"مركز ترميم وصيانة الآثار" بالمتحف المصرى الكبير أول جُزء تم إنشاؤه بالمتحف, فهو عموده الفقرى وخزانة أسراره, جاء بتمويل مصرى وصُمم بنظام أمنى صارم, تم تجهيزه وفق مقاييس عالمية فتنوعت تخصصات معامل ترميمه لضمان دقة العمل به ليُعد المركز الأول للترميم فى مصر. فى زيارتى للمُتحف المصرى الكبير كان فى أستقبالى الأستاذة "منة الله طاهر" منسقة العلاقات الدولية بالمتحف أصحبتنى فى جولة رائعة داخل "مركز ترميم وصيانة الآثار" تفقدت خلالها معامل ترميم الآثار المختلفة, ولم أكن لأستطع دخول معامل الترميم بدون مساعدة فهى تعمل بنظام البصمة ومقصور دخولها على مرممى المعمل "فقط" فى نظام أمنى شديد. وشاهدت فيها المستوى المُبهر لتجهيزاتها وتفحصت الآثار عن قرب شديد لم يحدث من قبل فجاء حديثى مع مرممى المتحف وهم (شباب زى الورد) أثناء متابعتى لخطواتهم فى الترميم أمامى .وبدأنا فى حوار طويل أضاف إلى مخزونى العلمى الكثير.. بقايا آدمية يعمل مركز الترميم بالمتحف منذ عام 2009 بمجموعة عمل مميزة على رأسها "د.أسامة أبو الخير" مدير عام شئون الترميم بالمتحف, فبدأ بأجابتنى عن عدد معامل الترميم وتنوع تخصصاتها موضحاً: يوجد بالمتحف 14 معملاً؛ منهما 7 معامل مختصة ب"الفحوص والتحاليل" وفيها يتم تحليل لعينات ونواتج التلف لنحدد خطة العلاج المناسبة. و 7 معامل أخرى لإعادة الترميم وهى (معمل المواد العضوية) وهو خاص "بالبردى, العاج, العضم والجلود". وخُصص للأخشاب معمل خاص (معمل الأخشاب) رغم أنها مادة عضوية لضخامة عدد القطع القطع الخشبية فى الآثار المصرية القديمة. ويوجد (معمل المواد غير العضوية) وهو خاص "بالفخار, المعادن, الزجاج, النسيج والحلى. وخُصص أيضا للأحجاز معمل خاص (معمل الأحجار والنقوش الجدارية) رغم أنها مادة غير عضوية لعددها الكبير فمصر تتميز بكثرة النقوش الجداية. ومنه إلى (معمل الآثار الثقيلة) ومًخصص للآثار التى تزيد أوزانها عن "طن". ويوجد أيضاً (معمل المشروعات الخاصة) ومُخصص للآثار المركبة التى تضم أكثر من خامة, مثل قطعة خشب مطعمة بالأحجار الكريمة أو الصدف والعاج, فهذه القطع تحتاج معالجات خاصة. أما المومياوات فلها (معمل البقايا الآدمية) وهو خاص بعلاج المومياوات الآدمية والحيوانية مثل" طيور الأيبس" وليس ترميمها لأن المومياوات لا ترمم بل تعالج فقط. وعن التجهيزات المبهرة والمساحات الكبيرة التى شاهدتها لمعامل الترميم وبالتأكيد تختلف تجهيزات المعامل باختلاف تخصصاتها وهنا أجاب "أبو الخير": إن هناك تجهيزات عامة ثابتة وأخرى تختلف فيها المعامل, فمعامل الأوزان الثقيلة مجهزة برافعات مخلفة الأوزان لنقل الأثر داخل وخارج المعمل, ومعامل أخرى بها فلاتر لتنقيه الهواء بداخلها باستمرار من المواد الكيميائية التى تضر بصحة المرمم وأجهزة أخرى لضبط درجة الحرارة. وتختلف بالطبع أدوات الترميم باختلاف المعمل. ومركز الترميم بالكامل مبنى ومُجهز بتمويل مصرى على أعلى مستوى عالمى بتكلفة (52) مليون جنية تقريباً, وعندما يأتيه مرممون عالمون يعبرون عن إعجابهم سواء بالتجهيزات الموجودة أو بالمساحة وبصفة خاصة بالمهارة والدقة المتناهية للشباب المصرى. مواد مُسترجعة فى ظل هذه التجهيزات العالية والدقيقة التى يتميز بها مركز ترميم المتحف.. لماذا تمت الاستعانة بالمقاولون العرب لنقل تمثال "الملك رمسيس"؟ قال "ابو الخير": تمتلك الوزارة معدات نقل للأوزان التى تصل إلى (5 أطنان) والتى تُصنف "بالصغيرة والمتوسطة والخفيفة" وبالفعل نقل المركز أكثر (42) ألف قطعة بها. أما فى الآثار الثقيلة مثل تمثال "الملك رمسيس" فلا تتوافر لنقله معدات خاصة وأنه صعب التناول مثل الأعمدة والمسلات فتمت الاستعانة فى نقله بالتنسيق مع إدارة "النقل والتغليف" بالمركز. وعن الخامات المستخدمة فى الترميم والأستعانة بالورق اليابانى تحدث "أبو الخير": الخامات كلها فى البداية كانت بتمويل مصرى (وزارة الثقافة والمجلس الآعلى للآثار), أما الأن فبجانب الخامات الكثيرة التى أصبحت ُتصنع فى مصر نستورد خامات أخرى من وكلاء لشركات دولية كبرى. وعن الورق اليايانى فنستخدمه بكثرة لأنه أمن جداً على الآثر فهو ورق طبيعى ليس به أى مواد صناعية وسمكة مختلف وقوى جدا وبالتالى نستطع أن نُدعم به الآثر, والأهم أنه من المواد الإسترجاعية التى نفضل أستخدامها لانها تتيح لنا الرجوع فى خطوة الترميم السابقة فى أى وقت. كما نعمل توثيق وتأريخ دقيق جدا لكل عمليات وخطوات الترميم التى تتم لأى آثر وتوضع على قاعدة البيانات ليستطيع أى مرمم بعدنا أن يعرف الخطوات والخامات التى أتخذناها فى ترميم الاثر لتفادى ما نقع فيه الأن من حيرة فى بعض الأوقات بسبب عدم معرفة المادة او الخطوات التى تمت لترميم الآثر من قبل. إستقرار للحالة ولكن أثناء تجولى بمعامل ترميم المتحف من الملاحظ أن عدد المرممين قليل على هذا المجهود !! ويقع عليهم ضغط العمل والتحضير لأفتتاح المرحلة الأولى, وهذا الشأن أكده "أبو الخير" موضحاً: بالفعل نعانى الأن من نفص فى عدد المرممين فلدينا 56 مرمم. ولأن مهنة المُرمم لا تنتهى فقط داخل المعمل بل تظل مصاحبة للآثر حتى عمل (إستقرار للحالة) أى إستقرار عرضه فى الفتارين وعمل تهئية البيئة المناسبة له من ضبط درجة رطوبة وحرارة فاترينة العرض لللآثر وخاصة "للمومياوات", وكل هذه التفاصيل تحتاج طاقة بشرية كبيرة, لذلك قدمت الوزارة إعلان فى هذا الشأن وسيتم خلال الفترة القادمة إنتداب ما يقرب من 20 مرمم,وخلال اأسبوع وسنبدء مرحلة الإختبارات.. يُسعدنى أن يقوم بكل هذا مرممين مصريين شباب.. ولكن ما هى مرجعيتهم أو خبرتهم للتعامل مع آثار بهذه القيمة ! أوضح "أبو الخير": طبقاً لقانون الآثار المصرى وطبقاً للقاعدة العامة يتم ترميم الآثار المصرية بأيد مصرية, لذا يتم الإستعانة بخريجى أقسام الترميم بالجامعات المصرية ويتم تدريبهم بمساعدة الجانب اليابانى. فاليابان إلى جانب القروض تُقدم "دعم فنى" فى هيئة دورات تدريبية لمرممى المتحف. فمن خلال هذا الدعم تمت (103) دورة تدريبية من 2009 حتى 2016 بتمويل يابانى كان منهم (32) دورة فى الخارج وتنوعت بين (اليابان، إيطاليا ، اأنجلترا، أمريكا) والباقى فى مصر. ومنها