من منصات الجمباز الإيقاعي حيث لا مجال للخطأ، إلى أدق مختبرات البيولوجيا الجزيئية فى جامعة نيويوركأبوظبي، تمضى الدكتورة نادين حسنى السعيد فى رحلة لفك شفرات الحياة. هذه العالمة المصرية التى تخصصت في «الإبيجينتيكس» (علم فوق الجينات) وال RNA، لم تكتفِ بدراسة الخلية، بل أصبحت تطارد أسرار الأمراض المزمنة فى أدق جزيئاتها، محولةً ما كان يُعرف ب «خردة الحمض النووي» إلى مفاتيح ذهبية لعلاجات مستقبلية ستحول وجه الطب الدقيق للأبد. «آخرساعة» تبحر فى عقل هذه الباحثة الاستثنائية التى توجت مؤخرًا بجائزة «لوريال- يونسكو من أجل المرأة فى العلم لعام 2025» العالمية، تقديرًا لبصمتها البحثية ودورها فى تعزيز ريادة المرأة فى العلوم. فى هذا الحوار، لا نتحدث فقط عن الجينات والمختبرات، بل عن قصة إصرار امرأة واجهت الرفض ثلاث مرات، ووازنت ببراعة بين «دقة البحث» و«حنان الأمومة»، لتصوغ فى النهاية معادلة نجاح مصرية خالصة عنوانها «لا وجود للمستحيل». ◄ بطلة الجمباز الإيقاعي التي فكّكت شفرات ال DNA ◄ الجائزة منحتني صوتًا أقوى للدفاع عن المرأة في مجالات العلم ◄ جامعة الملك عبدالله رفضتني 3 مرات.. والإصرار كان مفتاح نجاحي ◄ أبحاثي فتحت بابًا لعلاج أمراض الشيخوخة بالاعتماد على «خُردة» ال DNA ◄ «الطب الدقيق» رهان المستقبل لعلاج الأمراض من جذورها الجينية ◄ «لوريال- يونسكو» خطوة نحو جائزة «نوبل» ◄ هويتى المصرية فخر أحمله في كل مختبر ومؤتمر ◄ كيف بدأت رحلتكِ في البحث العلمي؟ وما الذي جذبكِ تحديدًا لمجال «علم فوق الجينات» (Epigenetics) وما يُعرف ب«الحمض النووي الريبوزي» (RNA)؟ - بدأ شغفى بالعلوم فى وقت مبكر بفضل المعلمين الذين كانوا يدرسون لي في المرحلة الإعدادية، الذين جعلوا الرياضيات والكيمياء تنبضان بالحياة، فقد كانوا أول من أدرك أن العلم ليس مجرد حفظ، بل هو حل للألغاز وفهم للأنماط. ورغم تميزي في علم الأحياء والكيمياء في مرحلة الثانوية على النظام البريطانى (IGCSE)، كنت أرغب في البداية فى دراسة العلوم السياسية والاقتصاد مثل والدتى، ولكن في الفصل الدراسي الأخير من مرحلة (A-Level)، غيّر معلم الأحياء، الدكتور رامى فهمى (وهو طبيب)، وجهة نظري تمامًا، حيث أشعل شغفي بطريقته في ربط البيولوجيا بالحياة الواقعية، مما أعاد توجيه مساري نحو العلوم الطبية الحيوية. اخترت دراسة الصيدلة فى جامعة عين شمس، وهى واحدة من أكثر البرامج تنافسية فى مصر، وتخرجت من أوائل دفعتى، ثم حصلت على الماجستير فى التكنولوجيا الحيوية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالتزامن مع عملى معيدةً بقسم العقاقير وكيمياء النبات بجامعة عين شمس. وأضافت: لاحقًا انتقلت إلى السعودية لمتابعة الدكتوراة بعد تقديم أربع محاولات للالتحاق بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وهناك، وتحت إشراف البروفيسور فاليريو أورلاندو رائد تقنية «ChIP-seq» (طريقة لرسم خريطة توضح أماكن تفاعل البروتينات مع الحمض النووى لفهم كيفية التحكم فى نشاط الجينات) دخلت عالم «علم فوق الجينات». ورغم أنه لم يكن خيارى الأول وقعت فى حبه سريعًا، وأصبحت أول خريجة من برنامج «علم فوق الجينات البيئى» فى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. بعد الدكتوراة وخلال مشاركتى فى مؤتمر علمى فى مدنية هايدلبرج بألمانيا التقيت بباحث من مختبر «برسيبالى» بجامعة نيويورك أبوظبى، مما فتح لى الباب للانضمام للمختبر وبدء رحلتى فى عالم بيولوجيا ال RNA وتنظيم الجينوم المذهل. ◄ ما أبرز التحديات والعقبات التي واجهتِ مسيرتكِ الأكاديمية حتى الآن؟ - رحلتى العلمية لم تكن أبدًا طريقًا سهلًا أو مباشرًا، بل كانت رحلة قوامها الصبر والإيمان، فى البداية كنت أطمح إلى التخصص فى «علم الصيدلة الجينى» (العلم الذى يدرس كيف تؤثر جيناتنا على استجابة أجسامنا للأدوية)، لكن هذا التخصص لم يكن متاحًا فى ذلك الوقت. وبدلًا من ذلك درست «الميتاجينوميات» (مجال يدرس المادة الوراثية المأخوذة مباشرة من العينات البيئية لفهم الكائنات الدقيقة) خلال مرحلة الماجستير، وهو ما فتح عينى بشكل غير متوقع على «العالم الجزيئى» وهو العالم الدقيق الذى يدرس الجزيئات داخل الخلايا مثل ال DNA، وقادنى فى النهاية إلى شغفى الحالى. لقد تعلمت من رفضى ثلاث مرات بجامعة الملك عبدالله قبل قبولى فى المرة الرابعة أن الفشل ليس نقيض النجاح، بل هو جزء منه. وبصفتى «أم معيلة» وامرأة تكافح فى مجال العلم، كان التوازن بين البحث والقيادة والأمومة تحديًا كبيرًا، لكن خلفيتى كبطلة جمباز إيقاعى سابقة (على المستويين الإفريقى والدولى) أعادتنى لذلك؛ فسنوات التدريب علمتنى المثابرة والهدوء والتركيز، وهى العقلية ذاتها التى أعتمدها فى تجاربى اليوم، ولا أنسى فضل عائلتى (والدتى ووالدى وأختى وابنى) الذين كانوا مصدر قوتى الدائم. ◄ كيف أثر العمل في بيئة بحثية دولية على مهاراتكِ وخبراتكِ؟ العمل فى بيئة دولية كان تحولًا جذريًا بالنسبة لى، فقد مكننى من الاطلاع على ثقافات علمية متنوعة وتقنيات متطورة، والتعاون مع باحثين من خلفيات مختلفة صقل تفكيرى النقدى وعزّز مهارات التواصل لدى، وعلمنى أن الخطأ جزء من التعلّم للوصول إلى مرتبة أفضل فى العلم. ◄ اقرأ أيضًا | دراسة مثيرة للجدل: وجود DNA فضائي في البشر ◄ وهل يمكنكِ مشاركة أهم نتائج أبحاثكِ الحالية وتأثيرها المحتمل على «الطب الدقيق» وعلاج الأمراض المزمنة؟ داخل كل خلية فى جسمنا يوجد حوالى مترين من الحمض النووى (DNA)، ومع ذلك يفهم العلماء وظيفة 2% فقط منه، بينما كان يُطلق على ال 98% المتبقية خطأً «الخردة» (Junk DNA) وأبحاثى تثبت أن هذه «الخردة» حيوية جدًا لوظائف الخلايا، وأقوم بدراسة جزيئات حمض نووى ريبوزى (RNA) خاصة تُعرف ب (long non-coding RNAs) وهى جزيئات لا تُنتج بروتينات كما هو معتاد، بل تعمل كمحرر أو منظم للعمليات الحيوية داخل الخلية، وأبحث فى كيفية تعاونها مع البروتينات لتنظيم ال DNA، وقد اكتشفنا أن هناك أنواعًا معينة من هذه الجزيئات، مثل جزيئ يُدعى (MEG3) تلعب دورًا محوريًا فى التحكم فى كيفية ترتيب الجينات وتشغيلها أو إيقافها، خصوصًا الجينات المرتبطة بالتمثيل الغذائى (العملية التى يحوّل فيها الجسم الطعام والشراب إلى طاقة)، وهذا الفهم العميق يفتح آفاقًا جديدة لما يُعرف ب«الطب الدقيق»، وهو نموذج طبى يُفصّل العلاج ليناسب الحالة الجينية لكل مريض بدلاً من العلاج الموحد للجميع، مما يسمح لنا بتطوير علاجات مخصصة لأمراض مثل اضطرابات التمثيل الغذائى، وخشونة المفاصل، وأمراض الشيخوخة، من خلال استهداف الخلل فى تنظيم الخلايا من جذوره، وليس مجرد علاج الأعراض الظاهرة. ◄ كيف أثر فوزكِ بجائزة «لوريال - يونسكو من أجل المرأة في العلم لعام 2025» على مسيرتكِ؟ كانت لحظة فارقة فى حياتى، فهذه الجائزة مُنحت ل 63 عالمة فقط من الشرق الأوسط منذ عام 2014، وسبع من الفائزات الدوليات بها حصلن لاحقًا على جائزة نوبل، لذا فهى فخر ومسئولية كبيرة. وعلى المستوى المهنى زادت الجائزة من ظهور أبحاثى وعززت التعاون الدولى، وعلى المستوى الشخصى كانت ذات معنى عميق لأنها جاءت بعد التقديم لثلاث سنوات متتالية، مما أكد إيمانى بأن المثابرة هى المفتاح. لقد منحتنى الجائزة صوتًا أقوى للدفاع عن المرأة فى العلم وتوجيه الباحثات فى مقتبل حياتهن المهنية. ◄ ما الرسالة التي تودين توجيهها للشابات المصريات الطامحات للعمل في البحث العلمي؟ رسالتى بسيطة وهى: آمنى بفضولكِ ولا تستخفى بقدراتكِ.. لا تحتاجين لامتلاك جميع الإجابات من البداية، بل تحتاجين فقط لشجاعة البدء.. العلم ليس طريقًا مفروشًا بالورود، بل ملىء بالتحديات، وكل عقبة هى درس مهم. وقالت: لقد بدأت كصيدلانية إكلينيكية وانتقلت إلى أبحاث الطب الحيوى، مما يثبت أن مساركِ ليس بالضرورة أن يكون تقليديًا ليكون مؤثرًا، تذكرى دائمًا هذه الكلمات الثلاث: المرونة، والشغف، والتواضع، كما أننى أقول دائمًا: كلمة «مستحيل» بالإنجليزية (Impossible) تحمل فى طياتها عبارة (I'm possible) أى «أنا قادر». ◄ ما المبادرات أو المشاريع العلمية التي تأملين في متابعتها مستقبلًا؟ أطمح للتوسع فى استراتيجيات العلاج القائمة على ال RNA وبناء جسور بين الأبحاث الأساسية والتطبيقات السريرية، خاصة للأمراض المزمنة فى الشرق الأوسط. خلفيتى كصيدلانية تجعلنى دائمًا أسعى لتحويل العلم إلى نتائج صحية ملموسة للمرضى. كما أهتم بمجال «الطب التجديدى» وبتوجيه الجيل القادم من العلماء، فتقدم العلم لا يُقاس بالاكتشافات فقط، بل بالجيل الذى نلهمه. ◄ كيف توازنين بين هويتكِ المصرية ومسيرتكِ البحثية الدولية؟ هويتي المصرية ليست شيئًا أوازنه، بل هى فخر أحمله فى كل مختبر ومؤتمر، هى التى تشكل مرونتى وقيمى ومسئوليتى تجاه العطاء، تمثيلى لمصر يحفزنى على التميز وفتح الأبواب للآخرين، ولا تنسَ أننى كنت بطلة وقائدة للمنتخب الوطنى للجمباز الإيقاعى لسنوات، وحصدت أكثر من 101 ميدالية دولية لمصر؛ تلك التجربة هى التى صقلت شخصيتى ومهاراتى التى أستخدمها اليوم فى عملى. ◄ هل هناك تجارب شخصية شكلت رحلتكِ العلمية؟ هناك لحظتان فارقتان فى حياتى لا أنساهما، الأولى كانت أثناء دراستى للدكتوراة، حين اكتشفتُ أن نوعًا من جزيئات ال RNA كان يُعتقد سابقًا أنه بلا وظيفة لديه القدرة على عكس «ضمور العضلات» (أى إعادة بناء العضلات الضعيفة ومنع تدهورها)، وفى تلك اللحظة تحديدًا أدركتُ القوة الهائلة ل«العلم الأساسى» (وهو البحث فى أصل الظواهر الحيوية قبل محاولة علاجها). أما اللحظة الثانية فهى حين تلقيت مكالمة فوزى بجائزة «لوريال- يونسكو»، تلك المكالمة لم تكن مجرد إعلان عن جائزة، بل كانت تتويجًا لمحاولات ومثابرة على مدار ثلاث سنوات متتالية، لتذكرنى من جديد بأن المثابرة هى دائمًا الشريك الصامت لكل نجاح حقيقى. ◄ ما هى رؤيتكِ لمستقبل البحث العلمي في مصر والمنطقة؟ أرى مستقبلًا تكون فيه منطقتنا قائدة للابتكار لا مجرد مشاركة فيه، ويتطلب ذلك استثمارًا فى البنية التحتية والتدريب، والأهم من ذلك توفير التمويل المحلى، معظم الأبحاث العالمية تُجرى على شعوب غربية، وتطبيق الأبحاث على مجتمعاتنا المصرية والعربية سينعكس بشكل مباشر وإيجابى على جودة حياتنا وصحتنا. ◄ كيف ترين دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مستقبل الطب؟ الذكاء الاصطناعى سيعيد صياغة كيفية تحليل البيانات البيولوجية وتصميم العلاجات، وسيمكّننا من تشخيص أسرع وعلاجات شخصية، ومع ذلك تظل الرؤية البشرية أساسية، فالتكنولوجيا ستعزز الإبداع والدقة العلمية ولن تستبدلها. ◄ نصيحة أخيرة للجيل القادم؟ حافظوا على الشغف، والأخلاقيات، والمرونة.. العلم ماراثون وليس سباقًا قصيرًا، والفشل جزء من الاكتشاف وليس نهايته.. لقد قدمت 4 مرات للدكتوراة و3 مرات لجائزة لوريال قبل النجاح.. احلموا بعظمة، واعملوا بجد، وتذكروا دائمًا أنه لا يوجد مستحيل.