النيابة العامة تُدرج الممتنعين عن سداد النفقات على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول    توقيع بروتوكول تعاون بين القومى للمرأة وصحة سوهاج    بحضور راندا المنشاوي، إسكان النواب تناقش خطة عمل الوزارة وتطوير القطاعات    لليوم ال20..«التموين» تواصل صرف مقررات أبريل حتى 8 مساء    أسهم الأدوية تحافظ على صعود مؤشر الشركات الصغيرة بالبورصة بجلسة الإثنين    ميناء دمياط شريان حيوي لدعم الحركة التجارية والاقتصادية    رئيس الوزراء يتابع موقف ترشيد استهلاك المواد البترولية في عدد من المشروعات الحكومية    سعر الريال السعودى أمام الجنيه اليوم الإثنين 20-4-2026    توريد 5728 طنا للصوامع في موسم حصاد القمح بالشرقية    رئيس ميت غمر بالدقهلية يضبط سيارة نقل محملة بالأتربة تسير بدون غطاء (صور)    جيش الاحتلال يعلن قصف منصة صواريخ محملة وجاهزة للإطلاق جنوب لبنان    وزير الخارجية الروسي: فرص إقامة دولة فلسطينية تتضاءل    الصين تحذر الولايات المتحدة والفليبين واليابان من "اللعب بالنار" بعد بدء مناورات مشتركة    زلزال بقوة 7.4 درجة يضرب اليابان، وتحذير من تسونامي يرتفع إلى 3 أمتار    موعد مباراة الأهلي وبيراميدز في الدوري.. والقنوات الناقلة    بعد الخروج الأسيوي.. تقارير سعودية تكشف مصير كونسيساو مع اتحاد جدة    بعثة رجال سلة الأهلي تغادر إلى المغرب للمشاركة بتصفيات بطولة أفريقيا «BAL»    توروب يمنح لاعبي الأهلي مكافأة جديدة قبل مباراة بيراميدز    تنس الطاولة، أول تعليق من هنا جودة بعد تقدمها في التصنيف العالمي    الأرصاد توجه نصائح مهمة للمواطنين حول نوعية الملابس وتكشف وقت ارتداء الصيفى    حادث دهس فى باب الشعرية.. الداخلية تتحفظ على السيارة الطائشة وقائدها المصاب    تحرير 747 محضرا لأصحاب المخابز والمحال التجارية بحملات تموينية بالشرقية    وزير الخارجية يوجه القنصلية المصرية في دبي بالتواصل مع السلطات بشأن واقعة وفاة ضياء العوضي    نائب وزير التعليم: مواصفة امتحان المدارس الفنية ستكون مرتبطة بسوق العمل    محافظ القليوبية يُكرم سائقي اللوادر لدورهما في إخماد حريق مصانع القناطر    الداخلية تكشف ملابسات مشاجرة داخل مستشفى في بورسعيد    سلطان البهرة: نثمن دور مصر المقدر فى دفع جهود إرساء السلام والأمن بالعالم    نجوم الفن يشاركون "منة شلبي" وداع والدها    بمشاركة 100 طفل من دور الرعاية: مكتبة الإسكندرية تنظم احتفالية «يوم الربيع»    تدهور الحالة الصحية ل هاني شاكر.. ومصطفى كامل يطالب بالدعاء    غدا بالمجلس الأعلى للثقافة.. المركز القومي للمسرح يسلم جوائز مسابقات التأليف المسرحي    منظومة التأمين الصحي الشامل تخطو خطوات ثابتة نحو تغطية صحية شاملة    «الصحة»: انطلاق البرنامج التأهيلي لمبادرة «سفراء سلامة المرضى»    فريق طبي ينجح في علاج كيس عظمي بالفك السفلي بمستشفى شربين    تحرير 978 مخالفة لمحلات ومنشآت خالفت مواعيد الغلق خلال يوم    حزنت عليه وتوقعت وفاته، أستاذ بجامعة هارفارد يكشف السبب الحقيقي لموت ضياء العوضي فجأة    بعثة «رجال سلة الأهلي» تغادر إلى المغرب للمشاركة بتصفيات بطولة إفريقيا «BAL»    تحطيم جندي إسرائيلي تمثال السيد المسيح في لبنان يثير غضبًا عالميًا    فرصتك في الأوقاف.. 