مع بداية كل عام دراسى يذهب الأطفال كل صباح إلى مدارسهم، حاملين حقائبهم، وذكريات العام الماضى بحلوه ومره، كل منهم يرى المدرسة من منظوره الخاص، بينهم من يحن لزملاء لم يروهم طوال الإجازة الصيفية، وآخرون يخجلون من حدث بعينه، وفريق ثالث يحملون «هَم» تكرار تعرضهم للتنمر، أو ما يعتبرونه قسوة الالتزام والانضباط، ولكن لن يخطر فى بالهم أبدًا أنهم فرائس محتملة لذئاب بشرية. كانت المدرسة دومًا المكان الآمن بعد المنزل، أو هكذا يفترض، ولم يتخيل أكثر المتشائمين السيناريو الذى وقع فى مدرسة «سيدز» الدولية بالعبور، لم يكن ما حدث واقعة فردية من «بيدوفيليا مختل» لكنها جريمة هزّت القلوب، وضحاياها كانوا أطفالًا فى مرحلة «كى جى 2» لا تتجاوز أعمارهم ال 5 أعوام. بدأت الوقائع تتكشف بظهور سلوك غريب على الأطفال، ومع محاولات الأهالى لطمأنتهم رددت ألسنتهم كلمات مبعثرة عن تعرضهم للاعتداء الجنسى، وفى ثوانٍ تحولت تلك الكلمات من مجرد إشارات صغيرة إلى صدمة كبرى انتابت الأهالى، الذين أدركوا حجم الكارثة. جرائم التحرّش والاعتداء الجنسى طالت 6 أطفال داخل غرفة بالمدرسة، وبمشاركة ثلاثة من العاملين، هكذا جاءت بدايات القضية التى أحدثت نوبة من الهلع لدى قطاعات واسعة من الرأى العام. ولم تكن الجريمة وحدها ما يصيب بالهلع رغم قسوتها، بل ما طال الأطفال من تهديدات، مثل القتل والحرق والإرهاب، بشكل جعلهم يمتنعون عن الكلام لفترة امتدت لنحو عام. بعد توجه الأهالى إلى إدارة المدرسة، تم تحرير بلاغات رسمية، وبدأت الأجهزة المختصة فى وزارة الداخلية والنيابة العامة على الفور فى إجراء تحقيقات موسعة، أسفرت عن ضبط عدد من المتهمين: أربعة من العاملين داخل المدرسة، بينهم فرد أمن، وثلاثة موظفين إداريين، منهم من يعمل فى الصيانة أو الكهرباء، كانوا جميعًا يعملون بالمدرسة منذ سنوات، دون أن تقوم إدارة المدرسة بإجراء أى تقييم لهم، والمفارقة أن أحدهم تم ضبطه منذ سنوات بجريمة تحرش، وتم إعادته للعمل. وتعيد هذه المأساة سؤالًا مؤلمًا لكنه ضروري: هل يلقى أطفالنا القدر الكافى من الحماية والرعاية التى يستحقونها فى المدارس؟ الحادثة لم تكشف فقط عن مجرد خلل داخل مؤسسة تعليمية، بل كشفت عن حاجة ملحّة لإعادة النظر فى منظومة الأمان داخل المدارس، وتعزيز الرقابة، وبناء بيئة تحترم براءة الأطفال وتحميهم. اضطراب ما بعد الصدمة وبالحديث عن التداعيات النفسية للأطفال الذين يتعرضون للاعتداءات فى سن مبكرة – مثل مرحلة KG2 – أكد الدكتور محمد حمودة، استشارى ومدرس الطب النفسى بجامعة الأزهر، أن هؤلاء الأطفال غالبًا ما يدخلون فى اضطراب «كرب ما بعد الصدمة المبكر» (Early PTSD)، بحيث يبدأ فى فقدان الشعور بالأمان، مستعيدًا الحدث فى ذهنه، كأنه ما زال يحدث لحظيًا. وأشار إلى أن الاعتداء قد يسبب تشوّهًا مبكرًا فى مفهوم الذات، حيث يبدأ الطفل فى الشعور بأن جسده ليس ملكه، وقد يتولد لديه إحساس بالذنب وتأنيب الضمير، وهو الأمر الذى قد يدفعه إلى الانسحاب الاجتماعي.
وأضاف «حمودة» أن هناك علامات نفسية وسلوكية مبكرة تطرأ على الطفل بعد الاعتداء، من بينها التبول اللاإرادى، ورفض التواجد مع أشخاص بعينهم، ونوبات غضب غير مبررة، إلى جانب رفض المدرسة أو رفض الذهاب إلى مكان معين. وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتقليل أثر الصدمة على الضحايا، تبدأ بإبعاد الطفل فورًا عن الشخص أو المكان الذى وقع فيه الاعتداء، كما لا يجب إجبار الطفل على الحكى تحت أى ظرف، لأن الضغط عليه يثبّت الصدمة ويزيد أثرها. وأشار إلى أهمية دور الأسرة فى هذه المرحلة، الأهل يجب أن يطمئنوا الطفل من خلال التواصل الجسدى الآمن، مثل حضن الوالدين، مع ضرورة إيصال رسالة واضحة للطفل بأن ما حدث ليس خطأه، وأنه لا يتحمل أى ذنب. خطر المحيطين وتتفق الدكتورة شيماء عبد الغنى، استشارى نفسى وتعديل سلوك، مع الدكتور محمد حمودة بأنّ أول خطوة علاجية مع الأطفال الذين يتعرضون لصدمة نفسية هى تعزيز الثقة بداخلهم، ومنحهم شعورًا بأنهم أقوياء وأبطال. وأوضحت أن تشجيع الطفل على الحكى ودعمه عاطفيًا يجعله يشعر بأنه ليس مجرد طفل هش أو غير مرغوب فيه. وأضافت أن ترك أثر الصدمة دون تدخل مناسب قد يؤدى لاحقًا إلى اضطرابات نفسية متعددة مثل الوسواس القهرى والاكتئاب والحزن.
