عمرو فتوح: كلمة الرئيس في إفطار الأسرة المصرية حملت رسائل طمأنة وثقة في استقرار الاقتصاد    بورصة أسعار الدواجن بأسواق ومحلات الأقصر اليوم الأحد 15 مارس 2026    «عوض» توجه بسرعة التعامل مع شكاوى المواطنين وتعزيز كفاءة منظومة النظافة    توزيع 2600 كيلو من اللحوم على الأسر بكوم إمبو    وزير الدولة للإنتاج الحربي يتابع إنتاج منظومة الهاوتزر «K9A1EGY»    برلمانيون: كلمة الرئيس في إفطار الأسرة المصرية رسالة واضحة للشفافية والمسؤولية الوطنية    «القاهرة الإخبارية»: صاروخ إيراني يحمل رؤوسا متفجرة يسبب خسائر في تل أبيب    الهلال الأحمر يعزز مد غزة بالمستلزمات الإغاثية والشتوية عبر قافلة «زاد العزة» 156    إنتر ميامي بدون ميسي يتعادل مع شارلوت في الدوري الأمريكي    توروب يراجع التعليمات مع لاعبي الأهلي بالمحاضرة الختامية قبل مواجهة الترجي    النقض تؤيد حكم إعدام "سفاح التجمع" لقتله ثلاث سيدات عمدا    تجديد حبس المتهم صاحب واقعة سيارة "العلم الإسرائيلي" في كرداسة    العثور على جثة شاب بها طلق ناري داخل منزله في قنا    النائب العام الإماراتي يأمر بالقبض على 25 متهما وإحالتهم لمحاكمة عاجلة لنشر محتوى مضلل يضر بتدابير الدفاع    خلال العيد.. مواعيد جديدة لاتوبيسات النقل العام في القاهرة    ملتقى الهناجر الثقافي رمضان ومحبة الأوطان.. المطرب محمد ثروت: نعيش فترة تحتاج إلى مزيد من التلاحم    وفاة الأنبا مكسيموس الأول يعيد الجدل حول خلافه مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية    اتحاد كرة اليد ينعى أحمد شهده لاعب بورفؤاد    جوارديولا: لم نخسر ضد وست هام.. سباق الدوري لم ينته لكننا نحتاج أهداف هالاند    «السنباطى» تتابع مبادرة «صحة ووعي» لفحص وعلاج أطفال دور الرعاية بالإسكندرية    36.8% زيادة في إيداعات صندوق التوفير عام 2024-2025    زيلينسكي: ربط قروض الاتحاد الأوروبي بإعادة تشغيل خط «دروجبا» ابتزاز    الحرس الثورى يهدد بضرب المراكز الصناعية الأمريكية والبيت الأبيض يطالب ترامب بالانسحاب    الحكومة الإسرائيلية تقر تخصيص 825 مليون دولار لشراء مستلزمات أمنية عاجلة    الإسكندرية تشهد انخفاضا طفيفا في درجات الحرارة مع فرص لسقوط أمطار    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص على طريق القاهرة- إسكندرية الصحراوي    زراعة البحيرة ترفع درجة الاستعداد بمناسبة إجازة عيد الفطر    محافظ أسيوط: الأنشطة الثقافية والتوعوية تمثل أحد الأدوات المهمة في نشر الوعي المجتمعي    موسم عيد الفطر السينمائي.. منافسة بين رهان الكوميديا ومحاكاة الواقع وتحدي الجريمة    صحة الدقهلية: 69343 مستفيدًا من جميع المبادرات الرئاسية خلال أسبوع    طريقة عمل البسبوسة، تحلية رمضانية مميزة وبأقل تكاليف    «عبد الباري»: تشغيل 3 أجهزة إيكمو حديثة بالقصر العيني لتعزيز الرعاية الحرجة    وزير الصحة يتابع نشاط المشروعات والمرور الميداني على 29 مستشفى بالمحافظات    الرعاية الصحية: إجراء 112 عملية قسطرة لتبديل الصمام الأورطي بمحافظات التأمين    سميرة عبدالعزيز: سألت الشعراوي هل التمثيل حرام؟ فجاء الرد حاسمًا    وفاة شخص إثر سقوطه من سيارة بالمنيا    بعثة الزمالك تصل إلى القاهرة بعد التعادل مع أوتوهو بالكونفدارلية    آس: مبابي جاهز للعودة أمام مانشستر سيتي في أبطال أوروبا    استقرار سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 15 مارس 2026    تحت إشراف طاقم طبي أجنبي، هاني شاكر يبدأ رحلة الاستشفاء في باريس    الزكاة تزكية للنفس!    