قضايا النفقة من أكثر القضايا الشائكة التي تشهدها محاكم الأسرة، حيث أنها تكتظ بها المحاكم، وهي تمس فئة كبيرة من سيدات وأطفال يسعون للحصول على أبسط حقوقهم في الحياة وهي أن يلتزم الأب بالإنفاق على متطلبات أسرته الأساسية من مأكل وملبس ومصاريف دراسية وعلاج وغيرها، وبسبب العند بين الأب وأم ابنائه (مطلقته)، يحاول الزوج بكل الطرق التهرب من دفع النفقة اعتقادًا منه بإذلال مطلقته وإرهاقها ماديًا كعقاب لها على انفصالها عنه أو جزاءً لها لأنها تجرأت و"جرجرته" إلى المحاكم، متناسيًا قول الله "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". سعادة "احمد" كانت غامرة بعد اتفاقه أخيرًا على شراء السيارة التي تمناها من صديقه الذي عرضها للبيع لسداد ديونه، وتمكن "احمد" بالكاد من جمع المبلغ المالي المتفق عليه، وكان من سعادته أن نوى تجديدها والعمل عليها لتوفير حياة كريمة لأسرته، هكذا كان الحال وانتهت عملية البيع والشراء بتبادل التهاني بين الصديقين، واصطحب "أحمد" زوجته وطفليه إلى نزهة للاحتفال بالسيارة وهم في غاية السعادة، وفي صباح اليوم التالي أسرع لتسجيل السيارة في الشهر العقاري؛ لتظهر المفاجأة التي لم يتخيلها عقله. فقد أخبره الموظف المختص أن السيارة محجوز عليها من قبل مطلقة البائع الذي هو صديقه صاحب السيارة والسبب؛أنه لم يدفع لها متجمد النفقة الكبير فتم الحجز على السيارة المملوكة له، وبالتالي لم يتمكن أحمد من تسجيلها باسمه في الشهر العقاري. ورطة! عملت "إيمان" ليلًا ونهارًا كمدرسة لتساعد زوجها الموظف في إحدى الشركات الخاصة، ولم تكتفِ المدرسة بالراتب الذي تحصل عليه بل سعت لعمل الجمعيات مع زملائها المدرسين والمدرسات وتوفير المبلغ المالي مقدمة الشقة التمليك بدلًا من الإيجار الحديد الذي ذاقت الأمرين منه، حيث أن أسرتها تنقلت 4 مرات من شقة لاخرى بسبب ارتفاع قيمة الإيجار الجديد، حتى شعرت هي وزوجها بالتعب والإجهاد علاوة على تشتيت أبنائها الأربعة وتمنوا جميعًا أن يكون لهم شقة تمليك حتى لو مساحتها صغيرة المهم أن يشعروا بالاستقرار الذي فقدوه، خاصة مع زيادة الأجرة سنويًا. ومع اقتراب تجميع المبلغ الذي كانت تدخره إيمان أخذت تبحث عن الشقة التي تريد الحصول عليها بما يتناسب مع ادخرته، حتى وجدت شقة الأحلام، اتفقت مع صاحب الشقة على انتظارها مدة قصيرة لجمع المبلغ المطلوب، وطلبت من والدها أقراضها باقي المبلغ، كما باعت جزءًا من المصوغات الذهبية التي تملكها، وكانت السعادة الغامرة التي ملأت قلبها وهم يكتبون عقد الشقة، واتفقوا على كتابة شيكات بباقي المبلغ على دفعات، وبدأت ترسم الخطة للعمل والاجتهاد هي وزوجها لتدبير القسط المطلوب شهريًا، ووسط غمرتها بالسعادة وهي تنقل أثاثها، كانت الصدمة الكبرى. فبعد مرور عدة أيام من شراء الشقة، وبينما كانت إيمان ترتب الأغراض وتوزع الأثاث بشقتها الجديدة، فوجئت بمن يطرق بابها، فتحت لتجد أمامها امرأة وبصحبتها عدد من الأشخاص الآخرين، سألتهم بخوف تسرب إلى قلبها عن هويتهم؛ لتفاجأ بالسيدة التي تقف أمامها تخبرها بأنها مطلقة صاحب الشقة التي باعها لها، وأنها حجزت عليها بقرار من المحامي العام بعد رفضه دفع متجمد النفقة. أدركت إيمان أنها وقعت ضحية لفخ ولعبة مكشوفة حتى لا تأخذ مطلقته المسكينة وأبنائهما شقة الحضانة، وعلمت