كشفت دراسة حديثة تحت عنوان الإعلام الجهادى: كيف وظفت التنظيمات الجهادية وسائل الإعلام؟ عن أن المنتج الإعلامى النهائى الذي يخرج عن تنظيم داعش، يكشف عن أن التنظيم رصد مبالغ ضخمة لتمويل بعض القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، والمواقع الإلكترونية، والمجلات بهدف ترويج فكر التنظيم فى العالم من خلال 12 لغة. واعتبرت الدراسة الصادرة عن المركز العربى للدراسات أن بداية الإعلام الحقيقى لداعش كان من خلال إصدار أول صحيفة رسمية للخلافة الإسلامية، أطلق عليها اسم «دابق Dabiq»، والتى صدرت باللغتين العربية والإنجليزية، بهدف تبليغ رسالة الخلافة، وتوزيعها مجانا ضمن نطاق سيطرة التنظيم فى كل من سورياوالعراق. وأشارت الباحثة رانيا مكرم باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية التى أعدت الدراسة إلى أن المخرج النهائى الذى جاءت به «دابق» إلى أن ثمة مهنية واضحة للقائمين على اختيار تصميم المجلة، مما جعلها جاذبة للمتلقى، فيما سعى القائمون عليها إلى التركيز على أهداف التنظيم والتعريف بها، والتمهيد لفكرة الخلافة، وتجميل صورتها، فى الوقت الذى اختفت فيه آثار الدمار التى ألحقها التنظيم بمناطق سيطرته، وحل بدلا منها صور للمقاتلين تظهر شجاعتهم فى مواجهة النيران. وشددت على أنه باتت وسائل الإعلام التقليدية والحديثة سلاحا فاعلا بامتياز فى يد التنظيمات الجهادية حول العالم كما لم تكن فى السابق، لا سيما بعد أن تحولت إلى إحدى أهم أدوات الجيل الرابع من الحروب، ومعارك السيطرة على العقول والقلوب، والتأثير فى الرأى العام، التى أبدت تنظيمات جهادية إجادةً فى توظيفها لتحقيق أهدافها، لا سيما أنها أظهرت إدراكا مبكرا لأهمية وسائل الإعلام فى دعم ونشر مسيرتها الجهادية بين مريديها. ورصدت الدراسة مراحل تطور «الإعلام الجهادى» ابتداءً من «إعلام القاعدة» ذلك التنظيم الذى كانت له الريادة فى توظيف وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، وصولا إلى «إعلام داعش» الذى مثل طفرة فى توظيف واستخدام الجماعات الجهادية لوسائل الإعلام على اختلافها، بل وامتلاك استراتيجية إعلامية متكاملة. بشكل فرض واقعا جديدا للإعلام الجهادى، وفتح مساحات لبحث فاعلية هذا الإعلام ومجال وحدود تأثيره. كما حرصت جماعات الفكر الجهادى النشطة عملياتيا على امتلاك أدوات وآليات اتصال مع جمهورها ومريديها، والعمل على التواصل بغرض الحشد مع المتعاطفين أو المذبذبين. أولا: مراحل التطور - منابر المساجد والدروس الدينية: حيث اقتصرت آليات التواصل بين الجماعات ذات الأفكار الجهادية مع جمهورها من خلال الدروس الدينية فى المساجد عقب الصلوات، وفى خطب الجمعة، وقد نشطت هذه الجماعات بشكل كبير من خلال هذه الأدوات البسيطة، مستغلة تأثير الحديث عن الدين على عقول المتلقين لخطابها الدينى المغلوط، لا سيما أن ظهورها قد تزامن مع حقبة من الفقر والعوز قد اجتاحت عددًا من دول المنطقة، قبل ظهور الطفرة النفطية. - المنشورات السرية: وذلك من خلال العمل على إصدار صحف ومجلات محدودة الانتشار هى اقرب للمنشورات، توزع بحرص على المتلقين، وكذلك من خلال انخراط أعضاء هذه الجماعات والمحسوبين عليها فى أنشطة اجتماعية خدمية للمجتمع المحلى الذى تنشط فيه، بهدف حشد متعاطفين