الدين والملة.. وكشف أكذوبة مصطلح «الديانة الإبراهيمية»    الأحد 15 مارس 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور    تحذير أمني أمريكي.. واشنطن تأمر الموظفين غير الأساسيين بمغادرة سلطنة عُمان بعد سقوط مسيّرات في صحار    الإساءة للدين استغلال الأئمة والعمامة الأزهرية فى جمع التبرعات    أسرة «روزاليوسف» تجتمع على مائدة واحدة فى حفل إفطارها السنوى    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يحيون ليلة 25 من رمضان بتلاوات خاشعة    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الأحد 15 مارس 2026    توجيه عاجل من الرئيس السيسي للحكومة بشأن إطلاق حزمة اجتماعية جديدة    رسائل للوحدة الوطنية من مائدة إفطار بالكنيسة الإنجيلية الثانية بإمبابة    عضو بالشيوخ: كلمة الرئيس في إفطار الأسرة المصرية كشفت مصارحة ضرورية في توقيت إقليمي شديد التعقيد    الحرس الثوري الإيراني: صواريخنا استهدفت القطاعات الصناعية في تل أبيب    نوران ماجد عن نجاحها في أولاد الراعي: سعيدة بردود الأفعال وانتظروا مفاجآت    طارق لطفي: السوشيال ميديا سلاح ذو حدين والنجاح الحقيقي يظهر بالشارع    نهضة بركان يتعادل مع الهلال في ذهاب ربع دوري أبطال أفريقيا    المفتي: القرآن كله متشابه في الإعجاز والبلاغة.. والإحكام والتشابه ثنائية مذهلة وصف الله بها كتابه العزيز    نونو سانتو: خروج وست هام من منطقة الهبوط لا يغير موقف الفريق    دعاء ليلة رمضان الخامسة والعشرين..نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الورقة الأمريكية لنزع سلاح حزب الله.. البنود الكاملة وردود الفعل اللبنانية
نشر في مصراوي يوم 19 - 08 - 2025

تسارعت وتيرة النقاش في لبنان حول ملف نزع سلاح حزب الله، مع تكليف الجيش بوضع خطة تنفيذية قبل نهاية العام، في ظل رفض الحزب لأي مساس بسلاحه. وجاء ذلك على وقع ضغوط أمريكية متزايدة، تمثلت بمذكرة حملها المبعوث توم باراك، تتضمن جدولاً زمنياً وآلية مقترحة للتنفيذ.
منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، ظلّ سلاح حزب الله أحد أكثر الملفات حساسيةً في المشهد اللبناني، يتوارى أحياناً ويعود إلى الواجهة مع كل أزمة كبرى.
لكن بعد حرب 2024 المدمّرة، بات هذا السلاح في قلب مفاوضات علنية تقودها واشنطن، وسط ضغوط دولية غير مسبوقة.
"ورقة براك" أو "الورقة الأمريكية"، وهي خطة أميركية مفصّلة لنزع سلاح الحزب مقابل انسحاب إسرائيلي وضمانات دولية، قد تعيد رسم التوازنات في لبنان. فهل دخل البلد فعلاً مرحلة تسليم السلاح؟
توماس باراك وورقته في بيروت
توماس براك، وهو سفير الولايات المتحدة لدى تركيا ومبعوثها الخاص لسوريا، زار بيروت لأول مرة في 19 يونيو 2025 حاملاً خريطة طريق أمريكية مفصلة من 6 صفحات لطرحها على المسؤولين اللبنانيين. سمّيت الخريطة ب"ورقة براك" وتضمنّت مطالب واضحة بنزع سلاح حزب الله والفصائل المسلحة كافة في لبنان بشكل كامل قبل نهاية 2025 (بحلول نوفمبر 2025).
في المقابل، تعِد الخطة الأمريكية بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق اللبنانية المحتلة المتبقية ووقف الضربات الإسرائيلية على لبنان. إضافة لذلك، سيفتح تنفيذ نزع السلاح باب الدعم المالي الدولي لإعادة إعمار مناطق في لبنان دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وهو دعم تقول واشنطن إنها لن تقدمه في ظلّ احتفاظ حزب الله بالسلاح.