1864 وظيفة جديدة تفتح باب الأمل أمام الشباب.. ضخ كوادر مؤهلة علميا ودعويا داخل المساجد.. وهذه أبرز الشروط والأوراق المطلوبة    توقعات روسية بتصاعد الهجمات الإرهابية في أوكرانيا    طلاب العمارة يعيدون تصور المدن في بيت المعمار المصري، الأربعاء القادم    «جعفر الصادق» الإمام الذي تعلم على يديه أبو حنيفة ومالك    تعرف علي حكم حج الحامل والمرضع.. جائز بشروط الاستطاعة وعدم الضرر    تصريحات الرئيس السيسي تتصدر الصحف الكويتية.. تأكيد مصري حاسم بدعم أمن واستقرار الكويت    علي سليمان وتريزيجيه يتقاسمان صدارة هدافي الدوري المصري    الأكاديمية العسكرية المصرية تنظم حفل انتهاء دورة التعايش لطلبة أكاديمية الشرطة    إيران: واشنطن غير جديّة بشأن المسار الدبلوماسي ولم نتّخذ قرارا بشأن استئناف المفاوضات    قفزة في تسهيل التجارة الخارجية: الإفراج خلال 24 ساعة وتوسع في القائمة البيضاء    فتاوى الحج.. ما حكم استعمال المٌحرم للكريمات أثناء الإحرام؟    تفاصيل صادمة في واقعة وفاة ضياء العوضي: لم يخرج من غرفته ولم يطلب الطعام ليومين    محافظ شمال سيناء: رئيس الوزراء تفقد مناطق محيطها يقترب من 160 كيلو مترا في المحافظة    محاكمة 50 متهما بالهيكل الإداري للإخوان.. اليوم    يارا السكري: دوري في «علي كلاي» كان من أصعب الأدوار.. وفقدت صوتي في مشهد وفاة الأخ    فاتك وأنت نائم| قفزة بأسعار النفط.. غموض رحيل «العوضي».. تصعيد عسكري في «هرمز»    رئيس اتحاد اليد يستقبل أبطال برونزية البحر المتوسط بمطار القاهرة    الإكثار من الطاعات والعبادات.. أفضل المناسك المستحبة في شهر ذي القعدة    تطورات حرجة في الحالة الصحية للفنان هاني شاكر    تنظيف المنزل ليلًا لا علاقة له بالفقر وهذا الاعتقاد لا أصل له في الشرع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكاية فنان أراد إعادة ترتيب العالم
نشر في صباح الخير يوم 07 - 09 - 2010

ارتجت الدنيا كأن زلزالا عنيفا ومكتوما قد ضرب أعماقى، فور أن طالعت عيونى خبر رحيل الفنان محيى اللباد.
وتضاربت الصور المتلاحقة عن رحلة العمر الذى عشناه، فلم تكن بيننا صداقة سؤال عن الأبناء والصحة والأحوال، ولكنها كانت صداقة تبتعد عن كل ما هو ركيك فى عالمنا، صداقة تبحث عن إعادة ترتيب الكون.
ومن المؤكد أن من يقرأ تلك السطور يمكنه أن يتهم تلك الصداقة بأنها السفر إلى غابات الجنون، ولكن ما إن نتعرف على ملامح حقيقة الواقع الذى عاشه جيلى، فلسوف نكتشف على الفور أنه جيل « السندباد».
وكلنا نعلم أن السندباد هو من امتلك بساط الريح لتمتد عيونه إلى آفاق بلا حدود، فهو يستطيع السفر إلى بغداد، ومنها إلى عدن، ومن بعد ذلك يستريح قليلا فى بلاد الشام، ويمكنه من بعد ذلك أن يرى ما يستحق السفر إليه فى جبال الأوراس بالجزائر.
وكان بساط الريح الذى امتلكه جيلى هو إيمان لا نعرف متى استقر فى الوجدان تماما، هل استقر هذا الإيمان حين وقف جمال عبد الناصر فى شرفة بورصة الأوراق المالية عام 1956 ليعلن « قرار من رئيس الجمهورية. تقرر تأميم شركة قناة السويس البحرية لتصبح شركة مساهمة مصرية '' أم أن بساط الريح الذى امتلكه جيلى كان أكثر عمقا من قرار جمال عبد الناصر، لأنه خرج من مجلة اسمها «سندباد» يشرف على إصدارها الفنان الموهوب حسين بيكار عن دار المعارف، وكان ثمنها قرشان، ندخرهما من مصروف اليد لنسافر عبر سطورها ورسومها إلى آفاق من سحر اللون وجمال الكلمة وانسجام كل من الكلمة والرسوم إلى درجة من البساطة المذهلة.
