"بينما لم تهدأ آلة الحرب الإسرائيلية عن استهداف قطاع غزة، توقفت آلة حزب الله الإعلامية عن دعم غزة مكتفية فقط بالإدانة، دون أي تصريح من أمين عام الحزب حسن نصر الله".. هذه الملاحظة التي أوردها عضو الائتلاف السوري محمد خير بنكو، في بيان صادر عن الائتلاف الثلاثاء، استخدمت للإشارة إلى أن حرب غزة أسقطت قناع "الممانعة " عن حزب الله والنظام السوري. و"الممانعة" هو الاسم الذي كان يطلق لوصف مواقف النظام السوري وحزب الله العدائية من إسرائيل، غير أن حرب غزة كشفت تأثير "الأزمة السورية" على مواقف حزب الله، ومن قبله موقف نظام بشار الأسد. وقبل اشتعال الأزمة السورية شهدت الهجمات السابقة التي شنتها إسرائيل على غزة عامي 2008 و 2012، دعما على الأقل كان يوصف بأنه معنويا من النظام السوري وحزب الله، غير أنها خسرت في الهجمات التي يتم شنها هذه الأيام هذا الدعم، والسبب " الأزمة السورية". ففي عام 2008 خرجت تصريحات شديدة اللهجة عن حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، ووجه انتقادات لبعض الدول العربية بشأن موقفها من الحرب في غزة، وقال في كلمة عبر قناة " المنار" التابعة للحزب: "إن ما سكت حزب الله عنه وتسامح بشأنه بعد حرب يوليو / تموز 2006، بشأن التواطؤ مع المحتل والتيسير لشأنه في تلك الحرب، لن يسكت عنه ولن يبدي تسامح تجاهه في غزة ". وتعليقا على نفس الحرب، كانت كلمات الرئيس السوري في القمة العربية التي استضافتها الدوحة في يناير / كانون الثاني 2009 قوية، وقال: " في هذه اللحظات العصيبة ، تبدو مسؤوليتنا، كقادة عرب جسيمة في تقديم إجابة جادّة وحاسمة على التساؤلات الحائرة في ذهن كل مواطن عربي، وهي كيف ننقذ شعبنا الفلسطيني من براثن هذه الوحشية المتجبرة، كيف يمكن لنا كأمة عربية، أن نقدم الرد المناسب على جرائم الاحتلال، ونحن نرى جثث الأطفال وأشلاءهم تتناثر في كل مكان ونلمح في عيون من بقي منهم حياً، ملامح الذعر التي تختلط بالرجاء في أن تمتد إليهم يد جسورة تنقذهم من مصيرهم المحتوم بعد أن افتقدوا الأمان في غزة المنكوبة الباسلة". وفي حرب ديسمبر 2012 لم تكن الأزمة السورية في أوجها، فكانت هناك تصريحات قوية - أيضا - عن نصر الله، الذي قال : "إيرانوسوريا وحزب الله لن يتخلوا عن غزة وأهلها، وكما كنا معهم بالسنوات الماضية سنبقى معهم وإلى جانبهم، ونحن نقوم بواجبنا الديني والايماني والوطني والإنساني". وانتقد - أيضا - مواقف الدول العربية، وقال: "الدول العربية كما يبدو تنفع كهلال أحمر، وليس هناك إرادة سياسية ولا وجود سياسي، بل هلال أحمر فقط، وأيضا تنفع هذه الدول كمشيعي جنائز". والمفارقة - حينها - أن بشار الأسد ورغم بداية الأزمة السورية في مارس / آذار من عام 2012 دعا المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف حرب الإبادة على غزة، وهو التصريح الذي جلب حينها موجة من التعليقات الساخرة، كونه يمارس "حرب إبادة " - أيضا - بحق شعبه. وبعد عامين وفي الحرب الدائرة - حاليا - غيب الانغماس في " الأزمة السورية" مثل هذه التصريحات تماما، فلم يصدر تصريح عن نصر الله، واكتفى حزب الله ببيان صدر عنه، كما لم يصدر الرئيس السوري أي تعليق، وإن كانت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي (الحزب الحاكم) قد دعت في بيان صحفي الخميس 10 يوليو/ تموز إلي تنظيم وقفات تضامنية والخروج إلى الميادين في كل أنحاء الوطن العربي والعالم استنكارا لهذا العدوان. ويكشف غياب نصر الله عن المشهد في الحرب الحالية فقدانه لحالة التعاطف الشعبي العربي مع قضيته كمقاوم للاحتلال الاسرائيلي، بسبب طبيعة دور حزب الله في سوريا، وهو ما تكشفه التعليقات التي استقبل بها مواطنون عرب بيان "حزب الله " الوحيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قال أحدهم: " ما الفرق بين عشرات القتلى الغزاويين بالغارات الصهيونية وعشرات القتلى السوريين بالبراميل المتفجرة الشيعية أو بترسانة حزب الله في لبنان كلهم ضحايا لآلة القتل العنصرية هنا عنصرية صهيونية وهناك عنصرية طائفية والضحايا هم شعبنا المغلوب على أمره في فلسطينوسوريا". ولم تؤثر الأزمة السورية على غزة فقط في حربها مع إسرائيل، لكنها أثرت - أيضا - في حالة السلم، وزادت من معاناة أهل غزة. وكشفت إحصائية صادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين أن الموازنة العامة ل"الأونروا" الخاصة باللاجئين الفلسطينيّين في الأردنوسورياولبنان والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، تبلغ قيمتها في عام 2014 حوالي 650 مليون دولار، وهي تعاني عجزاً قيمته 65 مليون دولار. وأرجع روبرت تيرنر، مدير عمليات "الأونروا" بغزة في تصريحات صحفية هذا العجز إلى "الأزمة السورية"، وقال:" الأزمة السوريّة كلّفت المجتمع الدولي ستّة مليارات دولار وهي التكلفة الأعلى في تاريخه، وهي بلا شك أثرت على الموازنة ". وزادت هذه الأزمة - أيضا - من أعداد اللاجئين في القطاع، فبحثا عن "الأمان النسبي" كما وصفته صحيفة " الجارديان " البريطانية في 21 مايو / آيار 2013 استقبل قطاع غزة عائلات فلسطينية كانت تقيم في سوريا كلاجئين. وأعلنت دائرة شؤون اللاجئين في حكومة غزة في سبتمبر/ أيلول 2013 أن هناك تسعه وتسعون عائلة فلسطينية قدمت من سوريا إلى غزة، عقب تدهور الأحداث في سوريا، ومعظمهم لديهم أقارب في القطاع أو ممن كانوا يسكنون فيه سابقاً. هذا العبء الذي يضاف إلى قطاع غزة الذي يعاني في الأساس اقتصاديا، يكشف عن الأزمة السورية نالت من القطاع في حالة " السلم " ، كما نالت منه - حاليا - في حالة " الحرب " وغيبت الداعمين له ولو بالحناجر دون الأفعال