فى الحروب الكبرى، أخطر ما يكشفه التصعيد ليس حجم النار، بل اختلاف الزمن السياسى بين الحلفاء، هذا بالضبط ما تكشفه اللحظة الحالية بين واشنطن وتل أبيب: تقارير إسرائيلية تتحدث عن أن ترامب أبلغ نتنياهو بأن أمامه أسبوعًا لإنهاء الحرب، أو على الأقل لوضعها على طريق الإغلاق، بينما خرج نتنياهو نفسه بعد ذلك ليعترف بأن إسقاط النظام الإيرانى ليس نتيجة يمكن ضمانها بالقصف وحده، وأن تغيير النظام يبقى رهينًا بعامل داخلى إيرانى لا تملكه الطائرات ولا الصواريخ. حديث ترامب عن مهلة زمنية قصيرة، يعنى أن واشنطن تنظر إلى الحرب بوصفها أداة ضغط يجب أن تقدم نتيجة سياسية سريعة قبل أن تتحول إلى عبء استراتيجى: أسعار طاقة أعلى، انكشاف بحرى أطول، وتوسّع جبهات يصعب التحكم فيها. أما اعتراف نتنياهو بصعوبة إسقاط النظام، فهو يعنى أن إسرائيل، رغم كل ما قيل عن «ضربة قاصمة»، اصطدمت بالحقيقة الأقدم فى تاريخ الحروب: إضعاف الدولة شىء، وكسر النظام من داخله شىء آخر تمامًا، فالقصف قد يهزّ البنية، لكنه لا يخلق بديلًا، ولا يضمن انتفاضة، ولا يصنع شرعية جديدة من الجو. ومن هنا، يظهر التباين الحقيقى: واشنطن تريد حربًا قصيرة ذات مخرج سياسى، بينما يبدو أن تل أبيب دخلت الحرب بسقف أعلى من قدرتها على الإغلاق، وعندما يقول نتنياهو إن النظام لا يمكن إسقاطه بلا حراك داخلى، فهو فى الواقع يخفّض سقف الهدف بعد أن رُفع كثيرًا فى بداية المعركة، هذه ليست مجرد مراجعة تكتيكية، إنها اعتراف ضمنى بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفى وحدها لحسم معركة «مَنْ يحكم طهران». وفى الحروب، عندما ينخفض سقف الأهداف فى منتصف الطريق، فهذا يعنى أن سؤال «كيف نخرج؟» أصبح أكثر إلحاحًا من سؤال «كيف ننتصر؟». الأزمة هنا لا تتعلق فقط بخلاف فى التقدير بين حليفين، بل بخلاف فى تعريف «النتيجة» نفسها، واشنطن تبدو أقرب إلى منطق: ضربة تُنتج تفاوضًا، أو حرب قصيرة تُعيد رسم خطوط الردع، ثم تُغلق. أما تل أبيب، فتتحرك بمنطق أوسع وأخطر: إذا كانت الحرب قد بدأت فعلًا، فلماذا لا تُستثمر إلى أقصى حد لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية كلها، من إيران إلى لبنان، وربما أبعد من ذلك؟. الفارق بين المنطقين جوهرى، لأن الأول ما زال يبحث عن «مخرج»، بينما الثانى يوسّع «المسرح»، وعندما يختلف الحلفاء حول معنى النهاية، تصبح كل ضربة جديدة قابلة لأن تكون خطوة نحو هدفين متعارضين: واشنطن تراها ضغطًا لإنهاء الحرب، وتل أبيب تراها مبررًا لتمديدها. وهنا تتكشف مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا: إن الاعتراف بصعوبة إسقاط النظام الإيرانى لا يخفف الحرب، بل قد يجعلها أكثر خطورة؛ لأن الحرب عندما تفقد هدف «الحسم الكبير»، تبحث عن بدائل أقل وضوحًا وأكثر قابلية للتمدد: إنهاك البنية، إضعاف الأطراف المساندة، توسيع الضغط على الجبهات المرتبطة، وإعادة تعريف النجاح على مراحل، وهذا النوع من الحروب هو الأخطر على الإقليم، لأنه لا ينتهى بانتصار حاسم ولا بهزيمة واضحة، بل يتحول إلى استنزاف ممتد، يُرهق الجميع، ويُبقى المنطقة معلقة بين نار لا تحسم، وسلام لا يأتى. وفى مثل هذه الحالات، لا تعود المشكلة فى الضربة الأولى، بل فى اعتياد الحرب نفسها كأداة إدارة. ثم إن أخطر ما فى هذا