ولأن محيى اللباد هو من سكنه مع أسرته حى حلمية الزيتون، فقد توافق ما رآه مطبوعا مع ما يشاهده حوله أثناء طفولته من حقول خضراء ممتدة، وأشجار لها أزهار ملونة، وشمس لا تعرف أثناء سطوعها أية أتربة تمنع وصول ضوئها نقيا إلى العيون. وكان هذا الحى هو موطن الطبقة العليا من موظفى الدولة، فوالده هو واحد من كبار رجال الدين وزميل فعال لكل أعضاء هيئة كبار العلماء الذين كانوا بمثابة تاج من السماحة على قمة الأزهر الشريف. ولأن محيى من جيل شجاع امتلك القدرة على الحلم بأن كل ما فى هذا الكون هو فى متناول يده، لذلك امتدت يده لتضع رسوما مصحوبة برسالة إلى الفنان بيكار الذى رحب به رساما فى المجلة، على الرغم من أن عمر محيى فى ذلك الوقت لم يتجاوز الثالثة عشر.
ولم تمض سوى ثلاث سنوات حتى صدرت صباح الخير التى عرف كل واحد من أبناء جيلى أنها تخصه وحده، أليست هى المجلة التى يرسم فيها جمال كامل وعبد الغنى أبو العينين وحسن فؤاد وزهدى العدوى، وصلاح جاهين ويكتب فيها إحسان عبد القدوس الذى آمن أن كلمة «الحرية» هى الجوهر الذى تعمل به أى رئة بشرية وهى تتنفس وأنها الحقيقة الأولى التى يجب الإنطلاق بها كى تتواصل الأجيال لترسم صورة جديدة لوطن جديد.
وكان حسن فؤاد مع عبد الغنى أبو العينين مع أحمد بهاء الدين وصحبة صلاح جاهين هم من وضعوا الأساس الأول لمجلة ترفرف كلماتها لترعى وليدا غير مسبوق، وليد يبدو من شكل صفحاته أنه يقدس كل ما يمكن أن تحققه اليد المصرية من إبداع، وما يمكن للخيال الشاب أن يرنو إليه.
وكانت أيدينا تمتد عبر الخيال لتصافح أى إنسان بغداد أو عدن أو دمشق أو بيروت أن على جبال الأوراس فى الجزائر أو يملك طاقة أمل من قلب أفريقيا، ألسنا نحن من كتب عنا فتحى غانم أن كل جيل جديد يملك طاقة يمكن أن تتعلم منها الأجيال السابقة إن أفسحت لها الطريق ؟ ألسنا نحن من ترجم من أجلنا الشاعر صلاح عبد الصبور مسرحية البناء العظيم لهنريك إبسن والتى يقول فيها على لسان الجيل القديم «سيأتى لى يوما من يطرق بابى ليقول لى : إفسح لى الطريق أنا الجيل الجديد »؟. ألسنا نحن من كتب أحمد عبد المعطى حجازى مخاطبا الحبيبة «يا خيالا سقيته ماء قلبى فأزهرا. أنت لولاى لست أنت.. فمن أنت ياترى ؟». ألسنا نحن من نظر إلينا أحمد بهاء الدين فرأى فينا تلك القدرة على أن نفجر أنابيب التابلاين التى تحمل البترول من قلب العراق إلى الغرب الذى دبر ضدنا عدوان إسرائيل عام 1956 لتمنع نمونا ؟
« ألسنا نحن من رسم صلاح جاهين لنا حكاية « قهوة النشاط » التى تضع البسمة على الوجوه سخرية من الكسالى ؟ » ألسنا نحن من شاء حسن فؤاد أن يعلمنا فن رؤية الجمال من خلال البساطة ويطلق اسم « الفن الفصيح '' على الرسم الواضح الصريح الذى يحمل أسلوبا خاصا بالرسام ؟
هذه هى صباح الخير التى صدرت من أجلنا فى اليوم التالى لعيد ميلادى السادس عشر أى الخامس من يناير عام1956 وقبل عيد ميلاد محيى السادس عشر بثلاثة شهور.
