لم تعد الطاعة العمياء من جانب العمال لادارة الشركات التابعة لقطاع الاعمال العام هي السلوك المعتاد كما كان يحدث في الماضي، ولم تعد الطبقة العمالية هي الطبقة المقهورة بسلطان الادارة الحكومية السيادية- والتي تطرب للخطب العمالية الرنانة أو الهتافات المدوية أو ابيات ا لشعر والزجل التي يتعين علي ممثل العمال النقابي ان يتغني بها لكي يحصل لزملائه العمال علي حقوقهم في الحوافز والمكافآت والأرباح، بل لم يعد العمال آخر من يعلم بما يجري من وراء ظهورهم من تفكير استراتيجي يغير من نشاط أو ملكية الشركة التي يعملون بها، وان ما يتم تدبيره بليل يبطله ويعطل نفاذه اليقظة أو الصحوة العمالية التي اردكت ان ثمة مناخا سياسيا جديدا في ظل الحراك السياسي الذي يشهده المجتمع المصري منذ تعديل المادة "76" من الدستور عام 2005، وما تلاه من تعديلات دستورية مهمة حرصت علي استمرار المشاركة العمالية في العملية السياسية والبرلمانية والنقابية والحزبية. ولذلك لم تعد طبقة العمال قططا وديعة بل باتت تكشر عن انيابها وتشرع مخالبها في مواجهة أية ممارسات تحاول الانتقاص من الحقوق العمالية المادية والمعنوية أو الادبية. أزمة المطاحن وقد كشفت ازمة اضراب عمال المطاحن في شركة جنوبالقاهرة وغيرها من غياب الدراسات الاستراتيجية قبل اصدار القرارات الوزارية المنظمة لعمل الوزارة وعدم التنسيق أو عدم تبادل الرأي مع بقية الوزارات المنظمة لعمل الوزارة وعدم التنسيق أو عدم تبادل الرأي مع بقية الوزارات الاخري ذات الصلة حيث لم تحدث دراسات أو مشاورات مشتركة بين وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة الاستثمار ووزارة القوي العاملة والهجرة قبل اصدار قرار مناقصات الدقيق الامر الذي جعل وزارة الاستثمار ووزارة القوي العاملة تتحمل نتائج سلبيات قرارات وزارة اخري لم تقم بدراسة اثر قرارها بشأن مناقصات توريد الدقيق استخراج 82% علي اساس المنافسة بين القطاع الخاص وشركات قطاع الاعمال والتي لم تكن مستعدة لخوض هذه المنافسة أو لم يتم تأهيلها اصلا للتعامل مع المتغيرات الجديدة مما جعلها مهددة بفقدان حصة الدقيق اللازمة لصناعة الخبز البلدي ومن ثم انخفاض انتاجها ويتبع ذلك انخفاض حوافز الانتاج للعمال بنسبة 35% فضلا عن انخفاض ايرادات الطحن بحوالي ثلاثة ملايين جنيه تفقدها سبع شركات مطاحن تابعة لقطاع الاعمال العام في مختلف محافظات مصر. قرارات مفاجئة ولما كانت القرارات تصدر بصورة مفاجئة ودون تنسيق أو تشاور مع العمال أو مع الجهات المعنية فقد كان طبيعيا ان يلجأ العمال المضارون الي الاعتصام بعد ان عجزوا عن تحقيق مطالبهم من خلال التفاوض مع وزارة التضامن الاجتماعي، وتضطر الحكومة الي التدخل لتعديل قرار هذه الوزارة لصالح العمال ويتم الاتفاق علي قصر مناقصات توريد الدقيق 82% علي المطاحن المنتجة له سواء كانت عامة أو خاصة أو مشتركة وان تقوم الشركة القابضة للصناعات الغذائية بالعمل علي اعادة توزيع القمح اللازم لانتاج الدقيق 82% بين شركات المطاحن المختلفة في المحافظات بما يضمن تحقيق التوازن المطلوب وان تبدأ شركات قطاع الاعمال العام في تنفيذ برامج لاعادة هيكل وتطوير حقيقي يؤهلها لمنافسة القطاع الخاص وتشكيل لجنة لدراسة المشكلات التي تعترض شركات المطاحن. وبذلك انتهت ازمة عمال المطاحن وزادت معها قناعة الكثيرين منهم بأن اسلوب الاعتصام والاضراب هو الوسيلة الفعالة لتحقيق المطالب العمالية من اجل المحافظة علي حقوقهم وعلي البعد الاجتماعي للاصلاح وهو دائما البعد الغائب في ظل الحرص علي تشجيع القطاع الخاص وسرعة تنفيذ برنامج الخصخصة المعروف ببرنامج ادارة الاصول المملوكة للدولة. القاهرة للزيوت وجاء ازمة عمال شركة القاهرة للزيوت الذين قاموا بالاعتصام من اجل وقف بيع الشركة للمستثمر الذي اشتري الشركة للاراضي المملوكة للشركة حيث قامت ادارة الشركة بعرض قطعتين من الاراضي المملوكة للشركة للبيع مما يهدد بتصفية النشاط والتأثير سلبيا علي اوضاعهم المالية والاجتماعية والوظيفية ولذلك لجأ 1200 عامل الي الاعتصام لوقف البيع مع المطالبة بزيادة الاجور ورفع قيمة المعاش المبكر والحصول علي نصيبهم من الحصة المملوكة لاتحاد المساهمين العاملين في الشركة حيث ان المستثمر اشتري 90% من