ومؤيدين قاعدين – أى لا يمارسون الجهاد المسلح، ولا ينتظر منهم الانخراط فيه- لها. - ترشيد التوظيف الإعلامي: وقد كان أول ظهور لاستراتيجية إعلامية ذات ملامح واضحة لتنظيم أو جماعة جهادية، خلال عام 1988، عندما اتخذ زعيم تنظيم القاعدة قرار إنشاء «إدارة إعلام القاعدة»، التى أطلق عليها فيما بعد اسم «الجناح الإعلامي» للتنظيم، والتى عنيت فى هذا الوقت بإصدار البيانات الصادرة عن قيادات التنظيم، وتعميمها على مختلف معسكراتها. - الاستعانة بشبكة الإنترنت: كان سبق الظهور الأول لجماعة جهادية على شبكة الإنترنت من نصيب تنظيم القاعدة، من خلال منتديات جهادية كبرى أنشأتها قيادات التنظيم، كوسيلة لنشر أفكار التنظيم فى الفضاء الإلكترونى، والتغلب على التضييق الذى بات يعانيه التنظيم على الأرض، كما أنشأ التنظيم مؤسسة «الأندلس للإنتاج الإعلامي» عام 2009، ثم مؤسسة «السحاب للإنتاج الإعلامي» وشركة «الكتائب». - الاتجاه إلى الإعلام المرئى: وذلك من خلال توزيع مقاطع الفيديو لقادة تنظيم القاعدة على القنوات الإخبارية حول العالم، مثل قنوات «abc» و«nbc» الأمريكية و«الجزيرة» القطرية. فيما مثل بث مقاطع فيديو لأحداث 11 سبتمبر أعدها التنظيم، منعطفا مهما فى هذا الإطار، حيث توسع الأخير فى تصوير عملياته وبثها على قناته الخاصة على شبكة الإنترنت «فجر». - الجهاد بدون قائد: وهو مفهوم حديث أسهم فى انتشار القيادى فى تنظيم القاعدة «أبو مصعب السورى» الذى اقترح الجهاد المنفرد عبر الإنترنت دون قيادة، من خلال مؤلف له نشر على الإنترنت بعنوان «الاستراتيجية اللا مركزية للجماعات الجهادية» لتلافى أثر انهيار التنظيمات بمقتل قياداتها، فيما مثلت شبكات التواصل الاجتماعى منطلقا مناسبا لهذه الفكرة، لاسيما مع ظهور العديد من الحسابات والصفحات التى تعبر عن الجماعات الجهادية تحمل العديد من أسمائها. وفى هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن؛ ثمة مسارين أساسيين لا بد من فهمها للوقوف على مدى قدرة أى تنظيم جهادى على الاستخدام الأمثل لوسائل الإعلام المختلفة؛ الأول: يأتى من منطلق رؤية كمّية لاستخدام التنظيم للإعلام، فعلى سبيل المثال، يلاحظ أن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» قد وظف سبعة أذرع إعلامية لبث رسالته حول العالم، تتنوع بين القنوات الفضائية والإذاعات والصحف ومكاتب الاتصال على الأرض، والثانى، يتمثل فى ارتباط الوسيلة بالنص المستخدم والهدف المرجو بلوغه، حيث يلاحظ استعانة التنظيمات الجهادية كافة ببعض النصوص الدينية ونزعها من سياقها لتوظيفها فى تبرير ما يمارسونه من عنف، الذى يهدف منه بث روح الرعب والرهبة فى نفس المتلقى، تمهيدا للاستحواذ عليه إما إقناعا أو رضوخا. وقد حددت دراسة نشرتها مؤسسة «أبحاث الدفاع النرويجية» عام 2006 تحت عنوان «Jihadism On The Web» ثلاث فئات تستهدفهم التيارات الجهادية من خلال مواقع الإنترنت الخاصة بها: أوله؛ ما يسمى وفقًا للدراسة ب«المجاهدين القاعدين» المؤيدين والمتعاطفين مع الفكر الجهادى، ويكون غالبيتهم من الشباب وغالبًا ما يكون الهدف هو التواصل معهم واستمرار الحصول على دعمهم وولائهم. وثانيها؛ الرأى العام ويكون الهدف مع هذه الفئة التأكيُد على نفوذ التنظيمات الجهادية فى المجتمع إما بغرض حشد