ولم أكن أعلم أن «الترولى باص »الذى يخترق الزمالك سيكون هو أول مكان ألتقى فيه أنا ومحيى اللباد، فقد كنت أصحب كمال خليفة الفنان المعجزة فى بساطته ورعايته للأجيال الشابة، وكان ذلك فى عام 1961 وننزل جميعا من الترولى باص لنجلس لندخل مقهى سيموندس، ويدور حديث عن الفن. كان محيى اللباد هو الطويل العريض الذى يسمع أكثر مما يتكلم، والذى كانت تنطق عيونه بما يفوق الكلمات سواء بمشاعر التمرد أو الحب أو الرفض، فلغة عيون محيى هى اللغة الأولى لديه ؟ وكان من المفاجأة له ولى أنه قدم نفسه إلى عبد الغنى أبو العينين سيد الألوان والتصميم فى روز اليوسف، وكان ذلك إيذانا بأن يكون ضمن فريق روز اليوسف وصباح الخير.
وتدور الأيام ليأتى زميلنا من أيام الجامعة ويعرف محيى اللباد، ليوجه لنا الدعوة كى نزور السويس حيث تولى محافظ جديد أمور المدينة، وكان المشهور عن محافظها السابق أنه يناول كل صحفى ظرفا بداخله مبلغ ثلاثون جنيها، وهنا قلت للزميل '' تأكد أنى سأفضح المحافظ على الملأ إن ارتكب مثل تلك الحماقة معى '' وهنا ضحك محيى اللباد قائلا «صديقنا هذا تولى عمله الجديد فى العلاقات العامة بالمحافظة، وهو يرفض مثل هذا الأسلوب.» وسافرنا إلى السويس ليستقبلنا شعراوى جمعة نائب مدير المخابرات المصرية الذى ترك العمل بالمخابرات ليكون محافظا لتلك المدينة. وكان المؤتمر الشعبى الذى دعينا إليه يناقش أسلوب رفع الوعى عند الناس بقيمة العدالة الاجتماعية، وتحدث شعراء وأدباء، منهم من قال قصيدة يتخيل فيها مشهد مصر إن فقدت أم كلثوم، ولم يكن هناك فى كلمات المتحدثين أى كلام عن العدالة الإجتماعية أو الاشتراكية، حتى دعيت إلى الكلام، فأعلنت أننا هنا فى السويس نحتاج إلى فتح ورش هيئة قناة السويس لتدريب أكبر عدد من الشباب على المهن التى نحتاجها سواء فى بناء السد العالى أو فى حربنا باليمن وأن نقوم بمحو أمية الذين لم يتعلموا فأهل السويس فى أغلبهم هم من أهل الصعيد الذين جاءوا بحثا عن فرصة عمل. وأن تغيير الواقع اليومى لهؤلاء هو الذى يسير بنا إلى أولى خطوات العدالة الاجتماعية. وأعلن شعراوى جمعة فى هذا المؤتمر أنه سيأخذ بفكرتى على الفور. وهنا همس لى محيى اللباد ساخرا بأنى أصبحت قريبا من السلطة. وتشكك فى أن أحدا قد اتفق معى قبل إعلانى لتلك الفكرة كى أكون أول من يطلقها، وحين قلت له « لم يحدث ». صدقنى على الفور.
وما أن كتبت الفكرة فى روز اليوسف حتى قابلنى أستاذنا محمد عودة على مقهى ريش وكان محيى اللباد حاضرا، وسألنى الأستاذ عودة « هل كتبت فكرتك تلك دعاية لهذا المحافظ ؟ وتطوع محيى اللباد لينفى ذلك الاتهام عنى. ولم يكن كلانا يعلم أن ما سأل عنه محمد عودة سيسأل عنه جمال عبد الناصر بذات نفسه، حين كلف أحد الأجهزة بالسؤال المحدد « هل يتبع شعراوى جمعة نفس أسلوب المحافظ السابق فى رشوة الصحفيين ؟ وهل أخذ الشاب منير عامر أى مليم من محافظة السويس ؟ '' وتأتى الإجابة '' شعراوى جمعة لا يقدم أى نقود للصحفيين، ومنير عامر لايقبل حتى مجرد الإقامة على نفقة أى محافظة حين يقوم بعمله الصحفى ». وتأتينى مكالمة من السيد منير حافظ الرجل الثانى فى مكتب جمال عبد الناصر حاملة شكر الرئيس.