شملت ورقة براك أيضاً عناصر أوسع لترتيب أوضاع لبنان الإقليمية والداخلية، منها تسريع إصلاحات مالية واقتصادية، ومراقبة الحدود والمعابر لضبط التهريب. ولضمان تنفيذ الاتفاق المقترح، عرضت الخطة إنشاء آلية بإشراف الأمم المتحدة لتأمين إطلاق سراح معتقلين لبنانيين لدى إسرائيل بالتوازي مع تقدّم خطوات نزع السلاح. واشترطت واشنطن أيضاً إصدار الحكومة اللبنانية قراراً بالإجماع يلتزم بنزع السلاح كمكوّن أساسي في أي اتفاق نهائي.
أمهل المبعوث الأمريكي القادة اللبنانيين حتى 1 يوليو 2025 للرد رسمياً على هذه المقترحات، وصرّح بأنه سيعود إلى بيروت لاستماع إلى ملاحظاتهم. على الفور، بدأت بيروت دراسة الورقة وشكّلت لجنة ثلاثية تضمّ ممثلين عن رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان لصياغة رد لبناني موحّد. وفي الكواليس، تواصل رئيس البرلمان نبيه بري - حليف حزب الله - مباشرة مع قيادة الحزب لضمان مشاركتهم في بلورة الموقف. وبحسب تقارير صحافية، لم يعارض حزب الله مبدأ التعاون مع اللجنة واستجاب لفتح النقاش، لكنه لم يقدّم أي التزام أو وعد بالتخلي عن سلاحه.
النقاش الداخلي ورد حزب الله الأولي
أكثر ما لفت في الورقة هو تزامنها مع اشتراط واشنطن صدور قرار رسمي لبناني يلتزم علناً بتطبيقها. هذا الربط بين الالتزام السياسي والمساعدات العسكرية والاقتصادية، جعل الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة. وفيما التزم حزب الله الصمت العلني حيال المقترح، بدأ النقاش يدور في الكواليس. رئيس مجلس النواب نبيه بري دخل في مشاورات مباشرة مع الحزب، ووافق على الانخراط في صياغة رد لبناني موحّد.
في العلن، التزم الحزب الصمت حيال مقترح براك خلال النصف الثاني من يونيو. لكن مع اقتراب موعد الرد، خرجت مواقف تصعيدية من قادته تؤكد رفض الرضوخ للضغوط الأمريكية والإسرائيلية. ففي 30 يونيو 2025 – عشية انتهاء المهلة – ألقى الأمين العام الشيخ نعيم قاسم خطاباً متلفزاً شديد اللهجة أكد فيه حق الحزب واللبنانيين في قول "لا" لأمريكا و"لا" لإسرائيل. واتهم قاسم واشنطن وإسرائيل بمحاولة استغلال الظرف الراهن لفرض واقع جديد في لبنان والمنطقة يخدم مصالحهما، داعياً جميع اللبنانيين إلى عدم مساعدة أمريكا وإسرائيل في تنفيذ مخططاتهما.
الجولة الثانية من الوساطة: ورقة لبنانية معدّلة
عاد توماس براك إلى بيروت في أوائل يوليو/تموز 2025 – تحديداً يوم الإثنين 7 يوليو – لتلقّي الرد اللبناني الرسمي. حملت السلطات اللبنانية إلى المبعوث الأمريكي ورقة رد تتضمن تعديلات وضمانات مضادة تضع تصوراً لبنانياً لتنفيذ خريطة الطريق.
وقد سلّم الرئيس جوزاف عون شخصياً إلى براك "أفكاراً لحل شامل" تمثل الموقف اللبناني الموحد. كما أعدّ رئيس البرلمان نبيه بري خريطة طريق تفصيلية مرحلية لنزع سلاح حزب الله تصبّ في إطار المقترح اللبناني، لضمان خطوات عملية لتنفيذه.
تركّز الرد اللبناني على مبدأ التزامن والتبادل في تنفيذ أي اتفاق: لن يُبحث مصير سلاح حزب الله إلا ضمن عملية متزامنة مع انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية ووقف نهائي للاعتداءات الإسرائيلية. وأكد رئيس الحكومة نواف سلام في مؤتمر صحفي بعد اجتماعه مع براك أن النقاش تناول "خطوات مترابطة بين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ونزع سلاح حزب الله".
وشدد سلام على أن حصر السلاح بيد الدولة وتمديد سلطة الدولة هو مبدأ توافقي لبناني متجذّر منذ اتفاق الطائف. وذكّر بأن حزب الله جزء من الدولة اللبنانية (فله نواب في البرلمان دعموا بيان الحكومة)، في إشارة إلى ضرورة معالجة القضية بتفاهم داخلي. وفي الوقت نفسه، ندّد سلام باستمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع مؤكداً أنها مرفوضة بالإجماع اللبناني، وأن بيروت تكثّف اتصالاتها عربياً ودولياً لوقفها.
