جربت مرة أن أشكو رئيسي في العمل إلي جهة عليا "فوق ما تتصور".. لكنني فوجئت أن هذه الجهة العليا قامت برد الشكوي إلي رئيسي الذي شكوته كي يحقق فيها!!. وطبعاً استغل رئيسي الواقعة أسوأ استغلال.. حيث حقق معي بدلاً من أن يحقق في شكواي منه.. وبدلاً من أن ينصفني منه ومن بطشه، ضاعف ظلمه ووضعني في خانة "اليك". لم يكتف بذلك بل علق الشكوي التي أرسلتها وتأشيرة المسئول الكبير الذي كنت قد أرسلتها إليه في مدخل الجريدة حتي يقول للجميع: "اخبطوا رؤوسكم في أقرب حائط"! من أجل هذا اختصر الناس الطريق وقصدوا وجه الله مباشرة، لكنهم مع ذلك خائفون من أن يضبطهم المشكو في حقه متلبسين وهم يرفعون الأكف ويولون وجوههم شطر السماء، متوجهين إلي المولي عزوجل أن ينصفهم من الظلم والظالمين، لذا لجأوا إلي حل مضمون: حرروا شكاواهم سراً في أوراق مكتوبة ولجأوا إلي الأضرحة والمساجد، ووضعوا شكاواهم فيها، وسألوا المولي أن يستجيب لبركة أولياء الله الصالحين فتنفك أزماتهم وتحل مشاكلهم ويهدي مديرهم في العمل فلا يبخسهم حقهم ولا يتخطي علاواتهم، ولا ينهب جهدهم وعرقهم ويمتص دماءهم ويستحلها لنفسه وللمحاسيب ممن حوله. أحد أساتذة الاجتماع السياسي قام بتحليل هذه الشكاوي الموجودة بكميات هائلة من المواطنين في الأضرحة والمساجد.. فوجد أن 70% منها موجهة من موظفين ضد رئيسهم في العمل وأن 18% منها هي من زوجات ضد أزواجهن والعكس وتصب جميعها في خانة هداية الزوج ورده إلي الطريق الصحيح، وأن يعمي عينيه عن المرأة التي تلاعبه وتشاغله وتنصب شباكها من حوله حتي توقعه في حبه ويتزوجها.. أما الأزواج فيدعون لزوجاتهم بالتخلي عن النكد الدائم الذي أخذت (توكيله) وحدها، أو ينذر نذراً كبيراً سيلتزم بالوفاء به فور أن يأخذ الله حماته أخذ عزيز مقتدر. أما ال 12% المتبقية فهي من جار متضرر من جاره، أو ضد شخص وضع يده دون وجه حق علي أرضه، أو من شخص تمت سرقة سيارته.. وهكذا. هنا يسأل البعض: ولماذا يلجأ الناس إلي الأضرحة وأولياء الله الصالحين؟ الاجابة: ان قنوات الشكوي دائما مسدودة ولاتمر بها شكاوي الناس.. ليس هذا فقط بل أن من يقصد بابها قد لايجد من يرضيه، علي اعتبار انه قد وضع يده في عش الدبابير وفتح باب الريح الذي سيأتيه منه كل مايريح.. أما في احسن الأحوال فإنه لايجد أي صدي أو رد فعل لشكواه وكأنه لم يفعل شيئاً.. فكل المسئولين ومتخذي القرار يتعاملون مع شكوي المواطنين بنظرية: دعه يشكو ويبعبع ويخرج كل طاقته حتي يستريح.. أما نحن "فأذن من طين والأخري من عجين". ولذلك فإن ثقافة الرد علي شكاوي الجماهير والمواطنين في مصر غائبة وغير موجودة. التقرير الصادر عن ملتقي الحوار للتنمية وحقوق الانسان، وهو احد منظمات المجتمع المدني رصد عدد الشكاوي التي يرسلها المصريون شهرياً فوجد مليون شكوي شهريا.. مجلس الوزراء وحده يتلقي مكتب الشكاوي به مايقرب من 220 الف شكوي.. بقية الشكاوي موزعة علي مكاتب الشكاوي في لجنة الحريات بنقابة المحامين، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ومكاتب الشكاوي بالوزارات المختلفة واقسام رسائل القراء بالصحف. أكثر الجهات المشكو في حقها هي وزارات الزراعة والاسكان والتنمية المحلية والادارية والقوي