وفى غمرة الحماس للعدالة الاجتماعية، وفى متابعة تطبيق ما جاء بالميثاق الوطنى، تزور بعثة من روز اليوسف محافظة فى وسط الدلتا، لتكشف زيف العمل السياسى هناك، فيتم اعتقال المحرر الراحل محمد زيدان ويتم ضربه بمركز البوليس، فتخرج روز اليوسف وعلى غلافها كاريكاتير بريشة اللباد يصور ضابط البوليس وهو يضرب الصحفيين، والعنوان المرافق هو «ضربونا فى المركز ». ويتدخل جمال عبد الناصر ليقيل مدير الأمن والمحافظ ويتم توقيع الجزاء على الضابط الذى ضرب الصحفيين.
ونجلس فى صالة تحرير روز اليوسف لنضحك، ومحمد زيدان الصحفى المضروب والذى تلقى اعتذارا شخصيا من وزير الداخلية، وكان زيدان يشرح لنا أن الضابط الذى ضربه هو قريب لشاب من الإخوان المسلمين، وكان هذا الشاب يمسك رأس أى معارض للإخوان المسلمين عام 1954 ويضرب بالرأس باب قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة وهو يصرخ«دقوا برؤوسهم أبواب الجنة»، وكان زيدان يصرخ« ده باب الجامعة ياأولاد ال » وكان محيى اللباد يضحك من قصور رؤية التخلف باسم الدين وكيف تتحول الأجيال إلى قطيع مطيع، سواء بالنسبة للإخوان أو بالنسبة للثورة. ويخرج اقتراح بأن نجرى دراسة عن الاحتفالات التى تقيمها المحافظات بأى مناسبة وكيف تزدحم تلك الاحتفالات بالنفاق. ويقع على شخصى تنفيذ هذا التحقيق، فأسافر إلى المنصورة، حيث كان إسماعيل فريد محافظا لها، وهو من الضباط الأحرار والذى عمل سفيرا لمصر فى تشيسلوفاكيا، وعاد ليتولى منصب المحافظ وكان معه كلبزان من سلالة نادرة خصص لهما ساعيا ليشرف عليهما، وكان هناك احتفال بعيد الثورة، وكان المتحدث فيه واحد ممن ينتمون إلى أسرة إقطاعية ومعروف عن رأس هذه العائلة أنه كان يدخل بالعذارى قبل زفافهن. وكتبت التحقيق ليرسمه محيى اللباد وكان العنوان « الثورة والنفاق » وكتبت كل التفاصيل السرية والعلنية، وكيف طالب المحافظ أن يقدم له أهالى المحافظة وثيقة تأييد مكتوبة بالدماء. وتمت كتابة الوثيقة بدم جاء من مجزر المنصورة، وليس دما بشريا. وهذا ما جعل المسئولين بالمحافظة مصدر سخرية فى عموم أرض مصر.
وأكتب مرة أخرى تحقيقا عن أسرة تقوم بإقراض الفلاحين الجنيه الواحد بفائدة تصل إلى أربعة جنيهات، ويرسم محيى اللباد هذا التحقيق، ويأمر جمال عبد الناصر بفحص تلك المسألة وتثبت صحتها فيضع الحراسة على أموال عائلة تقوم بما كان يقوم به المرابون فيما قبل ثورة يوليو.
لم نكن أبطالا ولم نكن شهداء، ولكن كانت أيدينا وقلوبنا تمتد كبساط الريح تطير بنا فى سماء حلم العدل كى نجذبه إلى الواقع، ولكن هزيمة يونيو 1967 تدق رأس أحلامنا جميعا. وهكذا تم قصقصة ريش أجنحة السندباد وكسر ذراعيه، وأصبح بساط الريح الذى حملنا منذ سنوات لنمد أيدينا إلى نهر الفرات أو لنذيب ثلوج جبال الأوراس، أصبح بساط الريح مليئا بالثقوب فصار مترنحا غير صالح حتى كى يكون مجرد سجادة متهرئة.
ولكن محيى اللباد يرفض هذا الوهن فيتجه إلى رسوم الأطفال، فمازالت هناك أجيال جديدة يمكنها أن توقظ سندباد من إغماءاته ويمكنها أن تصنع بساط ريح جديد يحمل تلك الأجيال إلى الحلم، ولذلك اتجهنا إلى رسوم الأطفال.
