غدًا تحل الذكري الأربعون لرحيل جمال عبدالناصر الزعيم الأسطورة بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء ولعل أكثر ما يحير هؤلاء الأعداء ان عبدالناصر هو التجسيد الحي لفكرة الموت وكيف أن بعض القادة لا يموتون بالمعني المعروف، أي تختفي سيرتهم بعد صورتهم اختفاء تاما برحيلهم عن هذه الحياة، وأكبر دليل علي أن الموت لم يغيب عبدالناصر انه مازال يشغل آلاف الصفحات من كتب إلي جرائد وملايين الكلمات عبر شاشات التليفزيون وموجات الأثير في العالم. وفي اعتقادي فان أهم اسباب "استمرار" عبدالناصر حيًا هو انه كان يحمل حلما نبيلا ويسعي إلي تحقيقه للنهوض بالشعب المصري والعربي. وأد هذا الحلم كان الهدف الرئيسي للحملة المفزعة التي هبت عقب رحيل الرجل الذي ترك الدنيا "ورصيده" في البنوك بضع مئات من الجنيهات أي العملة المحلية والعملة المحلية فقط، وعشرات الملايين من البشر الذين ذرفوا من الدموع في وداعه ما يكفي لحفر نهر. ومن أخبث جوانب هذه الحملة التي هدفت إلي "تكفير" المصريين خاصة والعرب عموما بل وكل الشعوب المتطلعة إلي الحرية والكرامة الوطنية بكل مكونات الحلم الناصري كان محاولة تفتيت الاجماع الوطني، نفاذا إلي ضرب الوحدة الوطنية في مقتل واذكر انني كنت مع زوجي الراحل الكاتب "علي الشوباشي" في ضيافة الراحل الكبير محمود السعدني في نادي الصحفيين علي ضفاف النيل مع جمع من اصدقائه ومنهم رجال أعمال وكذلك الخبير الأمني المشهور اللواء فؤاد علام كان ذلك عام 1998 وكنا قد عدنا لتونا من إقامة دامت أكثر من ربع قرن في فرنسا وتطرق الحديث إلي أحوال البلد فقلت انني أشعر بالفزع لأنني لمست "فرزا طائفيا في الشارع المصري" تعالت أصوات تتهمني بالمبالغة وبعضها يري انني "أتوهم؟!" أمورا لا وجود لها فإذا باللواء علام بعد صمت دام لحظات يقول: فريدة عندها حق! استبشرت خيرا وقلت بما أن هذا الخبير القديم المحترم يوافقني الرأي فإذا كيف أن اجهزة الدولة تعي الخطورة وستعمل علي احتواء هذا التوجه الخبيث المستتر خلف شعارات براقة تسللت إلي نسيج المجتمع وعقول ابنائه منذ سبعينات القرن الماضي لدرجة غيرت وجه الشارع المصري ولكن الظاهرة تسارعت بصورة ملفتة وقيل تارة إن وراءها أموالا خليجية وبأفكار شديدة التزمت والانغلاق ترفض أي حوار وتشيع مقولة السمع والطاعة العمياء. وتارة أخري أن الدولة مستريحة لهذا الوضع الذي يشغل الناس بقضايا هامشية أو زائفة ويبعدهم عن التفكير فيما تقوم به الحكومات المتعاقبة من بيع للقطاع العام وبروز أثرياء يضاهي بعضهم أثرياء أمريكا في الوقت الذي تتفاقم فيه الصعوبات المعيشية اليومية وتتردي المرافق العامة وغير ذلك كثير لكن الأخطر وقد كتبت ذلك وكتب غيري ننبه إلي كارثة بث بعض عبارات في المناهج التعليمية تقود مباشرة إلي ما نراه الآن علي الساحة من شحن طائفي وعبث بالأمن القومي المصري ووحدة الوطن ومنها علي سبيل المثال لا الحصر ما تم "دسه" في مناهج اللغة العربية؟ بأنه كما أن ضد الأسود هو الأبيض فإن الضد للمسلم هو المسيحي!! أيضا كانت الاشارة إلي الغزو العثماني بعبارة "لفتح؟!" العثماني.. والدليل علي أن كل ذلك لم يتم "بحسن نية" الحملة الشعواء الذي يشنها البعض علي وزير التربية والتعليم د. أحمد زكي بدر لأنه غير هذه العبارة المهينة لوطنيتنا وعقيدة الأغلبية الساحقة المسلمة وصارت الكتب تحمل عنوان الغزو العثماني بدلا من الفتح العثماني والمشير للدهشة أن هناك شبه إجماع علي فساد عقول أطفالنا ومن ثم ضرورة تعديل المناهج التي أدت إلي ذلك وعندما شرع الوزير المختص في تنفيذ هذا المطلب الشعبي أقام أصحاب المصلحة في إشعال بلدنا بحريق أدعو الله ألا يسمح به الدنيا ولم يقعدوها والأكثر إيلاما انهم هاجموا الوزير تحديدا لأنه استبدل كلمة الغزو بكلمة الفتح وبعد مرور أربعة عقود علي رحيل عبدالناصر واستدعاء حقبة الستينات ومنتصف الخمسينات أشعر بالأسي لما وصلت إليه حيث خضنا في الحقبة الناصرية معارك ضارية وضد قوي أكثر ضراوة وانتصرنا وفي أتون هذه المعارك قام السد العالي والصروح الصناعية وتوفير كل ما يتصل بحياة كريمة من المسكن للتعليم للرعاية الصحية وأري ان سر قوتنا آنذاك كان يكمن في وحدتنا وما يجعلني أحزن في هذه الأيام أكثر مما حزنت مع انني بكيت بدل الدموع دما في يوم الرحيل منذ أربعين عاما اننا ننساق وراء المعارك المغرضة وعلي ألسنة "رجال دين؟!". ما كان لأحدهم أن ينطق بما يثير مشاعر البسطاء والاميين بالمعني الأبجدي والأدبي الواقعي وان "يخرج" لسانه لوحدتنا وهو آمن وواثق اما بأن الدولة لن تردعه واما لأنها لم تعد موجودة ويسكنني مع ذلك يقين بأن هذه الوحدة التي اعتبرها الأعداء الهدف الأول ومن "أكبر كبائر" عبد الناصر ستنتصر كما تجلي ذلك في هبة العديد من الكتاب والمفكرين ومعظمهم من جيل لم يعش حقبة عبدالناصر ولكنهم عاشوا بالتأكيد حلمه الذين تصدوا للزوبعة الأخيرة بدءًا من حسنة كاميليا إلي تصريحات د. العوا إلي تصريحات الأنبا بيشوي الغريبة واذكر بعبارة رائعة من روائع أستاذنا الكبير الراحل أحمد بهاء الدين عندما عادت الفتنة الشيعية السنية تطل برأسها بعد الثورة الايرانية بقيادة آية الله الخميني حيث قال: أليست كارثة أن يتشاجر المسلمون بعد مرور أكثر من 14 قرنا علي الاسلام حول ما إذا كانت الخلافة لعلي أم لمعاوية؟ وكما نري الآن فإن الشجار والتلاسن والتحريض والاحتقان لهبط من قضية الخلافة إلي حسنة كاميليا!! سلام يا ناصر وليحمي الله بلدنا من كل شر وحماها من مخططات اعداء وحدتها!