لن يضطّر الموظف الغزّي "رائد رجب" (47 عاما)، الذي يتقاضي راتبه من حكومة رام الله، والمؤيد لحركة فتح إلى زيارة أصحابه المنتمين لحركة "حماس" في ساعات متأخرة من الليل، كما كان يفعل طوال سنوات الانقسام الماضية. فمع احتفال الفلسطينيين مؤخرا بالتوقيع على اتفاق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، يرى رجب في حديث لوكالة الأناضول أن القطيعة الاجتماعية والتي خلّفتها أعوام الانقسام قد تزول إلى الأبد. وتابع: "الانقسام أثر سلبا على حياتنا الاجتماعية، ولم ينقسم السياسيون فقط، بل كل أفراد المجتمع، وتسبب الخصام بين الحركتين، في خوف الموظفين التابعين لحكومتي غزة والضفة من التواصل الاجتماعي خوفا من انقطاع الرواتب". وتعود رجب أن يزور أصحابه المنتمين لحركة حماس في ساعات متأخرة من الليل، خوفا مما عُرف بظاهرة "التقارير الكيدية" عقب الانقسام الفلسطيني. ومنذ الانقسام الفلسطيني في عام 2007، باتت ظاهرة مقطوعي الراتب تؤرق موظفي السلطة المحسوبين على حركة فتح. ويقول حسن (48 عاما) أحد هؤلاء الذين قطعت رواتبهم إنه واحد من مئات الموظفين الذين قطعت رواتبهم بسبب صداقتهم لكثير من عناصر حركة حماس. واضطر حسن كما يقول لوكالة الأناضول أن يقطع صلته بكافة معارفه، وأصدقائه من حركة حماس. وتابع: "منذ الانقسام، ونحن نعيش كأننا في دولتين، وينعزل أنصار فتح، عن "حماس"، فالكثير منا يخشى على راتبه ولقمة عيشه". ولا تزال السلطة الفلسطينية تدفع مرتبات موظفيها في قطاع غزة والبالغ عددهم 55 ألف موظف، يمتنع أكثرهم عن الذهاب لأماكن عملهم بأوامر من السلطة عقب سيطرة حركة حماس على غزة وتوليها الحكم في القطاع في صيف يونيو /حزيران 2007 بعد الاقتتال الداخلي مع حركة فتح. وأعقب ذلك الاقتتال، تشكيل حكومتين فلسطينيتين، الأولى تشرف عليها حماس في غزة، والثانية في الضفة الغربية وتشرف عليها السلطة الوطنية الفلسطينية التي يتزعمها الرئيس محمود عباس، رئيس حركة فتح. وحتى اليوم يخشى الموظف أحمد سالم "28 عاما" المنتمي لحركة فتح بالذهاب إلى الصلاة في المساجد المحسوبة على حركة "حماس"، ويفضّل الصلاة في مساجد تنتمي إلى "السلفيين" و"الدعوة". ويتذكر سالم في حديث لوكالة الأناضول كيف كان يعتكف في منزله، ولا يخرج من البيت إلا لما هو ضروري جدا. وتابع: "الانقسام أحدث شرخا قويا وكبيرا في المجتمع الفلسطيني، وفي بداية الانقسام لم يكن الفتحاوي يكلم الحمساوي، حتى الأطفال صارت لديهم أزمة في لوني "الأصفر" (لون علم حركة فتح)، والأخضر (لون علم حركة حماس). ويتمنى سالم بعد توقيع اتفاق المصالحة أن تزول كافة مظاهر الفرقة الاجتماعية بين أنصار حركتي فتح وحماس. وكان وفد فصائلي من منظمة التحرير الفلسطينية، قد وقّع اتفاقاً مع حركة "حماس" في غزة، في 23 أبريل/ نيسان الماضي، يقضي بإنهاء الانقسام الفلسطيني، وتشكيل حكومة توافقية في غضون خمسة أسابيع، يتبعها إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني بشكل متزامن. وفي داخل العائلة الواحدة، انقطعت الأرحام بسبب الانقسام الفلسطيني كما تروي "نائلة صيام" (47 عاما) وهي أم لشابين ينتمي كل منهما إلى فصيل مختلف. وتضيف في حديث لوكالة الأناضول: "للأسف الانقسام، أحدث كارثة اجتماعية، كل واحد من أبنائي يعيش في عالمه، فالأول المنتمي لحركة حماس لا يتقبل رأي شقيقه في حركة فتح، والعكس". وتمنت صيام، أن تتحول