التأييد أو التخويف من مواجهتها. وثالثه؛ جمهور الخصوم من أجهزة الدولة ومؤسساتها ومؤيديها بهدف إضعاف موقفها والتأثير على هيبتها وإظهارها بمظهر العاجز فى مقابل قوتها. كان سبق الظهور الأول لجماعة جهادية على شبكة الإنترنت من نصيب تنظيم القاعدة، من خلال منتديات جهادية كبرى أنشأتها قيادات التنظيم. ثانيا: نموذج توظيف تنظيم «داعش» لوسائل الإعلام مثل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» طفرة جديدة من توظيف الجماعات الجهادية لوسائل الإعلام، نظرا لما أبداه من حرفية عالية فى هذا التوظيف سواء فى وسائل الإعلام التقليدية أو الحديثة، بهدف الحصول على تأييد أوسع والنجاح فى تجنيد عناصر جديدة لاسيما من فئة الشباب، وهى الفئة الأكثر استخداما لوسائل الإعلام الحديث على اختلافها، والأكثر تأثرا بمحتواها. فمن خلال ملاحظة المنتج الإعلامى النهائى الذى يخرج عن التنظيم، يمكن القول بأن الأخير قد رصد مبالغ ضخمة لتمويل بعض القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، والمواقع الإلكترونية، والمجلات بهدف ترويج فكر التنظيم فى العالم من خلال 12 لغة. فيما كانت البداية هى إعلان التنظيم عن إصدار أول صحيفة رسمية للخلافة الإسلامية، أطلق عليها اسم «دابق Dabiq»، والتى صدرت باللغتين العربية والإنجليزية، بهدف تبليغ رسالة الخلافة، وتوزيعها مجانا ضمن نطاق سيطرة التنظيم فى كل من سورياوالعراق. ويشير المخرج النهائى الذى جاءت به «دابق» إلى أن ثمة مهنية واضحة للقائمين على اختيار تصميم المجلة، مما جعلها جاذبة للمتلقى، فيما سعى القائمون عليها التركيز على أهداف التنظيم والتعريف بها، والتمهيد لفكرة الخلافة، وتجميل صورتها، فى الوقت الذى اختفت فيه آثار الدمار التى ألحقها التنظيم بمناطق سيطرته، وحل بدلا منها صور للمقاتلين تظهر شجاعتهم فى مواجهة النيران. ويأتى هذا التطور النوعى فى نشاط «داعش» الإعلامى المتمثل فى إصدار «دابق»، وسط تطورات أخرى مثل الحديث عن إمكانية تغيير اسم التنظيم من «الدولة الإسلامية فى الشام والعراق» إلى «الدولة الإسلامية»، والإعلان عن «خريطة الخلافة الإسلامية» و«جواز سفر داعش» و«وثيقة غير كافر» وظهور «أبو بكر البغدادى أمير التنظيم»، فى الوقت الذى تشغل فيه تطورات «داعش» على الأرض مساحة واسعة من الإعلام العربى والعالمى، وتستحوذ على اهتمام الرأى العام، تحقيقا لما يسعى إليه التنظيم، الذى يعتمد على التأثير فى الرأى العام من خلال حرب إعلامية يبث من خلالها الرعب فى نفوس المواطنين، لحثهم على الاستسلام لحكمهم أو للنزوح بعيدا عنهم، من جانب، وحشد التأييد من أوساط المتعاطفين والمؤيدين لما يروجه التنظيم من أفكار، وما يعرضه من بطولات، وهو ما يلاحظ من خلال الفيديوهات التى يبثها التنظيم على وسائل التواصل الاجتماعى، وكذلك الصور التى تعرضها مجلة «دابق» والتى تظهر عناصر التنظيم أبطالا فى مواجهة النيران لإعلاء كلمة الله والجهاد فى سبيله.. وإلى جانب الإصدارات المطبوعة، وظف التنظيم الإعلام المرئى والمسموع لخدمه أهدافه الترويجية، فعمل على إنشاء أذرع إعلامية له، منها: ستديو «أجناد» حيث يتم فيه تسجيل الأناشيد الدينية والجهادية، المصاحبة لمقاطع الفيديو المصورة لعمليات التنظيم. وقناة «الفرقان» وتم تأسيسها بدعم