يعبر اختيار اسم رأس الأفعى للمسلسل المعروض حاليا عن حالة خاصة حول جماعة الإخوان المسلمين، إذ يعد اختيارا موفقًا إلى حد بعيد، وربما لم يستغرق اختيار الاسم وقتًا طويلا خاصة لدى أولئك الذين يفهمون الجماعة وسلوكياتها منذ نشأتها إلى الآن. آلية التخفي واستثمار الظهور يجيد الكثير من الأفاعي الخطيرة آلية التخفي، انتظارا للانقضاض على فريستها، أو كوسيلة دفاعية تبتعد فيها عن أنظار مفترسيها واعدائها، وهي آلية طبيعية في الكائنات الحية التي تعيش في الغابات والأحراش، وربما كانت أيضًا آلية جيدة يستثمرها البشر في وقت الحروب، وهي ظاهرة محمودة إذا كانت في أطرها الشرعية التي تسعى للخير، لكن في الجماعات السرية الباطنية، لا يمكن أن يكون الهدف منها غير الشر والشر المطلق. كل الجماعات والأحزاب السياسية الشريفة تلجأ أحيانا لاستخدام هذه الآلية، آلية التخفي المشروعة، التي تأتي في إطارها الطبيعي الذي يسير وفقًا للمناورات السياسية القائمة على التنافسية من أجل تحقيق أهداف سامية، لكن ما ليس محمودًا فيها هو استخدامها في الشر، وليس هناك أشر من التلون والعمل السري الخفي الذي يكره النور، فالجماعات المشروعة والأحزاب الشريفة تفرح بالعمل العلني وتطرح مشروعاتها وآليات تنفيذها قي العلن ومن ثم يسهل تفاعل الجماهير معها. أما العمل الباطني فيظل هدفا للهدم لا للبناء. لكن جماعة الإخوان المسلمين ليست من هذا النوع العلني الشرعي، إنها جماعة خلقت من أجل العمل السفلي الباطني، تكره العمل في العلن، تربي أتباعها منذ الصغر على أن العمل العلني سوف يحرقهم ويحرق أهدافهم ولذلك لم يكن الكثير يعلمون شيئا عن جماعة الإخوان قبل وصولها للسلطة في مصر غير أنها جماعة دعوية تسعى للعمل الخيري من خلال جمعياتها وشركاتها المنتشرة في طول البلاد وعرضها، وعندما كنت تسأل البسطاء عن الجماعة لم تكن تسمع منهم غير أن هذه الجماعة "بتوع ربنا" لا لشيء إلا أن ما تعلنه غير ما تخفيه، فكانت هذه الصورة هي التي يروج لها إعلام الجماعة وقادة الرأي داخلها في جميع الأوساط. الكثير من الذين يعرفون الجماعة جيدا ويفهمومنها كانوا يعانون كثيرا في إثبات مخاطر الإخوان المسلمين ومساوئها، قبل وصولها للسلطة، لأن الاحتكاك الفعلي والعملي لها بالشارع كان غامضا، لم يكن بالوضوح الذي ظهر بعد ذلك ليتعرف عليها الجماهير المخدوعة فيها، فالجماعات السرية الباطنية حينما تظهر للعلن فإنها حتمًا ستحترق، لأنها لا تجيد سوى الهدم، أما البناء فهو اختبار صعب للغاية لها، فقد ظلت جماعة الإخوان تلعب في الخفاء لما يقرب من 90 عاما وحينما جاءت لحظة للظهور العلني والوصول للسلطة كان هذا الحدث مفاجأة للجماعة، فها هي قد وصلت لما تحطط إليه طيلة حياتها، لكنها لم تكن تعرف ماذا بعد.. ماذا بعد الوصول للسلطة، فالجماعة لا تجيد سوى الهدم فقط، هدم الأنظمة وتشويهها، فلم يكن لديها مشروع بالفعل لما بعد الوصول للسلطة. لقاء خيرت الشاطر ظهرت تلك الأزمة في اعتراف شهير للمراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر خيرت الشاطر في اللقاء الذي جمعه مع مجموعة من النشطاء والإعلاميين بعد أسابيع قليلة من وصول الجماعة للسلطة وكان ذلك في أول أسبوع من شهر رمضان، حينما اعترف أن الجماعة، ليس لديها مشروع لما بعد الوصول للسطلة وقال حينما سئل عن مشروع النهضة: الإعلام فهم مشروع النهضة خطأ، فليس لدينا مشروع جاهز، نحن فقط ننتظر مشروعات المتخصصين من الشعب وسوف نختار أفضلها ثم نعرضها على الناس. شكل ذلك التصريح أزمة كبيرة داخل الجماعة وخارجها خاصة أنها جاءت بشكل عفوي لم يكن الشاطر يتخيل أنها ستصل للجماهير بهذه السرعة الكاشفة التي فضحت الجماعة وأوضحت أنها لا تملك مشروعا للبناء. محمود عزت.. ثورة التخفي منذ اللحظة الأولى لمسلسل رأس الأفعى كان التركيز على ظاهرة التخفي، ويعتبر محمود عزت نموذجًا مثاليا لتطبيق تلك الظاهرة، إذ ظل الرجل قرابة 4 أعوام في السرداب لا يعرف أحد من أعضاء الجماعة أين الرجل هل هو داخل مصر أم خارجها، سوى عدد محدود جدا من المقربين منه، رغم أنه كان يدير الجماعة من خلال (الأبواب) التي يفتحها ويغلقها ويختار شخوصها متى يشاء وكيف يشاء، وظاهرة (الباب) معروفة في أدبيات الجماعات الباطنية، تمثلت تلك الظاهرة في عدد من المشاهد التي تجمع عزت بأفراد من قيادات الجماعة وإلحاحه الدائم على أن يكون ذلك اللقاء سريا لا يعرف أحد عنه شيئا. الظهور الأزمة وفي ليلة من ليالي يونيو 2016، وبنبرة حاولت استعادة هيبة مفقودة، بثّت المنصات التابعة لجماعة الإخوان تسجيلًا صوتيًا هو الأول لمحمود عزت منذ اختفائه في 2013. كانت الرسالة مقتضبة لكنها حادة؛ أعلن فيها وجوده داخل مصر، مشددًا على أن "السمع والطاعة" يجب أن يظلا للقيادة التاريخية (الحرس القديم)، طالب فيها القواعد الالتزام بالبيانات الرسمية الصادرة عنه وعن الأمين العام محمود حسين فقط. لم تكن الرسالة طوق نجاة، بل كانت "رأس الأفعى" التي لدغت ما تبقى من تماسك الجماعة. فبدلًا من لم الشمل، فجرت بركانًا من الغضب لدى جبهة الشباب والقيادات الوسيطة الذين اعتبروا التسجيل محاولة "وصاية" من رجل يعيش في عزلة عن واقع الشارع وما حدث لشباب الجماعة وهو ما دفع عصام تليمة مدير مكتب يوسف القرضاوي وقتها للقول بأن قيادات الجماعة تعمل بشكل (مزاجنجي) وهو ما تسبب فيما وصلت له حاليًا. وأضاف: "قيادات الإخوان فشلوا فى إدارة التنظيم، فكيف لهم أن يديروا ثورة؟"، مشيرًا إلى أن الجماعة مختطفة من قبل مجموعة أشخاص بعينهم داخل التنظيم. حين تتحول الوثائق إلى كادر درامي يأتي مسلسل "رأس الأفعى" المعروض حاليًا ليعيد رصد تلك اللحظة بكاميرا سينمائية، كاشفًا عما وراء "المايكروفون" الذي سجل فيه عزت رسالته. ينجح المسلسل في تجسيد الحالة النفسية ل "عزت" وهو يدير التنظيم عبر "الرسائل المشفرة". يظهر العمل الدرامي كيف كان عزت يرفض أي نصيحة بالانفتاح على الجيل الجديد، مصورًا إياه كشخصية "صدامية" ترى في الشباب مجرد وقود للمواجهة، بينما يحتفظ هو بمفاتيح المال والقرار.