بحسب سلام، تضمّن الرد اللبناني المكتوب الذي تسلّمه براك تعليقات من الرئاسة والحكومة ورئاسة البرلمان، ما يعكس تنسيقاً غير مسبوق بين الرؤساء الثلاثة حول هذا الملف المعقّد. كما كشف سلام أن براك قدّم أيضاً مقترحاً لآليات تثبيت وقف إطلاق النار وضبط السلاح تدريجياً في الجنوب كخطوة أولى – ربما عبر تعزيز دور اللجنة الثلاثية للهدنة وتوسيع صلاحيات الجيش اللبناني جنوبًا. وأكد سلام موقف لبنان بأن قرار الحرب والسلم هو حصري بيد الدولة ولا أحد سواها.
تجاوب المبعوث الأمريكي بحذر إيجابي مع الرد اللبناني. فعقب لقائه الرئيس عون، عقد براك مؤتمراً صحافياً قال فيه إنه "راض جداً جداً" و"مسرور بشكل لا يُصدَّق" من الاستجابة اللبنانية. ووصف براك الرد بأنه مدروس بعناية وفيه خطة مشتركة للمضي قدماً. وأضاف: "الآن ينبغي دفع التفاصيل قدماً... نحن جميعاً ملتزمون بالدخول في التفاصيل والوصول إلى حل".
وأعرب عن تفاؤله الكبير بتحقيق ذلك. كذلك نقلت الرئاسة اللبنانية على منصة أكس (تويتر سابقاً) أن الرئيس عون سلم براك "تصوراً متكاملاً للحل". وأصدر مكتب رئيس البرلمان بري بياناً وصف فيه اجتماعه مع باراك بأنه "بنّاء وراعى مصلحة لبنان وسيادته... كما تضمّن مطالب حزب الله".
في هذه المرحلة، بدا وكأن لبنان والولايات المتحدة وجدا أرضية مشتركة مبدئية: الدولة اللبنانية تلتزم مبدئياً بحصرية السلاح بيدها وفق جدول زمني، لكنها تطالب بضمانات صارمة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات قبل وأثناء عملية نزع السلاح. وهذا يشمل أيضاً إطلاق أسرى لبنانيين لدى إسرائيل وتأمين دعم دولي لتعزيز الجيش اللبناني كبديل أمني.
وكشفت تقارير صحافية أن الخطة اللبنانية المعدّلة تتضمن 8 مطالب أساسية قدمها الرئيس عون في المفاوضات مع براك. من أبرزها انسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية المعترف بها، ووقف كل أشكال الاعتداءات الإسرائيلية براً وبحراً وجواً بما يشمل الاغتيالات، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين.
في المقابل تلتزم بيروت ببسط سيادة الدولة على كامل أراضيها عبر استعادة السلاح من كلّ المجموعات - وعلى رأسها حزب الله - وتسليمه للجيش اللبناني الذي يكون الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح. كما طلبت لبنان دعماً دولياً طويل الأمد للجيش بقيمة مليار دولار سنوياً لعشر سنوات لتعزيز قدراته إلى جانب قوى الأمن الداخلي، وتنظيم مؤتمر دولي للمانحين في الخريف لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد.
على الضفة الأخرى، ظل موقف حزب الله في العلن على حاله دون تنازلات، وإن حمل نبرة مشروطة. فبعد اللقاءات، خرج الشيخ نعيم قاسم (الذي بات يُنظر إليه كواجهه قيادة الحزب) يوم الأحد 6 يوليو بتصريح يشرح رؤية الحزب: على إسرائيل الالتزام الكامل بالهدنة أولًا – الانسحاب من الأراضي المحتلة ووقف العدوان بكل أشكاله والإفراج عن الأسرى – وعندئذ فقط يُمكن الانتقال إلى "المرحلة الثانية" وهي بحث استراتيجية الدفاع الوطني، بما فيها "سلاح المقاومة".
كرر قاسم أيضاً رفض الحزب للاستسلام تحت التهديد، قائلاً: "لن نستسلم أو نلقي سلاحنا استجابة لتهديدات إسرائيل". وفي خطاب آخر بُثّ مساء 30 يوليو، شدد قاسم مجدداً أن أسلحة حزب الله وُجدت لتواجه إسرائيل ولن تُستخدم في الداخل، معتبراً أن أي مطالبة حالية بنزع سلاح حزب الله تخدم أهداف إسرائيل.