المشهد أن المنطقة كلها قد تجد نفسها تدفع ثمن حسابات لم تصنعها إذا كانت واشنطن تريد سقفًا زمنيًا قصيرًا، وتل أبيب تميل إلى توسيع المكاسب ما دام الباب مفتوحًا، فإن الدول العربية المحيطة هى التى ستتحمل ارتدادات كل يوم إضافى: توتر فى الطاقة، ضغط فى الأسواق، تهديد للممرات، وقلق أمنى يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. ولهذا، فالمسألة لم تعد فقط حربًا بين إسرائيل وإيران، ولا حتى مواجهة أمريكية- إيرانية، بل صارت اختبارًا لقدرة الإقليم على ألا يتحول إلى «مسرح دائم» تُدار عليه حروب الآخرين بينما تُستنزف مصالحه هو أولًا. لكن المفارقة الأكبر أن مَنْ قد يخرج رابحًا من هذا التباين ليس واشنطن ولا تل أبيب، بل موسكو. فالحرب كلما طالت، أعادت ترتيب السوق العالمى بطريقة تخدم روسيا مباشرة، تقارير اقتصادية حديثة تتحدث عن مكاسب يومية إضافية لروسيا تصل إلى نحو 150 مليون دولار من ارتفاع أسعار النفط، وتعطل جزء من إمدادات الشرق الأوسط، مع قفزة فى الطلب من الهند والصين، وعودة النفط الروسى ليتداول بزيادات بعد أن كان يبيع بخصومات هذا ليس مكسبًا هامشيًا؛ إنه شريان سيولة جديد لاقتصاد كان يعانى أصلًا من ضغوط العقوبات وتراجع العائدات. الأخطر أن الربح الروسى ليس ماليًا فقط، فكل يوم تبقى فيه الأنظار معلقة على الخليج وإيران، يتحول جزء من التركيز الدولى بعيدًا عن أوكرانيا، وتخفّ الضغوط السياسية على موسكو، وتصبح الحاجة العالمية للطاقة عاملًا يُلين بعض أدوات العزل، التى بُنيت ضدها خلال السنوات الماضية بمعنى آخر، الحرب التى قُدمت بوصفها إعادة ضبط للردع فى الشرق الأوسط، تمنح روسيا ما لم تكن تتوقعه بهذه السرعة: أسعارًا أفضل، أسواقًا أكثر احتياجًا، ومجالًا أوسع للحركة السياسية. ومن هنا يمكن فهم العبث الكامن فى المشهد كله إذا كانت واشنطن تضغط من أجل إنهاء الحرب سريعًا، فلأنها تدرك أن إطالتها لا تستهلك إيران وحدها، بل تعيد خلط الأولويات العالمية على نحو قد يفيد خصومها الكبار، وإذا كانت تل أبيب تواصل رفع السقف على جبهة لبنان وتتحدث عن «الفعل لا النقاش»، فلأنها لا تريد أن تبدو كمَنْ دخل المعركة ثم اكتشف حدود القوة متأخرًا، لكن هذا الإصرار الإسرائيلى على توسيع الجبهات قد يجعل الحرب أقل قابلية للإنهاء السريع، الذى تريده واشنطن، وأكثر قابلية لأن تتحول إلى استنزاف إقليمى واسع، وهو بالضبط السيناريو الذى يجلس فيه بوتين بعيدًا عن النار لكنه يستفيد من دخانها. أعتقد أن أهم ما تكشفه هذه اللحظة هو أن الحروب لا تُحسم فقط بما تفعله فى خصمك، بل بما تمنحه مجانًا لخصوم آخرين لا يقاتلونك مباشرة، الحرب هنا أضعفت إيران وضغطت عليها، الإجابة نعم، لكنها فى الوقت نفسه كشفت محدودية الرهان على إسقاط النظام من الخارج، وأظهرت فجوة فى الإيقاع بين أمريكا وإسرائيل، ومنحت روسيا وقتًا ومالًا ومساحة تنفس. ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم الآن: هل تنتهى الحرب خلال أسبوع أم لا؟ السؤال الأدق هو: إذا استمرت بعد الأسبوع، مَنْ الذى سيدفع الثمن السياسى والعسكرى؟ ومَنْ الذى سيقبض العائد دون أن يطلق طلقة؟ حتى الآن، تبدو الإجابة واضحة على نحو يزعج الجميع: الرابح الأبرد أعصابًا فى هذه الحرب ليس مَنْ يقصف، بل مَنْ يبيع النفط.