بعدما يقرب من أسبوعين على إقرار المؤتمر الوطني العام في "ليبيا" لقانون العزل السياسي، إثر اضطرابات أمنية أججت حالة الجدل السياسي في البلاد، جاءت نار الإقصاء السياسي لتصيب السيد "محمد المقريف" (رئيس أول سلطة تشريعية بعد ثورة السابع عشر من فبراير التي أطاحت بالعقيد "معمر القذافي"، والذي كان يشغل مناصب سياسية في فترات سابقة. ويأتي ذلك بعد تواتر العديد من الأنباء عن عزمه تقديم استقالته من منصبه، استباقاً لقرار قد تصدره لجنة حكومية تبدأ عملها مطلع يونيو القادم، بخصوص انطباق معايير قانون العزل السياسي عليه، وسط وجود مشاورات مكثفة بين أعضاء "المؤتمر الوطني" للاتفاق على مرشح بديل للمقريف في حال تقديمه استقالته رسمياً. بين مؤيد ومعارض هذا وقد أثارت الدعوات إلى تطبيق قانون العزل السياسي جدلاً واسعاً في "ليبيا"، خصوصاً وأنه في حالة تطبيق هذا القانون سيكون أول المتضرّرين رئيس المؤتمر الوطني العام في "ليبيا" وبعض من أعضائه، إضافة إلى أكثر من (500) ألف ليبي في الأجهزة الحكومية، على رأسهم "محمود جبريل" - رئيس تحالف القوى الوطنية - الحاصل على (39) مقعداً من مقاعد المؤتمر. ويرى البعض أن هذا الجدل حول الانشقاق والعزل في ثورات الربيع العربي، مرده أن هذه الثورات لم تقع في القرن الثامن عشر ولا بداية القرن العشرين، حيث لم يكن لأعداء الثورات المنتصرة آنذاك مكان آخر سوى القبر. وتباينت ردود الأفعال حول هذا القانون، ما بين مؤيّد يرى أن "ليبيا" الجديدة يجب أن تقصي كل من تعامل مع نظام "القذّافي"، ومعارض يرى أن تطبيقه سيزيد في حالة الاحتقان والخلافات على الساحة السياسية في البلاد. وبرؤية مختلفة، اعتبر بعضهم أن تطبيق هذا القانون هو محاولة من جماعة «الإخوان المسلمين» في "ليبيا" لتصدّر المشهد السياسي بإقصاء المنافس الأقوى لهم "محمود جبريل"، والذي شكّل هو وتحالفه حائط صدّ منعهم من استكمال سيطرة «الإخوان» على دول الربيع العربي، بعدما اختار الشعب الليبي تحالف القوى الوطنية برئاسة "جبريل"، مستبعداً حزب «الإخوان» في انتخابات المؤتمر الوطني. ومن جانبه حذر "محمود جبريل" - رئيس الائتلاف الوطني ورئيس مجلس الوزراء السابق - من خطورة قانون العزل السياسي، واصفاً إياه بأنه "غير مسبوق في التاريخ المعاصر، ولم يحدث في أي دولة"، ومشيراً أنه قد يعصف بكفاءات الجهاز الإداري في الدولة. في حين انتقد رئيس المرصد الليبي لحقوق الإنسان "ناصر الهواري"، الدعوات التي تنادي بتطبيق القانون، وقال: "إنه إذا كنا نسعى وبحق لتأسيس دولة القانون في "ليبيا" الجديدة بعد عقود طويلة من الظلم والاستبداد، معتبراً أن هذا القانون الذي يطالب البعض بتطبيقه، يحرم من يطبّق عليه من أبسط حقوقه الدستورية، وهو حق التحقيق معه قبل إصدار أي عقوبات جزائية ضده، إضافة إلى كون هذا القانون انتقائياً وانتقامياً، حيث يعاقب بالعزل السياسي لمن شغلوا بعض المناصب السياسية إبّان النظام البائد بصورة انتقائية، بما يخلّ بمبدأ المساواة الذي نسعى لتضمينه في "ليبيا" الجديدة، وأشار إلى "أن تطبيق هذا القانون، ربما يزيد في حدّة الاحتقان الداخلي وتقليص مساحة التسامح بين الليبيين". أما الحقوقي "عبد السلام المسماري"، فيقول: إن قانون العزل السياسي وقانون هيئة