وحذرت من أن التعامل القاسى مع الطفل، سواء باللوم أو السخرية أو التعنيف، يجعله يشعر بأنه الجانى وليس الضحية، وقد يؤدى إلى آثار بعيدة المدى، بل قد يدفع بعض الأطفال فى المستقبل إلى ممارسة سلوكيات عدوانية شبيهة. ونوّهت إلى ضرورة تعزيز التربية الجنسية للأطفال منذ مرحلة ما قبل المدرسة، وتعريفهم باللمسة الآمنة واللمسة غير الآمنة، وتوعيتهم بالأماكن الخاصة التى لا يجوز لأحد لمسها تحت أى ظرف. وفى سياق الحديث عن بناء خطة علاج نفسية متكاملة للأطفال، أكدت أن 50 % من العلاج يعتمد على توفير بيئة آمنة داخل الأسرة تتيح للطفل تفريغ مشاعر الخوف والحزن والألم الناتجة عن التجربة. وأشارت إلى أن الخطوة التالية تتمثل فى اتخاذ إجراء قانونى واضح، وأن يرى الطفل بنفسه أن المعتدى قد حصل على عقابه. ونبّهت إلى أن غياب الدعم الأسرى يجعل الجريمة مترسخة فى ذهن الطفل، ولا تتلاشى مع الزمن لأنها لم تُعالج من جذورها. وأكدت على ضرورة تقديم دعم نفسى مباشر للطفل وتشجيعه، ووضع خطة تأمين نفسى بحيث يكون معه شخص بالغ موثوق فى الأماكن التى قد تحمل خطورة، وعدم تركه فى بيئات غير آمنة. كما أشارت إلى أهمية مراقبة الأصدقاء والمقربين، لأن الدراسات أثبتت أن نحو 70 % من المعتدين على الأطفال يكونون من الدائرة المحيطة بهم، سواء من الأقارب أو المعارف. وشددت على ضرورة أن تمارس الأسرة دورًا رقابيًا إلى جانب دور المدرسة، خاصة أن بعض الحوادث – كما فى الواقعة الأخيرة – كان مرتكبوها من المفترض أنهم مسئولون عن تأمين الأطفال داخل المدرسة. منظومة حماية الطفل من جانبها أكدت أمل جودة، المحامية والمدربة فى مجال دعم وحماية حقوق الطفل، أن اتفاقية حقوق الطفل التى صدّقت عليها مصر تلزم الدولة والمؤسسات التعليمية بحماية الأطفال من جميع أشكال العنف والإساءة والاستغلال، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تحترم كرامة الطفل، إلى جانب ضمان حصول الطفل على الدعم النفسى والقانونى بعد تعرضه للإيذاء. وأشارت إلى أن المسئولية الجنائية تقع مباشرة فى مثل هذه الحالة على الجناة، لكن المؤسسات التعليمية تتحمل مسئولية إدارية، إذا ثبت التقصير فى الإشراف على العاملين، أو تأمين البيئة المدرسية، أو التعامل مع الشكاوى ومؤشرات الخطر، أو تنفيذ سياسات وإجراءات الحماية. وشددت على أن خطورة الموقف تتضاعف مع الكشف عن وجود معلومات حول أن أحد المتهمين فى واقعة مدرسة «سيدز» سبق اتهامه فى واقعة تحرش داخل المدرسة وتم فصله لمدة عام ونصف العام، ثم عاد للعمل، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الإدارة بإجراءات الرقابة. وأوضحت «جودة» أن صدور 18 قرارًا وزاريًا من وزير التربية والتعليم بعد الواقعة، يعكس وجود خلل تشريعى، أو ضعف فى اللوائح، أو عدم تغطيتهما لكل التفاصيل، كما يشير إلى وجود فراغ تشريعى حقيقى فى منظومة حماية الطفل داخل المؤسسات التعليمية. وشددت «جودة» على ضرورة ضمان عدم تعريض الأطفال لأى ضغوط نفسية أثناء التحقيقات، والاكتفاء بالتسجيلات المصورة لتجنب إعادة الإيذاء، مع سرعة إعلان نتائج التحقيق بشفافية واحترام خصوصية الضحايا، وعدم تكرار مثولهم أمام قاضى التحقيق، وتوفير الحماية القانونية الكاملة لهم.