العاملة. وتتنوع مشاكل وهموم المواطنين في موضوع الشكوي.. فقد بلغت نسبة شكاوي المواطنين المتعلقة بالحق في الطعام والرعاية الصحية والمسكن والامان الاقتصادي حيث تمثل 46% من اجمالي الشكاوي، تليها شكاوي من تخلف التعليم وتجارة الدروس الخصوصية وضعف يد الوزارة في التعامل مع ذلك حيث تمثل 20% أما البطالة والحق في العمل فتمثل 10%.. وكانت شكوي المواطنين المتعلقة بحق الطفل في الرعاية الصحية والاجتماعية والحماية من العنف 7.3%.. وجاءت ونسبة حق العمال في التفاوض علي الأجر وشروط العمل 3.5%، وشكلت نسبة الشكاوي المتمثلة بالحق في الارض 4.5%، والحق في المساواة الذي يضمن حق المرأة في التمتع بنفس مزايا الرجال 5%... بينما جاء الحق في حماية البيئة بنسبة 3%، وحق الافراد في الحماية من الاجراءات الادارية 5% وكل هذه الشكاوي وتنوعاتها لاتعكس حقيقة وحجم المظلومين والذين يئنون في صمت ويخافون من الشكوي خوفا من بطش المشكو. وهذا ما استثمرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان من اجل تشجيع الخائفين للتقدم بشكواهم مع الحفاظ علي خصوصية الشاكين، واسمت الشبكة "هموم دوت نت".. الشبكة تضم فريقا من المتطوعين والمتخصصين لتلقي الشكاوي من مصر و18 دولة اخري وتصنيفها حسب النوع والتخصص والدولة التي يتبعها المواطن مع الحفاظ علي خصوصية الشاكي ومعلوماته الشخصية. بعد ذلك يتيح الموقف لجميع الجهات والافراد ان يساهموا في التفاعل والرد علي الشكاوي وتحويل الرد بعد ذلك الي الشاكي والاتصال الشخصي به. ليس هذا بل ينشر الموقع قائمة بالمؤسسات الحقوقية التي تتفاعل مع شكاوي الناس والمتطوعين الذين يرغبون في مد يد المساعدة. رغم كل هذا فالمسئولون في كثير من الاحيان لايردون، فكل الشكاوي مصيرها سلة القمامة، هذا ان وصلت إليه وكلف خاطره ان يطلع عليها ويعرف فحواها، لانه عادة ما يسد كل قنوات الاتصال به تماما، ويضع كل المتاريس علي اعتابه، وهيئة عليا من "المطفشين والمطفشات" حوله بحيث اذا نجح احدهم ووصل اليه مارسوا عليه احدث اساليب الزحلقة وتفسيح الزبون. أحيانا ييأس المظلوم ويفوض امره الي الله، ولكن في احيان اخري يضطر الي ان يجمع مبلغا من المال يدبره باي طريقة ويحجز به مساحة اعلانية في الصحف يوجه من خلاله استغاثة الي رئيس الوزراء ويصل الامر الي رئيس الجمهورية احيانا حتي يتم رفع الظلم عنه، فقد سلك كل الطرق والقنوات الشرعية والطبيعية للشكوي لكنه وجدها مسدودة، وبالتالي لم يعد امامه سوي ان يصرخ ويجهر بالصوت حتي يسمعه المسئول الأكبر.. لايعني هذا أن الذي ليس معه المال لحجز مساحة إعلانية لن يسمعه الرئيس أو رئيس الوزراء.. ففي كثير من الأحيان نجد أن الرئيس يتدخل شخصيا لحل شكاوي المواطنين ورفع الظلم عنهم. شئ جميل ان يفعل الرئيس هذا، لكن الخطير في ذلك ان المسئول الذي في دائرته يقع الظلم يظل لايدري عن الناس وهمومهم، ولايسمع شيئا عن أناتهم. وصرخاتهم إلا بعد أن يتدخل الرئيس.. معني ذلك أن عمال الغزل كانوا سيظلون يصرخون ويؤذنون في مالطة.. وكانت "آلاء مجاهد" طالبة الدقهلية ستظل راسبة في امتحان اللغة العربية وربما لاتنجح ابداً.. وكانت الفوطة ستظل في بطن "هند" إلي أن تموت لولا أن الرئيس تدخل!!!!