قد تبدو تربية الحمام في ظاهرها هواية بريئة، تُمارَس بدافع الألفة أو الزينة أو الرزق، لكن الفقه الإسلامي لا ينظر إلى الأفعال بظاهرها فقط، بل بما تتركه من أثر في السلوك والمجتمع. حكم تربية الحمام ونقف هنا عند السؤال هل تؤثر تربية الحمام على عدالة الإنسان؟ وهل تُقبل شهادة مربي الحمام أمام القضاء؟ هو سؤال قديم متجدد، أجاب عنه العلماء بنصوص واضحة، وفصلوا فيه تفصيلًا دقيقًا، نضعه هنا دون زيادة أو اجتهاد، التزامًا بالنصوص كما وردت في كتب الفقهاء الأقدمين. فقد أجمع أهل العلم على أن الأصل في شهادة المسلم القبول ما دام محافظًا على عدالته ومروءته، ولم يرتكب ما يخل بهما، ومن هذا الباب جاء الحديث عن مربي الحمام. قال ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني: "وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها أو لحمل الكتب (الرسائل )، أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس، لم ترد شهادته (يعني تقبل شهادته)". وهذا نص صريح في أن تربية الحمام لغاية مباحة، مثل: الزينة وبيع فراخها أو أكلها واستعمالها في نقل الرسائل كما كان قدمًا لا تؤثر على عدالة صاحبها، ولا تُسقط شهادته. لكن متى تُرد شهادة مربي الحمام؟ فالمشكلة هنا لا تكمن في تربية الحمام نفسها، وإنما في الطريقة والغاية، فقد ذكر العلماء أن شهادة مربي الحمام تُرد ولا تقبل إذا اقترنت بسلوكيات مذمومة. فقال ابن قدامة رحمه الله: "اللاعب بالحمام يطيرها، لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي من الحنفية، وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام؛ وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة، ويتضمن أذى الجيران بطيره، وإشرافه على دورهم، ورميه إياها بالحجارة". وهذا يوضح أن سبب رد الشهادة هو: إيذاء الجيران، التطلع على البيوت والعطورات، والعبث واللهو المذموم، وضياع الوقت فيما لا نفع فيه. دليل نبوي الدليل من السنة النبوية، فقد جاء في السنة النبوية ما يدل على ذم هذا الفعل إذا كان على هذا الوجه، فقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: "رأى رجلًا يتبع حمامًا، فقال:" شيطان يتبع شيطانة"، صحيح الجامع. وقد فهم العلماء من هذا الحديث دلالة واضحة على كراهة اللعب بالحمام، بل وذهب بعضهم إلى التحريم، فقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: "فيه دليل على كراهة اللعب بالحمام، وأنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه، وقد قال بكراهته جمع من العلماء، ولا يبعد تحريمه إن صح الحديث؛ لأن تسمية فاعله شيطانًا يدل على ذلك". أقوال الفقهاء في المسألة قال الكاساني رحمه الله في بدائع الصنائع: "والذي يلعب بالحمام فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته، وإن كان يطيرها تسقط عدالته؛ لأنه يطلع على عورات النساء، ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات". وقال ابن القيم رحمه الله: "وعلى الحاكم أن يمنع اللاعبين بالحمام على رءوس الناس، فإنهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم، والتطلع على عوراتهم". والخلاصة الشرعية، فإن تربية الحمام في ذاتها مباحة إذا خلت من الأذى، وتُقبل شهادة مربي الحمام إذا كانت تربيته لغرض مشروع دون إيذاء، وتُرد الشهادة إذا اقترنت بالسفه، وقلة المروءة، وإيذاء الناس، والتطلع على البيوت، والانشغال عن الطاعات. اقرأ أيضا | حسام موافي يحذر مربي الحمام من أمراض خطيرة