دورات "لمجموعات عمل" من ضمنها "مجموعة التعامل مع الآثار الثقيلة" ودى مجموعة دربتها اليابان تدريب كامل. ومجموعة أخرى لم تكن موجوده بمصر سابقاً خاصة "بعمليات التغليف" وكانت على (13) دورة. وبفضل هذه الدورات التدريبية أصبح لدينا الأن "إدارة مختصة بعمليات نقل الآثار وتغليفها" على أعلى مستوى وتنافس المستوى العالمى. رمسيس يستقبل زائريه أذن تُركز معامل الترميم الأن على ترميم آثار الملك " توت عنخ آمون" فقط تمهيداً لأفتتاح المرحلة الأولى ؟ سؤال أجاب عليه "ابو الخير" بأن التركيز الأن على جزئين خاصين بأفتتاح المرحلة الأولى موضحاً: أن الجزء الأول خاص بقطع الملك "توت" فأى قطعة بأى خامة تحتاج للترميم داخل معامل الترميم الأن. أما الجزء الثانى فخاص ب (87) قطعة من الآثار ثقيلة الحجم لملوك ينتمون لفترات مختلفة ستعرض على الدرج العظيم وراء تمثال رمسيس ليكونوا فى إستقبال زائر المتحف وهو الطريق المؤدى إلى القاعتين الخاصين بالآثار "توت" على مساحة 7 الاف متر. فى ظل أن مركز ترميم المتحف يعمل منذ عام 2009 وتحوى مخازنه ومعامله للترميم الكثير من الآثار, فهل تعرض لحادثة محاولة سرقته أثناء الثورة كما حدث مع "المتحف المصرى بالتحرير"؟ رد "أبو الخير" بالنفى القاطع موضحاً: أثناء هذه الأيام العصيبة لم يتوقف العمل بالمركز يوماً واحداً ولم يتغيب أى موظف. إلى جانب أن النظم الأمنية هنا شديدة جدا عكس "متحف التحرير", فالوصول من باب المتحف إلى باب مركز الترميم فقط يمر بمراحل كثيرة وأبواب إليكترونية لا تفتح الإ بشفرات إلكترونية, إلى جانب أننا أسفل منسوب الأرض ب 10 متر يعنى المخازن بتاعتنا تقريباً تحت الأرض ومبنية داخل بطن الجبل. أذن فوجودنا هنا مع النظم الأمنية المشددة وطبيعة المكان تحد من أى محاولة للسرقة. شمع "توت" ومن معمل " الأخشاب" وأكد على ذلك المرمم "محمد الأنصارى" خريج قسم الترميم كلية آثار جامعة عين شمس بأنه من أوائل من عملوا بمعامل الترميم بالمتحف الكبير, فقد التحق بمعمل "المواد الخشبية" عام 2009 وأخد ما يقرب من 12 دورة تدريبية فى البايان موضحاً أن الترميم مهنه صعبه تحتاج لدقة كبيرة. وبسؤاله عن حالة القطع الخشبية لأثار الملك "توت عنخ آمون" قال "الأنصارى": جاءت كل قطع "توت" الخشبية المطلية بقشر الذهب من متحف التحرير وعليها طبقة شمع سميكة نعمل على إزالتها. وهذه الطبقة السميكة وضعها العالم "لوكاس" وقت أكتشاف القطع عام 1922 للحفاظ عليها من التقلبات الجوية وكانت هى المادة المتاحة حينها, ولولا هذه الطبقة لم تكن الآثار ستظل بهذه الحالة الجيدة إلى الأن . وعرضت بهذا الشكل فى متحف التحرير منذ إكتشافها إلى الأن ولكن عيب الشمع أنه مادة جاذبة للأتربة الى عملت على تغطية أو أخفاء نقوش الآثر الدقيقة. لذلك نعمل الأن على ترميمها وإزالة الشمع بدقة شديدة حتى لا يتجرح الآثر مع الحفاظ على طبقة بسيطة منه فلن نستبدله بمواد أخرى. حشرات الخشب أما إلى أى مدى يستطيع المرمم التعامل مع القطعة الآثرية بين يديه أجاب "الأنصارى" : نعمل على ترميمه باقل قدر ممكن من