في مشروع ترجمة قائمة أفضل مئة كتاب عن العالم (سلسلة 100 كتاب)، والتي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، تحت إشراف ورئاسة تحرير السلسلة للشاعر والمترجم المصري المعروف "رفعت سلام"، صدر العدد السادس من السلسلة، ديوان "أغنيات البراءة والتجربة" للشاعر الإنجليزي الشهير "وليم بليك" في 162صفحة من القطع المتوسط، من ترجمة الباحث والمترجم/ حاتم الجوهري وتقديم د.ماهر شفيق فريد. العمل يعد هو الأول في مجال الشعر في السلسلة بعد أربع روايات ومسرحية واحدة، ويذكر أن هذا المشروع الطموح لترجمة أفضل 100عمل إبداعي في تاريخ البشرية إلي العربية؛ يعد هو الأول من نوعه عربيا حيث توجد في الثقافة العالمية قائمة بأفضل 100 عمل إبداعي بينها بعض الاختلافات. وهذه هي المرة الأولي التي يتم المبادرة فيها بمثل هذا المشروع في الترجمة، إلي جانب المحاولات القديمة ل"الألف كتاب" الأولي لتقديم جواهر الثقافة العالمية للعربية. والجدير بالذكر أن المشروع يتضمن ترجمة عن اللغات الأصلية لمجموعة من الأعمال مثل اليابانية وغيرها. خرافة الأدب الصهيوني هذه هي المرة الثانية التي يتم تقديم فيها الباحث/ حاتم الجوهري كمترجم، حيث قام من قبل في كتابه الأول "خرافة الأدب الصهيوني التقدمي" بالترجمة الكاملة لأحد دواوين الشعر الصهيوني عن العبرية –في سياق تعرضه للصراع العربي الصهيوني-، ويبدو أن ترجمة الشعر –علي صعوبتها- تستهويه، فها هو هنا يقدم لنا ترجمة عن إنجليزية القرن الثامن عشر بصعوبتها وسياقها التاريخي المغاير. مقدمة الكتاب التي زيلت بتوقيع أحد أهم وأكبر المتخصصين في الأدب الإنجليزي في مصر والعالم العربي؛ تجعلنا نستشعر جودة البضاعة المقدمة، فيقول د. ماهر شفيق فريد أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة في تقديمه للكتاب: "وقد أسدي المترجم والباحث الشاب حاتم الجوهري إلي ثقافتنا العربية يدا؛ بترجمة وجمع شمل هذه القصائد معا، وتقديمها كما أراد صاحبها أن تقدم، فإن بينها صلات داخلية وتراسلات مقصودة لا يتضح معناها إذا أخذت مفردة ولم توضع في سياقها الأشمل". ووليم بليك هو أحد أهم شعراء وأدباء المدرسة الرومانتيكية التي ضربت أوربا، وخلخلت جذورها القديمة، هي المدرسة التي تعرضت مباشرة للدور السياسي للكنيسة –كما هو ظاهر في الديوان-، وهي التي التصقت بالطبيعة والحلم –كما يتجسد أيضا في الديوان- في مواجهة قسوة الواقع، وعن ذلك يقول الجوهري في دراسته التي سبقت ترجمة الديوان: "وليم بليك" واحد من أهم شعراء "المدرسة الرومانتيكية" في الفنون والأدب قاطبة؛ والذين ينظر لهم كنموذج للتعريف بتجربة هذه المدرسة التي ظهرت في أواخر القرن 18 في أوربا. ظهرت هذه المدرسة على أنقاض "المدرسة الكلاسيكية"، وأحدثت انقلابًا مركزيًّا في الفكر الأوربي الحديث، وقدمت رافعةً محوريةً له. "وتعد المدرسة الرومانتيكية أهم حركة أدبية في تاريخ الآداب الأوربية، لأنها- بما اشتملت عليه من مبادئ، وبما مهد لها من اتجاهات في القرن الثامن عشر- قد يسرت للإنسان الحصول على حقوقه؛ إذ مهدت للثورات وعاصرتها، ثم كانت خطوة في سبيل نشأة المذاهب الأدبية المختلفة فيما بعد؛ فيجوز لنا أن نطلق على تلك المدرسة الأدبية التي ينتمي لها الشاعر: مدرسة التمرد الحقيقي الأولي