من تنظيم القاعدة. وقناة «الاعتصام» التى تختص ببث المعارك فى سورياوالعراق من خلال عدد من المراسلين. وقناة «الحياة»، المتخصصة فى إجراء الحوارات التليفزيونية مع قيادات التنظيم، وعمل مونتاج للفيديوهات التى تصور عمليات قتل المختطفين التى يقوم بها التنظيم. بالإضافة إلى قنوات موجهة للولايات المتحدةالأمريكية، حيث نجح التنظيم فى السيطرة على بعض القنوات الفضائية فى العراقوسوريا. إلى جانب إذاعة «البيان» التى يتم بثها فى الموصل والأنبار فى العراق، والرقة فى سوريا وعلى شبكة الإنترنت. وفى إطار استعانة التنظيم بوسائل الاتصال الحديث وشبكة الإنترنت، يشير نشاط التنظيم على شبكات التواصل الاجتماعى، إلى امتلاك التنظيم لاستراتيجية تسويق إلكترونى على درجة عالية من التنسيق والتخطيط، ووجود فريق عمل إعلام اجتماعى، ويمكن القول بأن استخدام «داعش» لمواقع التواصل الاجتماعى إنما يتم من خلال عدد من الآليات، أولها: الحساب الرسمى للتنظيم، الذى يبث من خلال التسجيلات الخاصة ببيانات التنظيم، وثانيها: حسابات المناطق التى يفرض سيطرته عليها، ويتم من خلالها بث فيديوهات حية ومسجلة للتطورات على الأرض فى هذه المناطق، وثالثها: الحسابات الخاصة بمقاتلى التنظيم، التى يهدف من خلالها هؤلاء نشر تجاربهم الشخصية فى القتال بين صفوف التنظيم. كما تطرح الكيفية التى يظهر بها تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) فى الفيديوهات الخاصة به وعبر حساباته على «فيس بوك» و«تويتر» و«يوتيوب» العديد من التساؤلات حول إمكانات التنظيم الإعلامية ومستوى حرفية كوادره، نظرا لاهتمام التنظيم بتقنيات وزوايا التصوير وجودة الصورة، بشكل يدل على وجود متخصصين فى هذا المجال بين عناصره، وأن ثمة استراتيجية إعلامية يسعى لتنفيذها القائمون على التنظيم، لا سيما بعد إنشائه لمركز إعلامى أطلق عليه اسم «مركز الحياة الإعلامي»، وتشكيله لوزارة خاصة به فى العراق، تولاها عضو التنظيم محمد العدنانى، الذى تم استهدافه وقتله فى محافظة الأنبار العراقية، بعد ذلك. رصد داعش مبالغ ضخمة لتمويل بعض القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، والمواقع الإلكترونية، والمجلات بهدف ترويج فكر التنظيم فى العالم من خلال 12 لغة. ثالثا: تجنيد النساء: تناقض الفكر والممارسة بات لافتا للنظر تنامى ظاهرة تجنيد النساء وانضمامهن للجماعات الإرهابية وانخراطهن فى العمل الدعوى والإعلامى لهذه الجماعات، إلى جانب قيامهن أيضا بأعمال خطرة واشتراكهن فى القتال، وقد برز تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» فى هذا الإطار، من خلال تركيزه على الترويج لفكرة أن المرأة جزء أساسى وفاعل فى دولة الخلافة التى يدعو إليها التنظيم من خلال نشر صور وفيديوهات «للداعشيات» الجديدات وهن يمارسن فنون القتال كتدريب أو يقدن عمليات الخطف والاعتقال لنساء من خارج التنظيم. تدعو هذه الظاهرة للتأمل لأكثر من سبب لعل أهم هذه الأسباب هو التناقض الذى يتعامل به التنظيم مع المرأة بشكل عام، فمن جانب يزدرى التنظيم النساء ويمارس ضدهن أقسى أنواع التمييز والعنف، من سبى واغتصاب وقتل، ومن جانب آخر يسند إلى أعضائه من النساء مهمة التجنيد والدعوة والترويج لأفكار التنظيم، فضلا عن الاشتراك فى عمليات السبى