ويتم اختيارى سكرتيرا لتحرير صباح الخير حين تم اختياره مشرفا فنيا عليها. وتوقع الجميع صداما بين اثنين كل منهما له تفكيره الخاص، وتناسى الجميع أن «الدقة » هى الأسلوب المقدس عند أى منا. وعلى رغم اتساع المسافة بين أسلوب العمل بالمطابع الذى يعتمد على التقريب، ولايتم استخدام العلم الهندسى فيه، بين هذا الأسلوب وأسلوب محيى اللباد الذى يرى أى نقص ولو بمقدار مليمترا واحدا فى تنسيق الصفحات أو زيادة ولو أبسط درجة فى لون ما من ألوان اللوحات، وهنا كان يعلو صوته مع صوتى طالبين من العمال الدقة والحرص.
وكنت أضحك لمحيى وهو يكتشف أدق هفوة فى التنفيذ لما يضعه من تصميم. وأصرخ فيه « نحن لن نعيد ترتيب العالم بنفس الدقة التى تحلم بها، فمازال هناك عمال يعشقون اللكلكة»، فيقول لى « كيف تسمع الموسيقى الكلاسيكية ليل نهار ولا تلتفت عيونك إلى اختلاف اللون الذى اخترته عن اللون المطبوع ؟ » وكان يشير بذلك إلى أن حواس الإنسان إذا أتقنت معرفة الفوارق بين عزف المايسترو كاريان عن عزف المايسترو أندرو كورول، فلابد للعين أن تكتشف الفارق فى اختلاف لون اختاره الرسام المصمم عن اللون الذى قام أى عامل بتلفيقه.
وطبعا هناك مشكلة دائمة بين مواعيد تسليم المقالات والرسوم والتحقيقات والأخبار لسكرتير التحرير، وبين مواعيد تسليم تلك المواد الصحفية للمشرف الفنى، فمحيى اللباد كاد أن يكون المشرف الفنى الثالث فى تاريخ الصحافة المصرية بعد حسن فؤاد وعبد الغنى أبو العينين، هو الذى يصر على قراءة المادة الصحفية كى ينسقها على الصفحات، فكل صفحة بيضاء هى لوحة تطلب التشكيل الجميل، وكل مجلة مطبوعة هى مقطوعة موسيقية عليك أن تراها بالعين.
وإذا كانت الموسيقى هى إعادة تدريب الأرقام والزمن لتصبح أصواتا متعانقة متآزرة، فالمجلة المطبوعة هى مقطوعة موسيقية باللون والخط كى تستريح لها عيون القارئ ويتيقظ بها انتباهه. وطبعا مطلوب من سكرتير التحرير أن يحترم حق المشرف الفنى فى أن يأخذ مساحة من الوقت كى يقيم هذا العزف البصرى لمقطوعة موسيقية مطبوعة.
وحين كان محيى اللباد يثور، كنت أقدم له اسم مايسترو جديد يتميز بأداء سيمفونيات بيتهوفن أو كونشرتو البيانو لتشايكوفسكى بشكل جديد، أو أقدم له شريط تسجيل آخر أغنية للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، أو أحكى له بعضا من أقوال الفنان النحات الرسام المصور كمال خليفة. وكانت ثورته تهدأ ليبدأ فى إنجاز ترتيب صفحات صباح الخير.
وبعد انتصار أكتوبر 1973 لم تكن الأيام العربية واثقة تمام الثقة بمستقبلها، فمازالت بعض الأراضى تحت الاحتلال، ثم دهمتنا الحرب الأهلية اللبنانية لأفاجأ بأن يقدم محيى اللباد طلب إجازة بدون مرتب كى يشارك فى تأسيس دار الفتى العربى ببيروت. وهى الدار التى رفضت تماما فكرة تهرؤ بساط الريح أو تكسير عظام السندباد، فمن حق العرب أن يحلموا وأن ينجبوا أجيالا من المبدعين.
وأعلم أنه يشارك ثلاثة ممن يحبهم قلبى بغير حدود، أولهم هذا المتصوف محجوب عمر الذى وهب عمره لتحرير فلسطين وهو المصرى العربى الذى حسبت له أجهزة أمن أغلب البلدان العربية ألف حساب، فهو القادر على إيقاظ انتباه بدو الصحراء المغربية على حقوقهم، وهو القادر على تحويل ولاء بعض من قبائل البدو فى صحارى الأردن ليقدموا كل عون للثورة الفلسطينية، وهو من أقام أول حوار حول فكرة السلام تحت ظلال البنادق بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
أما الثانى فهو إسماعيل عبد الحكم من قادة التوزيع فى الأهرام،والذى استقال كى يؤسس دار الفتى العربى مع محجوب عمر.