النزاهة الوطنية ومثيلاتها، هي قوانين ينظمها فكر إقصائي يحاول إعادة إنتاج نظام سياسي شمولي. وفي المقابل أكد "بشير الكبتي" - القيادي بجماعة الإخوان المسلمين في "ليبيا" - أن جماعته لم تفكّر ولم تبحث فكرة مشروع العزل السياسي داخل الجماعة، وأشار إلى أن المؤتمر الوطني، والمنبثق من إرادة واختيار كل الليبيين ديمقراطياً، هو الجهة المسئولة، وهو من يملك شريعة تبنّي هذه القرارات. وفي السياق ذاته يرى الكاتب "إسماعيل القريتلي"، أن "العزل السياسي ليس اجتثاثاً، كما يتصوّر البعض، بل هو تسهيل التحوّل والتغيّر الاجتماعي الناتج ضرورة من الثورة المسلّحة". تحديات أمنية وحذر العديد من الخبراء من خطورة إقرار قانون العزل السياسي على الجانب الأمني في البلاد، خاصة وأن عملية بناء الدولة في "ليبيا" واجهت العديد من العقبات، حيث مثلت التحديات الأمنية جانباً خطيراً على هذه العملية. بيد أن الوضع الأمني ازداد تردياً في البلاد بعد الحوادث المتكررة ضد الرعايا الأجانب في "بنغازي" - معقل الثورة الليبية على نظام "القذافي" - من حادث تفجيرات القنصلية الأمريكية وصولاً بالهجوم على القنصل الإيطالي، ثم الاعتداء المشين على الناشطات البريطانيات من أصل باكستاني، وما زاد الأمر هو ضعف مواقف الحكومة حيال هذه مما أسهم في عزل المنطقة الشرقية، وعودة المخاوف بشأن تقسيم "ليبيا". ويخشى الكثير من المحللين من أن تساهم عملية الإقصاء السياسي لبعض القوى الليبية من ارتفاع وتيرة العنف، بعدما قررت العديد من الدول الغربية سحب ممثليها، وحثت رعاياها على عدم البقاء أو السفر إلى "ليبيا"، كما أن استمرار الخروقات الأمنية في العاصمة من عمليات خطف وسطو مسلح، قطع الطرق من قبل مجموعات مسلحة أضعف جهود الحكومة لعودة الاستثمارات الأجنبية، مما أدى إلى تعثر عجلة الاقتصاد الوطني، وذلك بعدما فشلت عوامل احتواء الاضطرابات الأمنية الحادثة في البلاد. وفي سياق آخر، فلا شك أن تردي الوضع الأمني من أهم أسباب عرقلة التقدم على المسار السياسي وعبور الفترة الانتقالية، فمن ناحية لكون القضية الأمنية تتبوأ قمة أولويات السلطات الليبية، فقد أدى بحث سبل معالجتها على مستوى المؤتمر الوطني، وعلى مستوى المكونات السياسية والاجتماعية خارج المؤتمر، إلى تأخير التركيز على تطوير آليات وبرامج وثيقة الصلة بتطوير العملية السياسية. ومن ناحية أخرى، فإن الخلاف حول سبل معالجة الوضع الأمني، خصوصاً فيما يتعلق بتطبيق العزل السياسي في القيادات الأمنية الذي أدى إلى تعقد المسار السياسي بسبب ازدواجية معايير هذا القانون، واحتمالية استخدامه ذريعة لتحقيق كسب سياسي. مستقبل مجهول وفي النهاية تبقى الأوضاع السياسية والأمنية في "ليبيا" رهناً للعديد من التساؤلات التي من المفترض أن تحمل الأيام القليلة المقبلة الإجابة عليها، بداية بمعرفة إلى أي مدى سيكون تطبيق قانون العزل السياسي منصفاً للمسئولين الذين انتقلوا إلى صفوف المعارضة الليبية خلال عهد "القذافي"، وإلى أي مدى سيسهم هذا القانون في إرساء الاستقرار في البلاد التي لا تزال تعاني من الاضطرابات الأمنية وفوضى السلاح، وهل يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى ك"ألمانيا" مثلاً في التعامل مع إرث الدكتاتوريات السابقة.