لا تزال أصداء الاتفاق النووى الذى تم توقيعه بين إيران والقوى الكبرى ممثلة فى الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، تتردد بقوة فى مختف أنحاء العالم، وبشكل أكثر وضوحا فى منطقة الشرق الأوسط التى يبدو انها مقبلة على مرحلة جديدة من الصراعات، وبخاصة بعد أن تستفيق إيران من غيبوبة العقوبات لتنطلق كقوة اقتصادية كبرى فى المنطقة، ومن ثم كقوة إقليمية ترغب فى تولى دفة القيادة فى المنطقة. الاتفاق الذى أثار قلق الحكومات فى المنطقة عقب توقيعه، يثير العديد من الأسئلة حول النوايا الحقيقية لإيران فى المرحلة الجديدة، وبخاصة أن طهران تعتبر أن توقيع الاتفاق النووى مع الدول الكبرى هو انتصار لها، رغم ما يحتويه الاتفاق من بنود تستهدف برنامجها النووى وشروط تعوق تحولها إلى قوة نووية فى المنطقة، الأمر الذى يمنح مخاوف الدول الأخرى فى المنطقة درجة كبيرة من المصداقية فيما يتعلق بالدور الإيرانى المنتظر فى الشرق الأوسط، وخصوصا أنه يتزامن مع رغبة أمريكية فى الانسحاب تدريجيا من المنطقة ومشكلاتها المستعصية التى أرهقتها. هذا الوضع، دفع بعض المحللين إلى القول بأن تسريع الولاياتالمتحدة لعملية التفاوض، وإنجاز الاتفاق فى هذا التوقيت، يأتى فى سياق رغبة أمريكية فى منح الإيرانيين توكيلا للتحرك فى المنطقة، وتولى دور القيادة فيها نيابة عن واشنطن التى ستولى وجهها شطر مناطق أخرى لعل أبرزها الصراع مع الصين على مناطق النفوذ فى آسيا والباسيفيك، دون أن تفقد بالطبع مصالحها الاستراتيجية فى الشرق الأوسط، وفى هذا السياق يرى محللون أن الدور الإقليمى للمملكة العربية السعودية سوف ينحسر مقابل الدور الإيرانى ، بينما ينتظر أن نرى حلحلة للوضع السياسى فى العراق وأن يكون لإيران دور إيجابى فيها، كما ستلعب طهران دورا مؤثرا فى سوريا من خلال الحرب على داعش وصولا لإيجاد حلول سياسية للأزمة، وبعد ذلك سيأتى الدور على لبنان عبر تسريع اختيار رئيس الجمهورية وحل القضايا الأخرى العالقة كامتداد للاستقرار فى العراقوسوريا. وبالنسبة لليمن يتوقع أن تكون معركة عدن آخر المعارك الكبرى دفعا نحو مفاوضات الحل المقبلة. وفى المقابل، أعطى الاتفاق النووى شرعية لدور إيران فى المنطقة، بحسب عريب الرنتاوى مدير مركز القدس للدراسات، ويعزز هذا التوجه ما أورده الكاتب البريطانى روبرت فيسك فى مقالة بصحيفة «الإندبندنت»، أشار فيها إلى أن واشنطن توصلت أخيرا إلى أن الأحداث الأخيرة والصراعات الدائرة بالشرق الأوسط، تجعل من شيعة إيران رجال المنطقة الأخيار. واعتبر فيسك أنه على الرغم من التصريحات الأمريكية حول منع إيران من الحصول على سلاح نووى بموجب هذا الاتفاق، فإن طهران تسير بخطى ثابتة نحو لعب دور «شرطى الخليج» الذى طالما لعبته خلال فترة حكم الشاه الأخير. ويظل السؤال الأخطر مفتوحا: هل سيقلص الاتفاق النووى احتمالات نشوب حرب فى المنطقة؟ المثير حقا ان هذا الاتفاق ربما يكون سببا فى نشوب حرب إقليمية بدلا من أن يمنع وقوعها، ورغم محاولات الإدارة الأمريكية إقناع الجميع داخل الولاياتالمتحدة وخارجها بأهمية الاتفاق النووى مع إيران لاستقرار العالم والشرق الأوسط، فإن العديد من الخبراء والعسكريين ومسئولى المخابرات غير مقتنعين بهذا إلى حد بعيد، وهو ما تمثل فى إعلان وزارة الدفاع الأمريكية أن خيار الحرب ما زال مطروحا ويلوح فى الأفق، ويجرى الاستعداد له حاليا. ونقلت صحيفة «يو إس إيه توداى» الأمريكية عن وزير الدفاع الأمريكى آشتون كارتر قوله إن «خيار العمل العسكرى لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية لايزال قائما، رغم الاتفاق المبرم»، بينما طالب السياسى الأمريكى دينيس روس، وأحد مستشارى «أوباما» السابقين، بضرورة منح إسرائيل أسلحة استراتيجية، تمكنها من شن حرب ضد إيران فى أى وقت، مقترحا تقديم «قاذفات بى 52» القادرة على حمل أسلحة نووية تكتيكية، إلى «تل أبيب»، لضرب المواقع النووية الإيرانية إذا ما تراجعت إيران عن وعودها للعالم وبدأت فى تطوير أسلحة نووية. أما إيران .. فلا يزال أمامها الكثير لتفعله كى تثبت لدول المنطقة وللعالم أنها تتحول الآن من إيران الثورة إلى إيران الدولة التى يمكن أن تفتح صفحة جديدة من العلاقات والتعاون والشراكة الحقيقية مع جيرانها، ولكن خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله على خامنئى بمناسبة عيد الفطر بدد الكثير من هذه الطموحات، وأثار استياء العرب والولاياتالمتحدة، وعبرت مصر عن رفضها لتصريحاته، واستدعت البحرين القائم بالأعمال الإيرانى، بينما أعرب أمين عام مجلس التعاون الخليجى عبداللطيف الزيانى عن استغرابه من تناقض تصريحات القيادات الإيرانية بشأن العلاقات العربية الإيرانية، واعتبر وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى، أن تصريحات خامنئى التى أكد فيها أن إيران ستبقى فى حالة حرب مع أمريكا «مقلقة للغاية ومزعجة».