أما الثالث فهو حجازى الرسام، وهو معجزة من معجزات البساطة المصرية التى تتقن تحويل الخط الأسود على الصفحة البيضاء إلى قصيدة من شعر تستمتع به العين فى رسوم كاريكاتورية رائعة، وآه من قدراته على الرسم الطبيعى، فهو من أذاب النيل والدلتا والصعيد فى المساحات البيضاء التى تحيط برسومه، بل تتيقظ كل من الدلتا والنيل والصعيد فى أى خط يضعه هذا الفنان وهو يرسم امرأة ريفية أو يرسم منظرا طبيعيا، فمابالك وهو يرسم كتبا للأطفال.
ولكن الحرب الأهلية اللبنانية تجبر دار الفتى العربى على حمل أصولها لتعيد تأسيس نفسها فى القاهرة. وتستمر دار النشر الفريدة فى إنتاجها، إلى أن تصاب منظمة التحرير الفلسطينية التى ترعاها بعنف الترحيل لبنان.
ويؤسس محيى اللباد مشروعه الخاص للجرافيك، أى فن تصميم المطبوعات من كتب وملصقات وغير ذلك. وما أن يشترك فى أى مسابقة عالمية حتى تأتى جائزة المسابقة إليه مستبشرة بقبوله لها.
ويكون آخر مشروعاته هو كتاب فى جريدة الذى تم تأسيسه مع اليونسكو، والذى استمر لسنوات، فى نشر إبداعات الكتاب العرب الكبار ومعها رسوم مصاحبة لفنان عربى عظيم. ألم أقل لكم أنه واحد من أكبر من غزلوا حق السندباد العربى فى امتلاك بساط ريح عربى يمرح به من المحيط إلى الخليج ؟
ولا يمكن تلخيص رحلة محيى اللباد دون أن نتوقف عند اثنين من أعظم مؤلفاته وهو ابنه أحمد اللباد الذى ورث عن أبيه عشق فنون الرسم، فأبدع وطور من أسلوب محيى اللباد ذاته.
وشاءت ظروف الحياة أن يتزوج أحمد اللباد من سها النقاش الإعلامية المبدعة فى قنوات النيل وهى القصاصة المبدعة وابنة الراحل الكبير وحيد النقاش، ولها عندى مكانة الشقيقة لإبنى شريف عامر. أما المؤلف الثانى فهو د. مصطفى اللباد الخبير بالشأن الإيرانى، وهى القضية التى لا نملك خبراء فيها بعد رحيل أستاذ أساتذة دراسة تأثير اللغات على السلوك البشرى وهو الراحل العظيم د. حسن ظاظا الذى درس جذور اللغات الشرقية بما فيها الفارسية والعربية، وطور مصطفى اللباد فهم العلاقة المتناحرة بين العرب والفرس وطبيعة الخلاف بين السنة والشيعة، حيث نظم أبناء الشيعة أنفسهم فى تنظيم هرمى يفوق فى قدراته أى تنظيم محكم، وكيف يتوه أبناء السنة بين فرق وأساليب ليس فيها اتساق الشيعة. وأتاحت الدراسة السياسية لمصطفى اللباد أن يكشف بعمق حقيقة المجتمع الإيرانى بواقعه القديم والجديد.
فى الشهور الأخيرة من حياة محيى اللباد رأى رأي العين كيف يتهرأ من جديد بساط الريح العربى فأصبح غير قادر على حمل السندباد، لأن بغداد غارقة فى دم الاحتلال، وفلسطين تتمزق بين حماس التى أنشأتها إسرائيل وبعض من أبناء منظمة التحرير احترفوا التجارة بكل شىء حتى دم بعضهم البعض. وجبال الأوراس صارت فى نزاع مع القاهرة من أجل مباراة كرة قدم. وهكذا حاصرت أشواك سقوط الحلم جسد محيى اللباد فوهن منه القلب.
لم أشارك أبناء محيى العزاء، لأن ظروفى الخاصة لم تسمح بذلك. ولكنهما يعلمان يقينا أنى واحد ممن يضغط على قلوبهم عجز السندباد على إعادة الميلاد، أو إعادة نسج بساط الريح ليعيد حمل الأحلام من فرات بغداد إلى ثلوج جبل الأوراس فى الجزائر.
الحبيب محيى اللباد إلى اللقاء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.