الاسهم عن طريق البورصة ومن الغريب ان تختلف وتتباين اراء ممثلي نقابات العمال حيث رأي رئيس نقابة العاملين في الصناعات الغذائية ان المستثمر من حقه بيع اي قطع من الأراضي لانه يملك 90% من رأس مال الشركة ومن يملك له حق البيع بينما اعلن نائب رئيس النقابة ان مطالب العمال مشروعة وليس من حق المستثمر بيع الاراضي أو التنازل عنها. البعد الاجتماعي لأن عملية الشراء كانت عن طريق البورصة ومن ثم لا يحق للمستثمر سوي البيع عن طريق البورصة بحيث تظل الاصول المادية للشركة قائمة ومستمرة وهي نقطة جوهرية تحتاج الي بيان تشريعي الفصل بين وجهتي النظر والتركيز علي ان تستمر الشركة في الوجود بعد الخصخصة من خلال البورصة وان يعلن ذلك صراحة وكتابة للمشتري لغالبية الاسهم حفاظا علي حقوق العمال والبعد الاجتماعي وهو ذلك البعد الذي حرصت مواد الدستور التي جري تعديلها علي تأكيده والعمل علي حمايته. اذ صدرت التعديلات الدستورية واصبحت احكامها واجبة النفاذ أو الاحترام بعد استفتاء الشعب عليها في 26 مارس 2007 وموافقته علي تعديل 34 مادة لتبدأ مرحلة جديدة من المشروعية الدستورية التي تحرص علي ضمان حد ادني من الاجور وربط الاجر بالانتاج "مادة 23" والمحافظة علي حقوق العمال كما جاء في المادة الرابعة من الدستور وما يتطلب ذلك من مراعاة حقوق العمال وحماية البعد الاجتماعي والحق في الحوافز علي قدر الانتاج المحقق ومن ثم يصبح اي قرار وزاري او تشريع ايا كانت درجته غير دستوري ويكون هو والعدم سواء اذا ما تعارضت احكامه مع الدستور. قوانين تتعارض مع الدستور ولذلك لعله يكون من الافضل مراجعة القرارات والتشريعات ومشروعات القوانين علي قسم التشريع بمجلس الدولة باعتباره الجهة المنوط بها دستوريا مراجعة القوانين والقرارات واللوائح الحكومية والتأكد من عدم تعارضها مع الدستور أو مع اي قرارات أو قوانين اخري. وبذلك يمكن تجنب اصرار بعض الوزراء علي اعداد مشروعات قوانين فاسدة وظالمة وغير دستورية تؤدي في حالة تطبيقها الي تعقيدات ومشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية واضطرار العمال أو الموظفين او المستهلكين الي ممارسة حق الاضراب عن العمل أو الاعتصام أو الاحتجاج بأي وسيلة سلمية أو غير سلمية تهدد الامن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والاساءة الي مناخ الاستثمار القومي ومن ثم عزوف الاستثمارات الاجنبية المباشرة وغير المباشرة عن التدفق الي مصر بالمعدلات المستهدفة أو المأمولة ولا يخفي ان العولمة وثورة المعلومات والاتصالات والفضائيات أدت الي وجود قدر كبير من الوعي والاستنارة والجرأة لدي العمال وعدم السلبية والثورة علي غرار ما يحدث في المجتمعات الاخري المتحضرة والنامية علي السواء، خاصة وان ما يحدث في أي مصنع صغير في أي بلدة أو محافظة نائية يتم نقله عبر الفضائيات الي جميع انحاء العالم وترصده المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان، وهو ما يؤدي الي احراج النظم الحاكمة عندما تعتمد منهج العنف، والعنف المضاد، وكل اخطاء القرارات غيرالمدروسة جيدا بالعنف أو بالعصا دون اي جزرة، ومن ثم يتزايد الضغط السياسي، والاقتصادي العالمي علي مثل هذه النظم التي تلجأ الي الاساليب البوليسية في التعامل مع الثورات العمالية والتي ثبت عدم فعاليتها في عصر العلم والحرية، والديمقراطية والشرعية الدستورية، ولا مع المتغيرات العالمية في القرن الحادي والعشرين. تدخل القيادة السياسية وتوضح التجارب العمالية السابقة اضطرار القيادة السياسية في مصر الي التدخل باصدار التعليمات لتحقيق المطالب العمالية كما حدث في ازمة اضراب عمال شركات الغزل والنسيج وغيرها، واضطرار وزارة القوي العاملة الي التحرك لتهدئة العمال وتبديد مخاوفهم والتوسط لتحقيق مطالبهم، ولكن مثل هذه التدخلات تلقي اعباء ثقيلة علي القيادة السياسية الامر الذي يشيرالي اهمية اعادة النظر في اختيار من يشغلون المناصب الوزارية للتأكد من توافر الحس السياسي في التعامل مع القضايا الجماهيرية والعمالية بصفة خاصة، وهو ما يخفف الاعباء عن القيادة السياسية المنوط بها العديد من المهام الجسام دوليا وعربيا ومحليا وان يكون اعضاء الحكومة خير عون لهذه القيادة السياسية وليسوا عبئا عليها.