والاعتقال، فى الوقت الذى يثير فيه سلوك «الداعشيات» للحيرة أيضا من موقفهن حيال التنظيم وإقدامهن على التطوع فيه من تلقاء أنفسهن، متأثرات بالخطاب الإعلامى الذى نجح فى تجنيد الأوروبيات كما العربيات.. من الجدير بالذكر أن ظاهرة اعتماد الجماعات الإرهابية فى المنطقة على النساء قد بدأ من خلال تنظيم القاعدة، التى أصدر أول بيان إعلامى له عن البدء فى تجنيد النساء وقبول انضمامهن للتنظيم بشكل علنى عام 2003، كما أنشأ التنظيم موقعا إلكترونيا لمجلة نسائية مطبوعة أطلق عليها «الخنساء»، فى عام 2004، أشرفت على تحريرها عضوة فى التنظيم تسمى «أم أسامة»، والتى اعتقلت على يد السلطات السعودية لنشاطها فى الذراع الإعلامية النسائية للتنظيم، وهى أول إصدار نسائى خالص، إذ اكتفى التنظيم لفترة طويلة بمخاطبة النساء عبر زاوية ثابتة سواء عبر زاوية ثابتة فى مجلة «صدى الملاحم» بعنوان «حفيدات أم عمارة»، ثم عمل على إصدار مجلة ثانية وهى «الشامخة» عام 2011، وهى مجلة حاولت الجمع بين النقيضين، وهما سبل الانخراط فى الجهاد، والحياة الطبيعية للمرأة فى بيتها ومع شركاء حياتها. فى حين بدء الإعلان عن توظيف المرأة فى كتائب الجهاد الإلكترونى للتنظيم فى عام 2008، كما أصدر التنظيم بيانا إعلاميا يدعو فيه النساء إلى الهجرة إلى اليمن لمشاركة مقاتلى التنظيم نشاطهم هناك عام 2010. وقد استطاع تنظيم داعش البناء على خبرات سابقيه فى استخدام النساء كآلية للترويج لأفكار التنظيم وتجنيد أعضائه مستفيدا بالتقدم التكنولوجى الذى أتاح مزيدا من الفرص للاستفادة من وجود عناصر نسائية فى التنظيم، فتزامن بروز اسم تنظيم «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» مع إعلانه عن وجود عناصر نسائية فى التنظيم لا سيما من الأجنبيات، حيث كشف تسجيل مصور للتنظيم حمل اسم «الإصدار الفاجعة» والذى بث خلال شهر يناير 2014، عبر مواقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» و«تويتر» عن حجم الحضور النسائى فى صفوف التنظيم، وركز مقطع الفيديو على وجود خمس مهاجرات من جنسيات ولهجات مختلفة، يتهمن الجيش الحر فى سوريا باستهداف أسر مقاتلى «داعش» والاعتداء عليهن، وركز الفيديو على التحاق بعض الفتيات بإخوانهن الذكور للقتال فى سوريا، ومن بينهن الفتاة السعودية التى أثارت جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعى «ندى معيض» التى لقبت نفسها «أخت جليبيب» الذى سبقها أخاها للقتال فى تل رفعت بسوريا. ومنذ ذلك الحين توالت مظاهر تركيز تنظيم «داعش» على جهود نسائه سواء من خلال العمل الإلكترونى والإعلامى المقروء من خلال إصدارات التنظيم، والعملياتى على الأرض أيضا واشتراكهن فى أعمال العنف، التى وثقت بمقاطع الفيديو المصورة، والتى أظهرت فى أكثر من فيديو وجود مقاتلة أو أكثر من النساء فى صفوف رجال التنظيم تشترك معهم فى عمليات الذبح للرهائن، فضلا عن الصور التى تبدو فيها الداعشيات كمشرفات على عمليات اختطاف واقتياد عدد من النساء لا سيما الأيزيديات فى العراق. وقد عمل تنظيم «داعش» على إسناد جزء مهم من وجوده على الفضاء الإلكترونى إلى ما يمكن أن يطلق عليه «جيش من النساء» المنضمات إلى التنظيم، واللائى بدأ نشاطهن فى الظهور تحت اسم «المناصرات» و«المهاجرات» على مواقع «فيس