في القرى البعيدة عن ضوضاء المدن تظل لحظات الفرح أغلى ما يملكه الناس أيام طويلة من التجهيز والحلم والانتظار وكل بيت يتمنى نصيبه من البهجة لكن أحيانا تمر الأقدار بطريقة لا يفهمها بشر فتتحول ليلة الزفاف إلى مأتم وتمتلئ البيوت بصمت أثقل من الكلام. في قرية دفش التابعة لمركز سمالوط عاش الأهالي أياما من التحضير لفرح عادل وتهاني الغارقين في التهاني والزيارات والضحكات، وفي المنزل تجهيزات العرس تتم على احسن ما يكون، فستان جديد معلق في الغرفة، شقة صغيرة مجهزة بتعب سنين وقلوب مفتوحة على أمل ببداية حياة مطمئنة. بعد يوم واحد من الزفاف بدأت فصول مأساة لم يكن أحد يتوقعها، الجيران شعروا برائحة غاز كثيفة تنبعث من الشقة طرقوا الباب كثيرا دون رد ومع تزايد القلق حاولوا فتحه بالقوة وعند دخولهم اكتشفوا الحقيقة القاسية عادل جثة هامدة داخل الحمام وتهاني ملقاة قربه تعاني اختناقا حادًا يكاد يسلبها أنفاسها، نُقلت تهاني إلى المستشفى في حالة حرجة بينما عم الذهول شوارع القرية فلم يكن أحد يتوقع أن يحدث هذا ويتحول الفرح إلى مأساة ليس لها حد أو وصف. مرت الأيام ثقيلة على أهلها، 10 أيام كاملة بين رجاء ودعاء وانتظار لا يرحم لكن القدر اختار نهاية أخرى، رحلت تهاني لتلحق بزوجها وتتحول شقة حديثة الزواج إلى ذكرى موجعة. تحقيقات الأجهزة الأمنية أوضحت؛ أن الوفاة حدثت بسبب تسرب غاز من السخان أثناء الاستحمام تقرير مفتش الصحة أثبت أن الوفاة نتيجة اسفكسيا الخنق الناتجة عن استنشاق الغاز دون وجود شبهة جنائية فتحرر محضر بالواقعة وانتهت الإجراءات الرسمية وبقي الألم الأكبر في قلوب أهل القرية. خرج الأهالي في جنازة تجمع فيها العريس والعروس معا كما لم يتوقع أحد، فقبل أيام فقط كانت الزغاريد تصدح في الشوارع واليوم لا يُسمع سوى دعوات بالرحمة وصوت بكاء يخترق سكون البيوت. زفة لم تكتمل ومن المنيا إلى المنوفية تتكرر المأساة مع عروس أخرى؛ حيث دخلت قرية «ميت بره» في حداد طويل بعد رحيل إيمان علاء التي كانت معروفة بين أهلها بأخلاقها الهادئة وقلبها الطيب وكاد حلمها أن يتحقق بالزواج وتكوين أسرة لكن في يوم الزفاف، كانت في طريقها إلى قاعة الفرح بمدينة بنها بعد انتهاء جلسة التصوير، لحظة طالما حلمت بها كل فتاة لكنها لم تصل إليها، انقلبت السيارة على الطريق وانهارت أحلام عمر كامل في لحظة، رحلت إيمان بينما نُقل العريس وشقيقتها إلى المستشفى بإصابات مختلفة خبر وفاتها وقع كالصاعقة على القرية فهى عروس خرجت بزينة وفرح وعادت محمولة على الأكتاف لمثواها الأخير بدلا من أن يتم زفها لحياتها الجديدة. البيوت التي كانت تتحدث عن تفاصيل الزفاف تجد نفسها فجأة تتحدث عن العزاء والصدمة والدعاء أم كانت تنتظر دخول ابنتها القاعة بثوب الزفاف باتت تستقبل المعزين عاجزة عن تصديق أن الفرحة صارت مأساة وأن الفتاة الجميلة الطيبة ذهبت بدون رجعة وأن القرية التي كان أهلهايحلم بتكوين أسرة جديدة بين ربوعها صارت حزينة موحشة بعد فقد عروسها. الرحيل فجأة وفي قصة ثالثة أكثر حزنا رحلت العروس تغريد طلبة بعد ساعات قليلة من زفافها ما أصاب عددًا كبيرا من اصدقائها وأقاربها بحالة من الحزن ظهرت بوضوح في رثائها على صفحات مواقع التواصل التي امتلأت بمنشورات وداع وصور لفتاة كانت تبتسم بالأمس وتستعد لحياة جديدة لكنها غادرت الدنيا دون فرصة لعيش أي تفاصيل. أحد أقاربها كتب كلمات موجوعة ينعى فيها ابنة عمته التي ودعت الحياة فجأة مؤكدا أنها كانت مثالا للخلق الطيب وأحلامها بسيطة وأصدقاؤها شاركوا المنشورات نفسها بدموع مكتومة وحزن لا يُخفى على أحد. القصص مختلفة لكن الألم واحد وسؤال واحد يتردد في كل بيت كيف تتحول فرحة العمر إلى مأساة في لحظة؟ كيف لبداية حياة زوجية أن تصبح نهاية قاسية؟!، كيف تُطفأ أحلام بنات ما زلن في أول الطريق دون تفسير شافٍ أو منطق مفهوم؟ لا إجابة واضحة أمام القدر لا تفسير يجعل رحيلهن أهون لكن مشاهد البيوت الثلاثة تكشف وجها آخر للحياة هشاشة لا نراها إلا عند لحظات الرحيل. اقرأ أيضا: مصرع أب وأبناءه الثلاثة إثر تسرب غاز داخل شقتهم في المنيا وفراغ يتركه كل غائب لا يمتلئ أبدا، فراغ فستان ينتظر ارتداؤه ، فراغ بيت لم يُعمر، فراغ قاعة جهزت لاستقبال العروس ثم اكتفت بتلقي خبر رحيلها، ومع كل ذلك يبقى ما يخفف عن أهالي تلك القرى بعض الشيء وهو مشاركة الناس للحزن وتعاطفهم الحقيقي فالجنازات التي خرجت بها القرى الثلاثة كشاهد على وحدة الناس وقت الشدة وعلى أن الوجع حين يقسم على القلوب يخف حتى لو لم يختفِ، وتظل حكايات العرائس الراحلات مرآة لحقيقة العمر القصير، حقيقة أن الفرح لا يملك ضمانًا وأن اللحظة أهم من الغد وأن الأقدار حين تأتي لا تمنح إنذارًا مسبقا. تبقى ذكراهن في البيوت والقلوب والصور وتظل قصصهن شاهدة على قسوة اللحظة وسرعة اختفاء الحياة في زمن لا يتسع للاستيعاب، وهذه الحكايات ليست أخبارًا عابرة لكنها شهادات إنسانية مؤلمة تذكر الجميع بأن الفرح نفسه هش وأن العمر قد يُختصر في لحظة وأن البيوت التي تستعد لليلة العمر قد تستيقظ على واقع لا يشبه أي احتمال وتبقى الدموع التي سقطت في القرى الثلاثة دليلا على أن الفقد موجع مهما تشابه وأن الرحيل مهما اختلفت أسبابه يترك في القلب أثرًا لا يزول.