تنتقل الدول من النظم الاستبدادية بأشكالها المختلفة إلي الديمقراطية من خلال أربعة أنماط: الأول الذي ساد في البلدان الغربية وهو التطور التاريخي التدريجي من خلال المؤسسات الموجودة أي من خلال النظام السياسي نفسه الذي كان في الأغلب الأعم ملكيا أوتوقراطيا. والثاني يحدث فيه التطور السياسي بعد أن تحقق البلاد قفزات عظمي في التنمية الاقتصادية تجعل من الملائم معه تطورا ديمقراطيا كاملا، وجري ذلك في أسبانيا والبرتغال واليونان وكوريا الجنوبية ومعها باقي الدول الآسيوية وعدد من بلدان أمريكا الوسطي والجنوبية مثل المكسيك. والثالث أتي من خلال عملية عكسية فلم يحدث التطور من الاقتصاد إلي السياسة وإنما جاءت الثورات السياسية الديمقراطية وكانت هي التي قررت أن النظام الديمقراطي لا يدوم دون توجه نحو اقتصاد السوق، وحدث ذلك بشكل جلي في أوروبا الشرقية حيث توالت الثورات الديمقراطية وبعد وصول الديمقراطيين إلي الحكم قاموا بتغيير الاقتصاد والمجتمع لكي يكون مهيئا للحاق بالاتحاد الأوروبي. والرابع كان التغيير فيه قسريا بعد حروب عظمي عندما أجبرت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية كلاً من اليابان وألمانيا وإيطاليا علي تبني النظام الديمقراطي. ومن بين هذه الأنماط الأربعة لا أظن أن هناك نمطا سيسير عليه التطور الديمقراطي في مصر إلا النمط الأول الذي يجري عبر تطور تاريخي من خلال المؤسسات القائمة وليس غيرها، فلا يوجد لدينا اقتصاد سوق وطبقة رأسمالية بما يكفي للانتقال للديمقراطية المكملة له، ولا يوجد لدينا طبقة سياسية تأصلت لديها الفكرة الديمقراطية كما جري في بلدان أوروبا الشرقية، ولا أشارك الذين يعتقدون في إمكانية الفرض والقسر الأجنبي علي مصر خاصة بعد فشل التجربة العراقية. ولذلك فإن ما يخرج الآن عن المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر حول التعديلات الدستورية هو بلا جدال من الأمور المبشرة، ولا أفهم شخصيا عملية التشكيك التي تجري علي ما يقوم به المجلس طالما أن كل المجهودات الظاهرة تسير في اتجاه تطور ديمقراطي حقيقي وليس شكلياً. ولا يعيب المجلس أبدا أنه واحد من مؤسسات الدولة، بل أن ذلك في حد ذاته يشكل ميزة أساسية لأنه يعكس الإدراك المتزايد داخل الدولة المصرية أن النظام السياسي الحالي لم يعد ملائما لاحتياجات مصر الاقتصادية والاجتماعية، كما أنه أصبح غير لائق بها في النظام الإقليمي والعالمي. والحقيقة أن الأفكار التي ترددت عن المجلس فيما يخص التعديل الديمقراطي للمواد 76و77 من الدستور واختيار نائب لرئيس الجمهورية وغيرها من الأفكار ليست جديدة أبدا علي مؤسسات النظام السياسي. فقد جري تداولها داخل مجلسي الشعب والشوري، كما جري النقاش والحوار بشأنها داخل الحزب الوطني الديمقراطي ولجنة السياسات التي لم تخصص لجنة خاصة لمناقشة التعديلات الدستورية فقط بل إنها طرحتها علي مجموع اللجنة كلها. ومن خلال التجربة فإن الواضح أن هناك اتجاهين داخل مؤسسات الدولة أولهما محافظ يريد الحفاظ علي ما هو قائم مع تعديلات محدودة علي أساس أن تشكل خطوة يمكن أن تتلوها خطوات في المستقبل؛ وثانيهما يري أن الوقت قد حان لتعديلات جوهرية في الدستور وفقا لكثير من خطوط التوافق القومي في هذه المرحلة والخاصة بالمادتين 76 و77 وتعيين نائب لرئيس الجمهورية وربما نسبة العمال والفلاحين أيضا. وهكذا فإن الصورة داخل مؤسسات الدولة ليست بذلك النقاء الذي تتصوره جماعات في المعارضة؛ بل إنني أتصور أن هناك دورا هائلا للمعارضة وباقي قوي المجتمع السياسي والمدني في عملية التطور القادمة من الدولة نفسها. وعلي سبيل المثال فإن لهجة أكثر هدوءا وأقل انفعالا ولغة أكثر كياسة بين بعض طوائف المعارضة والحزب الوطني الديمقراطي تعزز موقف الإصلاحيين داخل مؤسسات الدولة وتقطع علي المحافظين حجتهم بأن الطريق الديمقراطي ليس مجهزا في هذه المرحلة لأنه يمكن أن يقود إلي الفوضي والغوغائية وسيادة قوي فاشية من أشكال مختلفة. ولا يمكن تفسير المقترحات الجذرية الصادرة من المجلس القومي لحقوق الإنسان لولا وجود شخصيات إصلاحية قريبة من الحكم وقريبة من المعارضة أيضا وتتمتع بالكياسة والحصافة. وأكثر من ذلك فإن المعارضة سوف تفيد كثيرا في عملية التطور من خلال مؤسسات الدولة عندما تكون الديمقراطية نظرية شاملة تطبق علي كل القوي والأحزاب السياسية في البلاد وليست فقط نشاطا موجها ضد الحزب الوطني الديمقراطي. فقد يكون من المفهوم أن تشدد المعارضة (النكير) علي الحزب الحاكم لأنه لا يقوم بنقل البلاد إلي الديمقراطية ويماطل في تطبيقها، ولكن ما هو غير مفهوم أن تقبل المعارضة ببساطة من جماعة الإخوان المسلمين أن تتحدث عن دولة مدنية من ناحية بينما ترفع شعار الإسلام هو الحل، وترفع المصاحف والسيوف في ساحة السياسة المدنية، وتعلن عن عشرة آلاف من المليشيات الجاهزة للقتال، وتقيم جماعة علي (السمع والطاعة). وببساطة لا يفيد كثيرا أن يكون تعريف الديمقراطية هو إزاحة الحزب الوطني الديمقراطي من الحكم _ وهذا مشروع- أما ما سوف يأتي بعده فهو مفتوح لكل الاحتمالات التي قد يكون بينها دولة دينية علي الأنماط المدنية التي سمعنا عنها في السودان وأفغانستان، وقد يكون من بينها دولة العمال والفلاحين مرة أخري علي الطريقة الناصرية في الستينيات. وببساطة فإن المعارضة والقوي السياسية المختلفة عليها أن تكون متسقة مع نفسها كما هي متسقة مع الحكومة والحزب الوطني الديمقراطي حتي تكتمل