التدخل البشرى, فنحن لا نجمل الآثر ولا نضيف عليه, بل نحافظ على حالته ونعمل فقط على تقويته وترميمه بشكل تدعيمى فى حالة الضرورة , فمثلا القطع المكسوره التى بالكاد تتشبث بالآثر وسوف تقع نقوم بعمل "إستكمال تدعيمى" لها لسند الأجزاء المكسورة فقط لنحافظ على ثبات حالتها بشكلها الحقيقى لمده 100 سنة قادمة حتى نتيح للأجيال القادمة سهولة إسترجاع هذه المواد وأستبدالها بمواد أكثر تطوراً. كما أن هناك إصابات للخشب متعددة لا يمكن علاجها مثل (التقوس أو أنفصال الطبقة السطحية عن باقى الطبقات) مثل ما حدث مع أحدى العجلات الحربية للملك "توت غنخ آمون" وما أصاب الخشب من إلتفاف فى زوايا القطعة, وهنا يجب أن نعالج الخشب دون محاولة تقويمه وإلا سنفقد القطعة كاملة. وبالأستفسار عن أمكانية أن يتسبب الترميم فى إحداث أى اصابات للمُرمم أجاب "الآنصارى": فى معمل المواد الخشبية لا توجد أى أصابات ولكن أحيانا نجد حشرات نادرة تعيش ومتوغلة داخل طبقات الخشب المتشققة للآثر, فنغلف الآثر بخيمة معقمة مليئة بزيوت منفرة للحشرات تعمل على هروبها خارج شقوق القطعة الخشبية فتلتصق بجدار الخمية. وقد تستغرق هذه المرحلة شهور حتى نستطيع العمل بالآثر بدون حشرات حتى لا تتسبب لنا بأى أذى, وأحياناً نجد حشرات غير معروفة لدينا وحينها نستعين بزملائنا فى المعمل البيولوجى للتعامل معها. ورق يابانى وفى معمل "المواد العضوية" التقيت بالمرمم "محمد يسرى" خريج كلية أثار قسم ترميم جامعة القاهرة وقد إلتحق بالعمل بالمتحف منذ ثلاث سنوات. وبسؤاله اذا وجد المُرمم نفسه أمام قطعة أثرية مفككة تماماً ولا يوجد صورة موضح فيها أصل الآثر كيف يقوم بترميمها ؟! فأجاب: الترميم بشكل عام عملية مرهقة ودقيقة جداً, وقد تستغرق دراسة الآثر قبل ترميمه وقت أطول من الترميم نفسه قد تمتد لشهورخاصه إذا كان الآثر مفكك تماماً كقطع الحُلى مثلا وهنا تتم الدراسة قبل البدء بالإستعانة بصور لشبيه له من القترة التاريخية التى ينتمى لها الآثر. لذلك نستخدم مواد مُسترجعة وأهمها الورق اليابانى حتى نستطيع الغاء خطوة الترميم السابقة اذا إكتشافات الدراسات الحديثة شكل أخر للآثر. مثل ما دث مع بعض القطع الآثرية التى صنفها "كارتر" أنها رداء للملك "توت" ثم أكتشفنا الأن أنها غطاء للرأس. ويستكمل "يسرى" كلامه بالشرح على رداء تحت الترميم : وتوجد قطع آثرية من القماش تأتينا وكأنها تالفة تماماً ولكن بالعمل والصبر نصل بها إلى أقرب شكل لحالتها الحقيقة, مثال لهذه القطعة التى كانت فى البداية كأنها قطعة قماش محروقة وملتفة على بعضها, ولم نعرف ماهى هى حتى إستطاع زميلى بالمعمل أن يقوم بترميمها وأكتشفنا من النقوش للخراطيس الملكية عليها أنها عبارة عن رداء ملكى كتانى. وبسؤاله هل تتوافر بالمعامل كل خامات الترميم المطلوبة.. أجاب: الجانب اليابانى بيمد المتحف بالخامات بشكل مستمر وخاصة "الورق اليابانى" وقبل الإنتهاء من الكمية الموجودة, كما أننا نرسل لقطاع الآثار بالخامات المطلوبة. فهنا الخامات متوفرة بكثرة ولم يتعطل العمل يوماً بسبب عدم وفرة الخامات. •