إيمان أيضًا من خلال محاميها أن مطلقة صاحب الشقة عندما تقدمت ضده بدعوى نفقة للصغار ولم تحصل على شيء، حجزت على الشقة حتى تجبره على دفع النفقة المستحقة وتوفير مسكن حضانة لأبنائها، ولم يكن أمام إيمان سوى أن تتذرع – كمشتري - بمبدأ حسن النية أمام القضاء. "ذنبي أيه"؟! وبأسى تقول "حنان" ربة منزل ووالدة "مطلق"؛ فوجئت بضباط بتنفيذ الأحكام يخبروني بأنه تم الحجز على "أثاث" بيتي لدفع متجمد النفقة الصادر لحق مطلقة ابني وابنائه، جن جنوني وعندما سألت المحامي أخبرني بأن ابني يعمل عمل حر وقدم للمحكمة ما يفيد بتعثره وأنه لا يمكن دفع النفقة لأبنائه، لكن أصرت مطلقته على يسار حالته المادية لكن لم تتمكن من إثبات ذلك، لذلك صدر لصالح أبنائه بعد فترة من امتناعه عن تنفيذ حكم بمتجمد نفقة تعدى ال150 ألف جنيه؛ طلبت مطلقته الحجز على ممتلكاته لكن لم تتمكن من إثبات أي ممتلكات له، لذلك تم الحجز على أثاث منزل والدته، كوسيلة لرد قيمة متجمد النفقه، فأصبح عليه إما دفع النفقة متجمد النفقة لمطلقته وأبنائه أو الحجز على "أثاث" بيتها، لتصرخ الأم في وجه ابنها بعدما صارت لا تملك من أثاث بيتها سوى سرير تنام عليه: "كان ايه ذنبي أدفع أنا التمن"؟!، لتذهب صرختها أدراج الرياح. آليات التنفيذ وبسؤال المحامية "فيروز الصافي" المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية قالت: الحجز التنفيذى على ممتلكات الزوج يأتي بعد حصول الزوجة أو المطلقة على أحكام نفقة بكل أنواعها، والتي تحدد إما عن طريق خطاب موجه من المحكمة لجهة العمل التابع لها الزوج للتحري عن دخله إذا كان يعمل موظفًا أو تابعًا لأي جهة عمل معلومة، أو التحري عن أرصدته في البنوك إذا كان له رصيد بنكي، لكن المشكلة الكبرى التي تصادفنا إذا كان الزوج أو المطلق صاحب عمل حر من الصعب تحديد دخله، بجانب تلاعب بعض الأزواج لإظهار دخله أقل من الحقيقي حتى يتم الحكم لصالح أبنائه ومطلقته بنفقة اقل. وفي حالة امتناع الزوج عن سداد قيمة النفقة التي قررتها المحكمة، حيث تأخذ الصيغة التنفيذية في إدارة محضرين التنفيذ وبدورهم يتم عرضه على رئيس المحكمة، بعدها ينزل محصل تنفيذ لما يتم عليه الحجز سواء الحجز على أرصدته في البنوك أو على عقار او حتى الأثاث الموجود في الشقة وغيره، هنا ينشر محضر التنفيذ البيع فى مزاد علني عن طريق المحكمة، بعدها يخصم دين النفقة ويُدفع للزوجة أو المطلقة. وتضيف فيروز الصافي: للأسف إجراءات الحجز التنفيذي على ممتلكات الزوج طويلة ومتعبة وليست بالأمر السهل، حيث تمر بعدة خطوات بدءًا من التقديم للمحضرين وبدورهم يقدمونه لرئيس المحكمة ثم ينزل خبير ليثمن ما تم الحجز عليه، ثم يتم عمل نشر البيع وأخيرًا يُعرض في مزاد علني، كل هذه الاجراءات تأخذ وقتًا طويلًا تكون المطلقة أو الزوجة في أمس الحاجة للنفقة. ومن هذا المنطلق تقترح "فيروز الصافي"، من خلال ما نراه في أروقة محاكم الأسرة، نحتاج إلى آليات جديدة للضغط على الزوج أو الأب خاصة من لا يمكن إثبات دخله سواء من يمتهن عملا حرا، أو بالتلاعب بكتابة ممتلكاته باسم آخر، فيكون التنفيذ صعبا وفيه عبء على الزوجة أو المطلقة لإثبات دخله، لذلك نحتاج إلى تعديلات في قانون الأحوال الشخصية الجديد المنتظر؛ بحيث تُجبر الزوج على الدفع، عن طريق غرامات أو بوقف تجديد