في الفكر الأوربي الحديث". أغنيات البراءة والتجربة ديوان "أغنيات البراءة والتجربة" فهو كما يقول عنه المترجم في دراسته، خير معبر عن روح تلك "المدرسة الرومانتيكية"، وعن الشاعر وليم بليك نفسه. فهو يقدم لنا الرؤية المتحركة والمتغيرة للعالم، التي تستند على الذات والعاطفة الإنسانية والتجربة الفردية بشكل واضح وجلي؛ يحاول الشاعر التعبير فيه عن قضية إنسانية كبرى شغلت وتشغل الكثيرين أبدًا- دوام الوجود الإنساني؛ هي قضية الذات الإنسانية الحالمة في مواجهة العالم المادي وقوانينه، والجدل والصراع المستمر والمتجدد بينهما؛ ما بين: الصمود والهزيمة، القوة والضعف، التحقق والانسحاق، الخلاص والضياع.. أشعار مرحلة البراءة من أهم الظواهر والقضايا الأدبية المعبرة عن الديوان: علاقة الإنسان بالدين والكنيسة وتداخل المطلق الإلهي مع النسبي البشري؛ حيث كان الشاعر واضح في علاقته التي يفصل فيها لحد بعيد بين الخالق (سبحانه وتعالي) وبين الكنيسة ورجالها، خاصة في مرحلة البراءة (حيث الديوان قسمين: البراءة ثم التجربة)، والتي وضح فيها شغفه وتوحده –شبه الصوفي- مع الخالق، وفي ذلك يقول في قصيدة "العثور على الولد الصغير"- (من أشعار مرحلة البراءة)-نجد هنا الله (الأصيل) هو المنقذ والقريب والأب، الذي ينجد "الابن الضال" ويرشده للطريق: ضاع الولدُ الصغيرُ في المستنقع الموحش، تقوده الأضواءُ العابرة، شَرع في البكاء، لكن الله، القَريبَ دائمًا، ظهر مثل والده، بالأبيض. وفى قصيدة "الراعي"، نجد الحالة المثالية للراعي (الإنسان) الذي يعيش هائمًا جوالاً حرًّا في الطبيعة والحياة، متصالحًا مع قدره، وعلاقته متصلة بالشكر للخالق مباشرة: كم عَذبٌ هو القدر العذبُ للراعي ! يهيم من الصباح إلى المساء ؛ سوف يتبع أغنامَه طُول النهار، وسوف يمتلئُ لسانُه بالتسبيح. أما في مرحلة التجربة والتي طفت فيها الكنيسة علي السطح في العلاقة بين الشاعر ودينه؛ فنجد أن الحال اختلف؛ فأصبح الشاعر- في هذه المرحلة- خاضعًا لفكرة "رد الفعل" تجاه الكنيسة المتسلطة، وسيطرة علاقته مع الوكيل (الكنيسة) على علاقته مع الأصيل (الخالق)، فيخلط بين: الكنيسة والملك.. وذلك في قصيدة "منظف المدخنة"، فأعلن عن كراهية الوسيط ( الكنيسة وشريكها الملك)، وضيقه به: ولأنني أرقص وأغني سعيدًا، اعتقدوا أنهم ما أصابوني بأي ظُلم، وذهبوا ليمجِّدوا الربَّ وكاهنه وملكه، الذي خلق فردَوسًا من تعاستنا. وفى قصيدة "حديقة الحب"، نرى إحدى القمم الكبرى للصراع وذروته داخل الديوان، حين يقدم لنا الشاعر: الحب والجمال والطبيعة، في مواجهة العدو: الكنيسة القاسية والقساوسة والموت: ذهبتُ إلى حديقة الحب، ورأيتُ ما لم أره أبدًا ؛ بُنيت كنيسةٌ صغيرةٌ في المنتصف، حيث اعتدتُ اللعب على الخضرة. ورأيتهَا مليئةً بالقبور، وشواهدُ الأضرحة قائمةٌ حيث كان يجب أن تكون الزهور؛ وقساوسةٌ في عباءاتٍ سوداء كانوا يسيرون حولها، ويعوقون ب"الورود الجبلية" أفراحي ورغباتي. والديوان زاخر بالقصائد الجميلة والقضايا المعبرة عن تلك المرحلة التاريخية؛ ومنها: الحب والقيود، التمرد والسلطة العامة، الحيرة والتردد الإنساني بين البراءة والتجربة، الخ. وتبقي الدعوة لقراءة هذا الأثر الشعري الهام، ومحاولة التواصل الإنساني رغم ما بيننا وبينه من سنين طوال.