في تقلبات الحياة، قد يفرح الإنسان في سرّه بل وفي علنه بسقوط غيره، ناسيًا أن الأقدار دوّارة، وأن ما أصاب اليوم غيره قد يكون غدًا نصيبه، إذ أن الشماتة كلمة تكشف معدن النفوس، وقد وقف الإسلام منها موقفًا حاسمًا؛ لأنها تجرّد الإنسان من الرحمة، وتضعه في مواجهةٍ مباشرة مع سنن الله في خلقه. تحذير نبوي صريح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتةَ لأخيك فيرحمه الله ويبتليك» رواه الترمذي. اقرأ أيضا | «الإفتاء» تحذر من الشماتة في الموت وتوضح عواقبه وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: «من عيَّر أخاه بذنب، لم يمت حتى يعمله» رواه الترمذي. فهما حديثان قصيران، لكنهما يحملان ميزانًا دقيقًا للأخلاق؛ فالشامت قد يكون سببًا في رحمة الله للمبتلى، وسببًا في بلائه هو. الشماتة في ميزان العلماء قال ابن القيم في الفروسية: «فإذا رمى رسيله -منافسه في الرمي-، لم يبكته على خطأ، ولم يضحك عليه منه؛ فإن هذا من فعل السفل، وقل أن أفلح من اتصف به، ومن بكت، بكت به، ومن ضحك من الناس، ضحك منه، ومن عير أخاه بعمل، ابتلي به، ولا بد». وقال ابن رجب في الفرق بين النصيحة والتعيير: «من أشاع السوء على أخيه المؤمن، وتتبع عيوبه، وكشف عورته: أن يتبع الله عورته، ويفضحه، ولو في جوف بيته». أما الإمام ابن عاشور فقال في التحرير والتنوير: «وَالشَّمَاتَةُ: سُرُورُ النَّفْسِ بِمَا يُصِيبُ غَيْرَهَا مِنَ الْأَضْرَارِ». موقف دار الإفتاء المصرية وذكرت دار الإفتاء المصرية أنه لا يجوز شرعًا للإنسان أن يَشْمَت في نزول المصائب على أحد سواء في الموت أو غيره من المصائب؛ فإنها خَصلةٌ ذَميمة، تأْبَاهَا النفوس المستقيمةُ، ويترفَّع عنها أصحاب المُروءات. وأوضحت الدار أن المولى سبحانه وتعالى لا يَرْضى عن هذه الفِعْلة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يثبت على حال واحدة؛ فقد يرحم الله المُبتلَى ويبتلي الشامت رغمًا عنه. الموت المصيبة الأعظم في التهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري قال: "الشماتة في الموت: هي الفرح والسرور بحلول هذه النازلة بأحد الناس"، وقال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]. وقد نهت الشريعة عن الشماتة بنزول هذه المصيبة؛ فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتةَ لأخيك فَيَرْحَمَهُ اللهُ ويَبْتَلِيكَ» رواه الترمذي وحسّنه. وقال العلامة علي القاري في مرقاة المفاتيح: «لا تُظهر الشماتة والمعنى: يرحمه رغمًا لأنفك ويبتليك؛ حيث زكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه». والموت قدرٌ لا يُشمت به، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: 34-35]. وقال الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: «كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا... فلا أنت ولا هم إلا عُرْضة للموت». تقلب الأحوال سنّة الحياة قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. وقال الإمام أبو حيّان في البحر المحيط: «الأيام لا تُبقي الناس على حالة واحدة... يصرفها الله تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء». موقف نبوي عملي يهدم الشماتة روى الإمام البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «مرّت جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفسًا». والخلاصة لا يجوز شرعًا الشماتة في المصائب، وعلى رأسها الموت؛ فهي خَصلةٌ ذَميمة، تُنافي الرحمة، وتخالف كمال الأخلاق الإسلامية، وتعرّض صاحبها لبلاءٍ من جنس فعله. فالسعيد من اتعظ بغيره، وحفظ قلبه ولسانه، وترك الحكم للأقدار.