لعل سوء حظ الشاعر الراحل «كامل الشناوى» فى حياته العاطفية كان من حُسن حظنا، هذه ليست سادية متلقٍ، ولكنها اعتراف بالحق بأنه لولا الألم الذى عاشه «الشناوى» فى حكاياته ما كنا قرأنا ثم استمعنا إلى عدد من أروع القصائد التى أنتجت فى العصر الحديث والتى تبدو كما لو أنها كتبت بروح هذا الشاعر قبل عقله وبدموعه قبل قلمه وبآلامه قبل مفرداته. «كامل الشناوى» لم يكن شاعرًا عاديًا، لم يشبه أحدًا على الإطلاق، لا أبناء جيله ولا شعراء الأجيال السابقة أو التالية له، كانت كلماته وتعبيراته وتشبيهاته تأتى من عالم آخر، عالم خاص جدًا، صنعه «كامل» لنفسه ولكلماته، كنا ندخل هذا العالم الخاص بمنتهى السهولة، نندمج مع القصة التى تروى فى أبيات، نرى فيها الحكاية بأعيننا قبل أن نسمعها أو نشعر بها. فالحالة الوصفية عنده لم يكن لها مثيل، من تشبيهات وصورة ولغة حوار أو «مونولوج» يميز قصائده عن غيرها.. ومن هنا كنا نعيش بداخل قصيدة «كامل» السينمائية.. لتصبح قصائد مثل (لا تكذبى، حبيبها، لست قلبى) تبدو كما لو أنها أفلام لها قصة وأبطال وزمان ومكان ومخرج هو ذاته المؤلف الجالس خلف الكواليس ليصنع لنا تلك الروائع. فى قصائد «كامل الشناوى» نجده يخاطب كل وأى شىء، فتأتى قصائد يتحدث فيها لحبيبته: «كونى كما تبغين لكن لن تكونى لى».. وفى قصيدة أخرى يحاور حبيب الحبيبة: «لست وحدك حبيبها.. حبيبها أنا قبلك وربما جئت بعدك»، وفى قصيدة ثالثة يسأل قلبه فى استجواب طويل: «هل تحبها؟ وإلى الآن لم يزل نابضًا فيك حبها»؟ كانت قصائد «كامل الشناوى» العاطفية لا تقل فى ثوريتها عن قصائده الوطنية، فهو هنا يحاسب ويتهم، وأحيانًا يعاقب ويوبخ ويحرض على التمرد.. لكن عنوان كل تلك القصائد هو الكرامة والعزة والاعتزاز بالنفس وهو ما ميز «كامل الشناوى» عن غيره، «أنا الشعب لا أعرف المستحيلا ولا أرتضى بالخلود بديلا»، فهو لا يرضى بالقليل ولا يغفر لمن يؤذيه ولا يهين نفسه حتى وإن كان يعيش فى عذاب ما بعده عذاب. فى الخمسينيات وبينما امتلأت دواوين الشعر بالأبيات العذبة الرومانسية، التى يذوب فيها الشاعر فى عشق حبيبته، أو يصف عذابه من فراقها، كان شعر «كامل الشناوى» يثور ويتمرد، وحبه رغم ما به من ألم لا يعرف الذل أو الخنوع.. لقد اتخذ من المواجهة سلاحًا، فهو لا يهرب ولا يخون نفسه، ومن هنا يأتى اندفاع «كامل» فى قصائده، فهو فى حوار مع قلبه طوال الوقت، يلقى أمامه بالحقائق المرة، ويحثه على التوقف عن هذا الحب: «كيف يا قلب ترتضى طعنة الغدر فى خشوع وتدارى جحودها فى رداء من الدموع» وتصل المواجهة فى هذه القصيدة الاستثنائية (لست قلبى) لذروتها عندما يقول للقلب: «لست قلبى وإنما خنجر أنت فى الضلوع».
نفس الأمر فى قصائده الوطنية، ففى شعره عن الحرية والعدالة والانكسار الاجتماعى، يمتزج الهم العام بالهم الشخصى، وتتحول القضايا الكبرى إلى أسئلة وجودية. وهذا الاختلاف كان عنصر تميز لافتًا، خاصة فى زمن اتجه فيه الشعر السياسى إلى المباشرة والدعاية والتعبئة. لم يكن «كامل الشناوى» شاعرًا استثنائيًا فقط، لكنه كان أيضًا كاتب مقالات سياسية وصحفيًا من العيار الثقيل. التحق مبكرًا بعالم الصحافة، الذى كان بوابته الواسعة إلى التأثير الثقافى والسياسي. كان أسلوبه يشبه شعره، يجمع بين السخرية والدقة واللغة السلسة، مع جرأة واضحة فى التعبير عن رأيه. «كامل الشناوى» كاتبًا وشاعرًا كانت رسالته هى التمسك بالكرامة والدفاع عن الكبرياء وشحن النفس بالعزة وإن كان الاعتراف بالهزيمة والانكسار وحجم الألم والنزيف الداخلى هو إطار معظم قصائده إلا أن هذا الاعتراف لم يأت إلا لمحاولة التعافى والتخطى والنهوض من جديد.. الاعتراف الكامل كان من أجل البحث الصادق عن إجابات ترضى العقل وتحترم المشاعر وتهدئ أوجاع القلب، ووجهة نظره كانت حاسمة وقاطعة، الغدر والخيانة ونكران المشاعر لا يمكن أن يكون فى مقابلها حب وإخلاص وانتظار.. القول الفصل لمن يرفضون الحب هو محوهم من القلب وإن اعترض القلب أو ظلت المشاعر والروح معلقين بحب زائف، يبدأ «كامل» فى محاسبتهم حسابًا عسيرًا. قصائد «كامل الشناوى» عكست جانبى شخصيته، فهو الشاعر العاشق الذى يكتب من جرحه، والمواطن المثقف الذى يتألم على وطنه.. تأثير «كامل الشناوى» لم يكن فقط على الجمهور ممن عشقوا مقالاته وقصائده، ولكن أيضًا على أجيال من الكتاب الموهوبين فى الشعر والأدب والذين قدم لهم الرعاية والدعم عندما كان يتولى الأبواب الثقافية فى مختلف المجلات والجرائد.. ومن شدة تأثيره المتواصل حتى اليوم بعد مرور ستة عقود على رحيله فى عام 1965، أنه لاتزال تصدر عنه كتب وأبحاث، وتكتب المقالات، ويملأ الحديث عنه السمع والأبصار، وتتردد قصائده الوطنية لتشعل مشاعر الانتماء والحماس وقصائده، العاطفية لتؤنس وحدة العشاق المنهزمين الذين يجدون فى كلماته كل معانى القوة والتحدى. «كامل الشناوى» لم يرحل وهو مهزوم ومنكسر من خيبات الحب، لقد كان أقوى من الحب وتمكن من أن يقتله بكبريائه دون أن يترك لمشاعر خذلانه والخيانات والطعنات التى تلاقاها أن ترديه قتيلاً أو شهيدًا للحب.