بوك»، و«تويتر» وبدأت صورهن التعبيرية على صفحاتهن الخاصة تتبدل بصور للدماء والرءوس المعلقة، وعلم التنظيم، غير أن ملاحقة الحسابات المحسوبة على التنظيم والتابعة لأعضائه وإغلاقها قد دفعت إلى استخدام حسابات وهمية فى محاولة اختراق الجروبات الاجتماعية والصفحات النسائية على الفيس بوك بهدف اختراق العقول وتغيير المفاهيم، لا سيما فى أوساط الشباب البسيط والنساء سهلة الانقياد وراء الخطاب الدينى المغلوط، وذلك من خلال التركيز على الحديث عن مشكلات المجتمعات العربية، وما يعتبرونه تضييقا على المتدينين مثل إغلاق بعض المساجد، ومنع الأذان، وتغيير المناهج الدينية أو إلغائها من المدارس. ويشير الخبراء إلى أن التناقض الذى يبديه تنظيم داعش فى التعامل مع المرأة فى المناطق الخاضعة لسيطرته، غالبا ما لا تؤثر على الفئة المستهدفة من الشباب من الجنسين وعلى وجه الخصوص من الفتيات اللاتى يتطوعن بالانضمام للتنظيم، رغم ممارسات الأخير مع النساء وفتواه بشأن السبى ونكاح الجهاد وغيرها من الفتاوى المثيرة للجدل، ولذلك لعدة أسباب، من بينها أن فئة المتطوعات عادة ما ينشأن فى بيئة متشددة يغلب عليها الفكر التكفيرى والمتشدد، وهو ما يتسق مع نمط تطوع الفتيات فى المنطقة، حيث تسعى هذه الفتيات إلى اللحاق بأخيها أو زوجها أو أبيها، أو تكون ضحية المفاهيم المغلوطة وغسيل المخ عبر أجهزة إعلام التنظيم النشطة فى الفضاء الإلكترونى، والتى نجحت فى استقطاب العديد من الفتيات الأوروبيات. من خلال العرض السابق يمكن إبداء بعض الملاحظات - يمثل تنظيم «داعش» أحد أبرز ظواهر الجيل الرابع من الحروب، وأن توظيفه لوسائل الإعلام الحديثة إنما هو امتداد للاستخدام الرقمى لتنظيم القاعدة، وأن الجيل الثالث من المهاجرين إلى أوروبا وكذلك المتحولون دينيا هم الفئات الأكثر تأثرا بأفكار التنظيم، وأن نمط التجنيد الرئيسى لتنظيم «داعش» قد أصبح من خلال مواقع التواصل الاجتماعى بدلا من الاتصال المباشر الذى ساد فى السابق. - أن الإعلام ليس أداة ثانوية لدى تنظيم «داعش»، بل إنه أداة رئيسية، ضمن البنية الاتصالية التى شكلها التنظيم، حيث يوظف الأخير الإعلام ضمن استراتيجية متكاملة تتسم بالمركزية، ووفرة الأموال، فرض السيطرة على المجال الاتصالى، حيث يقوم التنظيم بتسجيل أسماء الصحفيين العاملين على الأراضى الخاضعة له، ويشترط لممارسة عملهم حصولهم على تصاريح خاصة بذلك، ومن قبل التصاريح، إعلان هؤلاء الصحفيين البيعة لأمير التنظيم. وقد استطاع التنظيم استخدام كل وسائل الإعلام لخدمة وتحقيق أهدافه، حيث القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والمجلات الورقية والإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. - لابد من التأكيد على عاملين أساسيين يتوقف عليهما مدى قدرة التنظيم على الاستخدام الأمثل للإعلام، الأول هو رؤية كمية لاستخدام التنظيم للإعلام، والتى يلاحظ منها أن الأخير قد وظف سبع أذرع إعلامية لبث رسالته حول العالم، تتنوع بين القنوات الفضائية والإذاعات والصحف ومكاتب الاتصال على الأرض، والثانى، هو ارتباط الوسيلة بالنص والهدف، حيث يلاحظ استعانة التنظيم ببعض النصوص الدينية ونزعها من سياقها لتوظيفها فى تبرير ما يمارسونه من عنف، الذى يهدف منه بث الرعب والرهبة فى نفس المتلقى.