◄ 30 عامًا من تحويل الحجر إلى حياة ◄ السطوحي: مشروع ثقافى طويل الأمد مع اقتراب ختام الدورة الثلاثين لسمبوزيوم أسوان الدولي للنحت، تتحول كتل الجرانيت الصلبة إلى منحوتات نابضة بالحياة تحت أيادي فنانين قدموا من مختلف أنحاء العالم، يمزج هؤلاء بين الصبر والدقة والخيال، لتخرج أعمالهم كحوار حى بين الإنسان والخامة.. أصوات الإزميل والمطرقة تملأ المكان، والفنانون ينحنون فوق الحجر، ينحتون ويصقلون، محولين الصمت الصلب إلى أشكال تنبض بالحركة والمعنى. هذه التجربة لا تقتصر على كونها فعلًا فنيًا، بل هى رحلة شاقة فى مواجهة الجرانيت، حيث تصبح الأيدى أداة التعبير الأولى، ويتحقق الانسجام بين الفنان والمكان والطبيعة، فى لحظة يلتقى فيها الجهد البدنى بالتركيز الفكرى لصناعة الفن. الموقع يعج بالحركة؛ أيادٍ تلامس السطح الخشن، وآذان تلتقط إيقاع المطارق، وعيون تراقب تحولات الكتل الحجرية. كل لحظة تكتسب بعدًا جديدًا حين يتحول الحجر إلى منحوتة تحكى عن هدوء وصراع وتأمل إنسانى. هنا لا يعمل الخيال وحده، بل تتحول المشاعر والأفكار إلى ملمس وشكل وحضور مادى يراه الجمهور ويشعر به.. وفى هذه المساحة المفتوحة لا يصبح الحجر محور الإبداع الوحيد؛ فالمكان كله شريك فى العملية الفنية: الشمس، والغبار، وصدى الأصوات، والنيل القريب، جميعها عناصر تساهم فى صياغة التجربة الإنسانية لكل فنان. أسوان هنا ليست مجرد مدينة، بل مختبر للحواس، وفضاء يختبر صلابة الحجر وصلابة الروح فى آن واحد. بين أصوات الإزميل والصخب الميدانى، يوضح المهندس حمدي السطوحي رئيس صندوق التنمية الثقافية ملامح التطوير الشامل لأرض السمبوزيوم، قائلًا: «نحن لا ننظر إلى السمبوزيوم كفعالية موسمية، بل كمشروع ثقافى طويل الأمد يستمر على مدار العام، يخدم الفنانين والجمهور، ويعزز حضور الفنون الجادة فى المجال العام». ◄ اقرأ أيضًا | في «سيمبوزيوم أسوان للنحت»| صمود فلسطين على الجرانيت ◄ فضاء عالمي وسط صقل الجرانيت وحركة المطارق، يتحول الموقع إلى مختبر فنى حى. وشملت أعمال التطوير تقسيم الممرات ومساحات العمل لتسهيل حركة الأوناش ووسائل النقل، إلى جانب تجهيز مساحات الفنانين بالكهرباء والمياه والهواء المضغوط. وتحت أشعة الشمس ترفع الفنانة نيفين خفاجة إزميلها على كتلة ضخمة من الجرانيت، تصنع ضربات دقيقة تنبض بالهدوء والتأمل. تقول: «النحت تجربة شخصية، أتعامل مع الخامة كوسيط للتعبير الصادق عن أفكارى ومشاعرى وتجربتى فى الحياة». عملها «أبو الهوا... لحظة سكون» لا يقدم سردًا مباشرًا، بل يلتقط لحظة شعورية خالصة، حيث تتحول حركة الجسد والإزميل إلى لغة تثبت اللحظة الإنسانية العابرة وتمنحها حضورًا دائمًا. ◄ راحة صامتة أمام حجر بعرض 270 سم تلامس ماريا يوسف الجرانيت بإزميلها، وكل ضربة تتحول إلى إشارة سلام داخلى.. تقول: «التجربة ثرية فنيًا وإنسانيًا، مليئة بالتعلم والتواصل مع خبرات الفنانين والمساعدين». عملها «راحة صامتة» يصور جسد امرأة مستلقية فى سكون تام، حيث يصبح الهدوء نفسه بطل العمل، حالة مكتملة بذاتها بلا رموز أو حكايات. على كتلة الجرانيت الضخمة، يقف محمود كشك ممسكًا بالإزميل وكأنه يعزف سيمفونية.. يقول: «السمبوزيوم يمنحنى فرصة التعامل المباشر مع الجرانيت وفهم العلاقة بين الشكل والفراغ، وهو امتداد طبيعى لمشروعى الفنى». عمله «Golden Fly» يجمع بين رمزية التاريخ المصرى واللغة المعاصرة، ليحوّل الحجر إلى تشكيل حى يروى قصة التفاعل بين المادة والفنان. ◄ حالة سكون بهدوء وتركيز يحرك أحمد عبد الله إزميله على الحجر، صانعًا توازنًا بين الصرامة الهندسية والانسيابية التعبيرية.. يقول: «الجسد هنا فى لحظة صمت وتأمل، متماسك ليحمل الإحساس داخليًا». الكتلة الصلبة تتحول إلى لغة تشع بطاقة داخلية وعاطفة إنسانية، بعيدًا عن أى سرد مباشر. أليسيو رانالدى (إيطاليا) يتعامل مع الحجر كأنه لوح موسيقى، محولًا كل ضربة إلى نغمة صامتة. توبياس ديتريش (ألمانيا) يرى فى الجرانيت شهادة على الزمن، ويصف نفسه بالمترجم بين الحجر والمشاهد. هاكان سينجونول (تركيا) يفضل الإنصات للطبيعة، ويترك للضوء والظل أن يقودا خطواته.. أما زدرافكو زدرافكوف (بلغاريا) فيرى فى الجرانيت حركة متجمدة يحولها إلى حضور بصرى مشبع بالسكينة.