اسمه وحده يكفي لإضفاء مصداقية وثقة في الأعمال الدرامية التي يكتبها، فهو مبدع حقيقي، ولا يكتب إلا إذا كان لديه ما يريد قوله، ولهذا تأتي كتاباته ثرية بالكثير من الأفكار، وقادرة علي إثارة الجدل الموضوعي الذي يقود المجتمع خطوات إلي الإمام، ولا يشغله بمهاترات ومناقشات عقيمة ومبتذلة. من هنا قدم الكاتب الكبير عاطف بشاي "تاجر السعادة"، وكما كان متوقعا، فجر عاصفة من القضايا التي تباينت ردود الأفعال حيالها، وربما يكون رد الفعل الأقوي هو ذلك الذي صدر عن الكنيسة المصرية. والتدخل غير المبرر للرقابة في المطالبة بحذف مشهد غاية في الأهمية، ويتكرر كل يوم في الشارع المصري، فالواقع أن عاطف بشاي لم يتخل عن موضوعيته أبدا، وعندما اختار صحبة "تاجر السعادة"، كان يدرك أنه يدخل بإرادته حقل ألغام محفوفا بالمخاطر، لكنه فعلها وكان جريئا مثلما كان أمينا عندما نوه إلي أنه استلهم الفكرة من قصة للكاتب الكبير محسن زايد، وكان بمقدوره، كغيره، أن يتجاهل الأمر برمته وينسب كل شئ لنفسه! "المحرر" ما أهم القضايا التي أردت طرحها في "تاجر السعادة"؟ أهم قضية طرحتها تخص الشارع المصري في الوقت الحالي ألا وهي الإيمان بالدجل والشعوذة، حتي إنه أصبح هناك "دجال لكل 20 مواطن"، فالدجل والشعوذة في المجتمع أصبحا عبارة عن أساسيات يلجأ إليها الكثير من الناس والغريب أن معظمهم من المثقفين والمتعلمين فالمجتمع المصري أصبح لديه "فوبيا"، من العلم والعقل وأصبح يعتمد علي الغيبيات والشعوذة، وهي الظاهرة التي انتشرت بشكل سرطاني في الفترة الأخيرة بعدما أختطلت باتجاه سلفي أصولي، يرجع كل الأشياء إلي ثقافة الدين والحلال والحرام. كيف اقتربت من ثقافة الدين والحلال والحرام ووظفتها في المسلسل وانت تنتقد ظاهرة الشعوذة؟ الدجل أنواعه كثيرة، فهناك دجل ديني وسياسي واجتماعي وهذا ما أعالجه في المسلسل، فنحن في مجتمع يتاجر بالدين، ويمارس الشعائر الدينية ويعيش الحياة بنوع من التدين الشكلي وللأسف الشديد اختلط الخطاب الديني والسياسي والاجتماعي، ففي المسلسل رغم أن "مصباح"، كفيف وجاهل إلا أنه يستطيع أن يقفز خطوات كثيرة جدا في حياته إلي أن يصل إلي الثراء الفاحش وأن يحتل مكانة زائفة في هذا المجتمع بسبب الدجل، لأنك عندما تستغرق في الكلام عن الغيبيات فإنك تمارس استغلالا للظرف الاجتماعي والاقتصادي، فهناك بالفعل ظلم اجتماعي يعيشه المجتمع المصري وبالتالي تحدث استجابة سريعة لما له علاقة بالشعوذة، خصوصا إذا ارتبطت بالدين أو بمعني أصح المتاجرة بالدين. هل تقصد "بالمتاجرة بالدين" فقراء المسلمين الذين يدفعهم الظلم الاجتماعي والاقتصادي إلي هذا السلوك؟ لا بالتأكيد لكنني أقصد الأقباط أو المسلمين علي حد سواء، فيوجد نوع من المتاجرة بالنسبة للاثنين ولا أخص ديانة واحدة، فهناك نوع من المتاجرة تحدث بالفعل في المجتمع سواء من ناحية الاقباط أو المسلمين، فهناك أشخاص تتاجر بمسائل دنيوية، ولا علاقة لها أساسا بالدين، وفي نهاية الحلقات سيتحول "مصباح"، إلي داعية كبير نتيجة ما يفعله، فالمسلسل يمثل "رحلة دجال صغير إلي أن يصبح دجالا كبيرا وله شأن عظيم". ما حقيقة المشاكل التي حدثت مع الرقابة والكنيسة بسبب تناولك لمشكلة للرجل المسيحي الذي يريد أن يطلق زوجته؟ لا يوجد مشاكل مع الرقابة بالمعني المفهوم، فالرقابة اعترضت علي مشهد واحد طالبوا بحذفه، ولا اعتقد أن في ذلك مشكلة كون الرقابة اعترضت علي مشهد، وعدد معين من الجمل فهذا شيء عادي، لكن المشكلة الأساسية مع الكنيسة، لان المفروض أن هناك مشاهد كانت المفروض أن تصور في الكنيسة، والكنيسة رفضت، وهذا ما حدث بالضبط، ولا أدري سببا للرفض. ما المشهد الذي قامت الرقابة بحذفه؟ مشهد بين خالد صالح "مصباح" وهو يركب التاكسي مع السائق "علاء زينهم"، وبعد لحظات يقف التاكسي ويركب معهما شخص آخر، ولأن "مصباح"، رجل أزهري ويعزف علي العود ألحانا جميلة، وكان السائق يضع شريط كاسيت للشيخ "محمد رفعت" وظل يشرح كيف أن صوت الشيخ محمد رفعت صوت من ذهب، لكن الراكب الثالث معهم كان قبطيا ولم يعجبه ما يحدث فطلب منهم تخفيض صوت الكاسيت، مما أدي إلي أن خالد صالح والسائق تشاجرا معه، فما كان من الراكب القبطي إلا أنه شغل موبايله علي "تراتيل"، قبطية، مما أدي إلي أن قام السواق وخالد صالح بالشجار مع الراكب القبطي، وهذا هو كل المشهد ولم أقصد به أي إساءة سواء للقبطي أو المسلم. ما الذي أردته من كتابة مشهد كهذا؟ ما أهم الجوانب التي استطعت أن تلقي الضوء عليها من خلال "تاجر السعادة"؟ أننا نعيش في مجتمع يعاني من ردة حضارية، ولا نأخذ أبدا بأسباب قيمة العلم، بدليل أن "زويل" لم يستطع أن يؤسس جامعة في مصر، بالإضافة إلي أن العمل يلقي الضوء علي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والتيار السلفي، والإيمان الشديد بالمعتقدات الخاطئة كالدجل، والتعلق بالغيبيات، كما أردت توضيح نماذج كثيرة منتشرة في المجتمع المصري تحقق الثراء السريع بالدجل الاجتماعي والغيبي وللأسف أول من يعتقد بالدجل والشعوذة وقد يصل الأمر إلي أنهم يمارسونه هم أساتذة الجامعة، بالإضافة إلي وجود الفنانات المعتزلات اللائي يخفن من الحسد، ورجال الاعمال النصابون. ما الرسالة التي تريد توصيلها للجمهور من خلال "تاجر السعادة"؟ بأقول يا جماعة.. الناس كلها علي اختلاف طبقاتها محبطة وتعبانة وعندها يأس، لكنهم عندما يجدون من يساعدهم علي التفاؤل بيزودا من انتاجهم وبالتالي تتحقق أحلامهم، وهذا يقود إلي انقلاب في الموقف فهناك ناس مشردون من وقوع صخرة عليهم في الدويقة، وطبقات أخري بتعالج الكلاب الخاصة بهم في مستشفيات خاصة، قد يتهمونني بأنني "شيوعي"، أو يسموني "نصير الغلابة"، لكنني وضعت مشهدا في صلب الأحداث يؤكد هذا المعني ويحقق الغرض الذي أريد توضيحه عندما قبض البوليس علي مصباح ووجدوا معه فلوس كثيرة، قال لهم إن الناس بتتبرع بها عندما اقرأ لهم الكف، فأنا مجرد "بياع أمل". ما أكثر الشخصيات التي تعاطفت معها في المسلسل؟ داليا مصطفي التي جسدت شخصية "فوزية"، فقد كنت متعاطفا معها علي اعتبار انها نموذج لفتاة فقيرة مطحونة ورغم سوء أحوالها إلا انها متزوجة من رجل يبتزها ويستولي علي أموالها، إلي جانب شخصية "أحمد صيام" "كيرلس" بالطبع لمعاناته مع زوجته. وما جديدك؟ المفروض أنني أجهز حاليا للجزء الثالث من "يا رجال العالم اتحدوا"، الذي كان الجزء الثاني له "النساء قادمون"، والجزء الثالث سيحمل اسم "الرجال عائدات"، والبطولة لحسين فهمي وهالة فاخر وإنعام سالوسة والإخراج لمحمد عبدالعزيز، وسوف يتم عرضه بعد العيد.