بطاقة الرقم القومي أو جواز سفره أو رخصة سيارته أو ما شابه ذلك. أيضًا ننتظر أن يتم إدراج دعوى النفقة فى الجنح مثل أي قضية تابعة للجنح، هناك بالفعل جنحة عدم سداد حكم نفقة يتم النظر فيها أمام محكمة الجنح، ولكن تكون بعد اجراءات طويلة ومرهقة للزوجة؛ حيث لابد أن تحصل على حكم نفقة وبعدها تنتظر مدة 3 شهور، ثم يتم عمل إنذار والانتظار مدة 3 شهور أخرى، وبعدها يتم عمل جنحة عدم سداد النفقة، لذا ما نتمناه أن تدرج دعوى النفقة في محكمة الجنح، واتخاذ قرار من المحكمة بالقيد على كل ما يخص الزوج أو المطلق في المصالح الحكومية سواء تجديد بطاقة أو رخصة قيادة أو أي أوراق رسمية، بحيث يكون من السهل تخييره ما بين دفع دين النفقة أو الحبس، والأهم هي نصيحتي لكل شخص تأكد أنك لا تشتري شيئًا من مطلق. الحل موجود السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يلجأ بعض الأزواج إلى هذه الحيل الغريبة؟!، وما الحل؟! الدكتور مصطفي سعداوي استاذ القانون الجنائي يقول: تقدير عناصر النفقة يخضع للمحكمة، محامي الزوجة عليه ان يثبت بكافة طرق الإثبات دخل الزوج وأمر تقدير النفقة لكن تأتي المشكلة الأكبر انه بعد صدور الاحكام القضائية صعب تنفيذ الاحكام، في قانون الإجراءات الجنائية الجديد تم ربط الرقم القومي بالقضايا، فربط النفقة بالرقم القومي سوف يتسبب في مشكلة كبيرة للأزواج إذا لم يمتثلوا لحكم المحكمة، لأنه لن يتمكن الزوج من اصدار كل أوراقه الرسمية من تجديد رخصة مرور او تجديد بطاقه ولا اي تصريح ولن يتمكن من السفر، واذا قام مثلا ببيع السيارة لن يتمكن من نقل ملكيتها في الشهر العقاري، اي ان اي إجراء يضطر يذهب فيه الي شباك لاستخراج أوراق رسمية تخصه لن يتمكن من عملها، ويمكن التحفظ عليه في اي كمين، وسوف يكون مطالب فعلا بالتنفيذ. وتابع الدكتور مصطفي سعداوي استاذ القانون الجنائي قائلا: أقترح بعد ذلك فكرة انه للمرأة ان تقترض من البنوك الحكومية بضمان هذه الاحكام، ولتوضيح الفكرة، مثلا امرأة حصلت على أحكام نفقة ب50 ألف جنية ولا تتمكن من تنفيذ الاحكام ولا تمتلك المال، هنا يحق لها الذهاب الي بنك حكومي، تحصل علي قرض بقيمة النفقة المحكوم لها بها، ويعود البنك لتحصيل المبلغ بطريق الحجز الإداري من المحكوم عليه بفائدة 25٪. اما بخصوص التحايل علي مسكن الزوجية كعمل عقد بيع صوري بين الزوج واي شخص من أقاربه او معارفه او حتي بيع حقيقي للمسكن، فبمجرد ان تثبت الزوجة انه مسكن الزوجية بشهادة الشهود من الجيران تحصل علي الشقة فورا، وللعلم تعليمات النائب العام حاليا ان الحاضنة تحصل علي قرار التمكين في أقل من اسبوعين، بمجرد ان تأخذ ملف وتتوجه الي نيابة محكمة الأسرة، وكيل النيابة يعمل محضر تحري ويسأل الشهود هي دخلت في المنزل ده، يمكنها فورا من منزل الزوجية دون الالتفات الي اي عقود بيع عملها الزوج، ويضيف د.مصطفي سعداوي: اتذكر مرة رأيت امرأة تقود سيارة أجرة وعندما سألتها عرفت بأنها تعمل موظفة صباحا واشترت سيارة بالقسط للعمل عليها سائقة حتي تنفق علي ابنائها لان زوجها هجرها وطلقها، لذلك يجب أن يكون الحل من نطاق الأسرة نفسها بحسن اختيار زوج المستقبل ونبعد عن الاختيارات التي تعتمد علي المشاعر فقط دون العقل. اقرأ أيضا: وثيقة للتأمين وتغليظ للعقوبات.. الدولة تحمي حقوق المطلقات