بعد أن تجاوز التسعين من عمر حافل بالعطاء والعمل، رحل ملك القطن محمد أحمد فرغلي في السابع من مارس سنة 1987، فقدت مصر برحيله اقتصاديا بارزاً، وحكيما متزنا موضوعيا لايعرف التحامل والإسراف في الخصومة، وإنسانا يرفع راية التفاؤل في أحلك اللحظات، تلك التي تدعو إلي اليأس والاستسلام. لم تكن القرنفلة تغادر عروة جاكتته، فهي بمثابة الدليل المتجدد علي تشبثه بالحياة والأمل. وقد تعرض الرائد الكبير للعديد من المحن والأزمات، لكنه تجاوز الأزمات دائما بذلك المزيج النادر من الحب والاصرار والدأب والبساطة، فهو يراهن علي أن القادم أفضل بالضرورة، ولا بديل عن المقاومة والصمود. يقترن اسم فرغلي باشا بتمصير تجارة القطن، فبعد أن كان المحصول الأكثر أهمية في الاقتصاد المصري رهينا بتحكم الأجانب، استطاع السكندري ذو الأصول الصعيدية أن يزاحمهم ويتفوق عليهم. في قصيدته البديعة فريحة يقبض ويحصل يتحسر شاعر شعب محمود بيرم التونسي علي الخلل الجسيم الذي يحرم الفلاحين من حصاد ثمرة عملهم: القطن برده لمزراحي ولقرداحي وابن البلد يقعد حافي في بلاده يتيم وجاء فرغلي ليسهم بجهد بارز في إزاحة مزراحي وقرداحي وغيرهما من اليهود والأجانب، الذين يملكون القطن عمليا، أما جموع الفلاحين فهم أشبه باليتيم الذي يتعرض لأبشع أشكال القهر والاستغلال. كان محرك النجاح للاقتصادي المتميز هو الرغبة في التفوق علي الأجانب، للبرهنة علي أصالة المصريين وقدرتهم علي المنافسة، شريطة توافر الظروف المناسبة، وخلال سنوات محدودة، نجح فرغلي وأصبح المصدر الأول، فيا له من انجاز لاينبغي نسيانه.