرآن الكريم وسُمّيت سورة كاملة باسمها ويؤمن المسلمون بأنها امرأة طاهرة اختارها الله لمعجزة ميلاد عيسى الذى يُعَد فى الإسلام نبيًا عظيمًا. وبناءً على هذه المعطيات؛ فإن التصوير الفنى لمريم بغطاء الرأس ولشخصيات الميلاد بملامح شرق أوسطية لا يعتبر أبدًا تبنيًا لجماليات دينية أخرى بل هو محاولة صادقة لاستعادة البعد التاريخى والروحى الأصيل لتلك الشخصيات التى شكلت جوهر قصة الميلاد. لم تكن هذه هى الأزمة الوحيدة لطوابع البريد فى (بريطانيا)؛ حيث اتهمت صحيفة «التلجراف» البريطانية (الصين) بإغراق السوق البريطانية بطوابع مُزيفة، مما أدى إلى تغريم مواطنين استخدموا طوابع اشتروها من متاجر تبدو شرعية واعتبر بعض البرلمانيين والخبراء الأمنيين هذه الظاهرة حربًا اقتصادية تشبه طباعة النقود المزيفة. طوابع مُزيفة فى الولاياتالمتحدة الأمر نفسه تكرّر فى الولاياتالمتحدة؛ حيث بدأ العام بمصادرة سلطات الجمارك فى شيكاجو أكثر من 160 ألف طابع «فور إيفر» مُزيف تم شحنها من الصين والتى كان يُفترض أن تُباع بقيمة تتجاوز 118 ألف دولار فى حال كانت أصلية. خطأ تاريخى يثير أزمة فى أيرلندا وفى أيرلندا أثار طابع بريدى جديد جدلًا واسعًا بسبب خطأ تاريخى فادح إذ ظهر فى تصميمه هوائى تليفزيون على مبنى يعود لعام 1844، أى قبل أكثر من قرن على دخول التليفزيون إلى البلاد.. وقد أثار الخطأ سخرية وتساؤلات حول دقة التوثيق التاريخى. كما أثارت «خدمة البريد الوطنية» الأيرلندية «آن بوست» جدلًا واسعًا فى الأوساط الثقافية والشعبية بعد إعلانها إصدار مجموعة طوابع بريدية خاصة لتخليد الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس فرقة «ويست لايف» تكريمًا لمسيرتها الفنية ونجاحها العالمى واعترافًا بدورها كسفيرة فنية لأيرلندا.. لكن الجمهور انتقد تجاهل خدمة البريد لفرقة «بويزون» التى تُعتبر أول فرقة فتيان أيرلندية الأصل. الهند تصدر طابعًا احتفالاً بمنظمة يمينية متطرفة وفى الهند أيضًا فقد فجّر إصدار طابع بريدى وعملة معدنية بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانج» (RSS) أو منظمة التطوع الوطنى وهى منظمة يمينية متهمة بارتكاب أعمال عنف ضد المسلمين.. وقد أثار الطابع عاصفة انتقادات سياسية؛ إذ اعتبره معارضون إهانة للدستور ومحاولة لتبييض تاريخ المنظمة المثير للجدل متهمين الحكومة بتزييف التاريخ. 2 3