المصالحة السياسية، إلى اجتماعية تصهر كافة تداعيات ما خلّفته سنوات الانقسام الفلسطيني. وما تتمناه "منى حجازي" (52 عاماً) أن يزول الانقسام الاجتماعي الذي انغرس وفق وصفها في خاصرة العلاقات الإنسانية، وينتهي إلى الأبد. وأضافت في حديث لوكالة الأناضول:" هذا الانقسام وصل إلى حد اختيار شريك الحياة وفق اللون السياسي، والحزبي". وتكررت في قطاع غزة في سنوات الانقسام رفض العريس لأسباب الانتماء الحزبي، إذ ترفض عائلات تنتمي لحركتي فتح وحماس بتزويج بناتهنّ لمن يخالف فكرهما السياسي. وفي التاسع من نيسان/إبريل الماضي أقدم شاب فلسطيني في حي الشجاعية، شرق مدينة غزة على إجبار شقيقته التي كانت تحتفي بيوم زفافها، على ترك فرحها بعد أن طلب عريسها تشغيل أغنية "عليّ الكوفية". ونقلت صحيفة القدسالفلسطينية عن مصادر قولها " إن شقيق العروس الذي ينتمي لحركة حماس، أجبر شقيقته على مغادرة حفل زفافها، مبينةً أنه كان يعارض الزواج منذ بداية تقدم العريس بسبب انتماءه لحركة فتح إلا أنه تحت ضغط أهله وموافقة شقيقته وافق على خطبتهما وزواجهما. وأوضحت المصادر أنه في يوم الفرح ، طلب العريس من المشرف على الزفاف تشغيل أغنية "عليّ الكوفية" الشهيرة، لحركة فتح إلا أن ذلك لم يرق لشقيق العروس الذي دخل مسرعا مصطحبا شقيقته إلى خارجها معترضا على تلك الأغنية. ووقعت مناوشات بين أفراد العائلتين قبل أن تصل قوة من الشرطة لحل النزاع الذي انتهى بعودة العروسين كل إلى أهله. وأشارت المصادر للصحيفة، إلى أن جميع الحلول التي اقترحها كبار العائلتين وآخرين لم تجد لها طريقا وباتت القضية الآن أمام المحكمة الشرعية وسط إصرار عائلة العروس على طلاقها. ويعترف موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" في أن تحقيق المصالحة المجتمعية، يعد من أبرز التحديات والمهام أمام لجان المصالحة الفلسطينية. وقال أبو مرزوق في أكثر من لقاء عقده بغزة، إن هناك لجان خاصة وضعت كل التصورات والحلول من أجل تطبيق المصالحة المجتمعية، وستباشر أعمالها في الأيام القليلة القادمة. وأكد القيادي البارز في حركة حماس أن الانقسام ألقى بظلاله على كافة تفاصيل الحياة وفي مقدمتها الحياة الاجتماعية. وتابع:" لا زلت أذكر كيف رفضت عائلة في الخليل قبل سنوات، تزويج ابنتها لشقيق عضو المكتب السياسي في حركة حماس "عزت الرشق"، بعد إتمام كافة تفاصيل الخطبة، إذ أبلغتنا تلك العائلة بعد يومين من الخطوبة أنها اكتشفت هوية العريس الحمساوية والعائلة من حركة فتح ولا تقبل بتزويج ابنتها لمن يخالفها في الفكر والانتماء". وتمنى أبو مرزوق أن تنجح المصالحة، في نشر روح التسامح وطي صفحة الماضي، وآثار ما خلّفه الانقسام السياسي. وكان أبو مرزوق، قد وصل في 21 نيسان / إبريل الماضي، إلى قطاع غزة، عبر معبر رفح الحدودي، قادماً من مصر، للمشاركة في اجتماعات المصالحة الفلسطينية، ولا يزال متواجدا في القطاع. وأسفر الاقتتال بين حركتي "فتح" و"حماس"، في عام 2007 عن سقوط العديد من الضحايا ما بين قتلى، ومصابين. وبحسب تقرير أعده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في قطاع غزة، فإنّ نحو 311 قتيلا فلسطينيا، سقطوا في إطار أعمال الاقتتال الدامية بين الحركتين، ونحو ألف جريح بينهم المئات من الذين أصيبوا بعاهات مستديمة. ووصف المركز ما جرى في عام 2007 بالانتهاك الواضح لحقوق الإنسان، وللسلم الاجتماعي في فلسطين.