من الواضح أن واشنطن استوعبت الرسالة اللبنانية المشروطة لكنها سعت لتسويق الخطة كصفقة متكاملة يجب انتهازها سريعاً. حرص توماس براك على طمأنة الجانب اللبناني بأن نزع سلاح حزب الله لا يستهدف إقصاء الحزب سياسياً. قال براك في تصريح له: "يجب أن يرى حزب الله أن له مستقبلًا، وأن الطريق المطروح ليس موجهاً ضدّه فحسب".
وفي الوقت نفسه، حذّر براك القادة اللبنانيين من التباطؤ: "المنطقة تتحرك بسرعة فائقة، وسيتم ترككم خلفها". وأشار إلى انطلاق حوارات غير مسبوقة بين سوريا وإسرائيل بعد سقوط نظام الأسد، معتبراً أنه كما انخرطت دمشق في ترتيب أوضاع ما بعد الحرب، على بيروت أيضاً ألا تُفوّت فرصة إعادة اختراع الحوار بشأن سلاح حزب الله قبل فوات الأوان. وقد كشف مصدر دبلوماسي أن واشنطن أبلغت بيروت بأن هذه الفرصة قد لا تتكرر وعليها اتخاذ قرار تاريخي الآن.
زيارة حاسمة وجلسة حكومية منتظرة
رغم الأجواء الإيجابية الحذرة في أوائل يوليو، بقيت بعض نقاط الخلاف الجوهرية عالقة خلال الأسابيع اللاحقة. لبنان أصرّ على ترتيب الأولويات: الأمن مقابل السلاح – أي لا نزع لسلاح حزب الله قبل ضمان الانسحاب الكامل ووقف النار – فيما إسرائيل عارضت أي ربط مسبق بين التزامها وقيام حزب الله بخطوات أولاً.
ووفق تقارير صحافية، فإن الولايات المتحدة نقلت إلى بيروت رفض إسرائيل طرح "الانسحاب أولاً"، ما وضع واشنطن في موقف الضغط لتليين الموقف اللبناني الداخلي. بالتزامن، واصلت إسرائيل قصفها اليومي ما أبقى التوتر مرتفعاً وزاد الشكوك في نواياها.
في أواخر يوليو 2025 قدم براك إلى بيروت مرة ثالثة لتقديم الرد الأمريكي الرسمي على المقترحات اللبنانية. أوضح براك للمسؤولين اللبنانيين أن بلاده لن تستمر في إرسال مبعوثيها أو الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها ما لم تتخذ الحكومة اللبنانية قراراً علنياً سريعاً بالالتزام بنزع السلاح.
بحسب تقرير لوكالة "رويترز" بتاريخ 29 يوليو، اشترطت واشنطن صدور قرار رسمي عن مجلس الوزراء اللبناني يتعهد بنزع سلاح حزب الله قبل استئناف أي مفاوضات أو جهود أمريكية إضافية. ونُقل عن مصدر لبناني قوله: "تقول لنا أمريكا: لن يكون هناك مزيد من زيارات براك ولا تبادل أوراق – على مجلس الوزراء اتخاذ قرار وبعدها نتابع النقاش. لم يعد بإمكانهم الانتظار أكثر".
في هذه الأثناء، أبلغ براك رئيس الوزراء نواف سلام صراحةً أن واشنطن لا تستطيع "إجبار" إسرائيل على القيام بأي شيء ما لم تلتزم بيروت صراحةً بخارطة الطريق. وعلى منصة أكس (تويتر)، نشر المبعوث الأمريكي رسالة صارمة بعد لقائه بالمسؤولين اللبنانيين قائلاً: "طالما أن حزب الله يحتفظ بسلاحه، فإن الكلام وحده لا يكفي.
على الحكومة والحزب الالتزام الكامل والتحرّك الآن حتى لا يحكموا على الشعب اللبناني بالبقاء في حالة التعثر الراهنة"، بإشارة واضحة إلى ضرورة الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الأفعال الملموسة.
أمام هذه الضغوط المتصاعدة، استشعرت القيادة اللبنانية خطر الوصول إلى حافة الانفجار. فعدم إرضاء الشروط الأمريكية قد يعني تصعيداً إسرائيلياً كبيراً ربما يصل إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت. لذا سارع رئيس الحكومة نواف سلام إلى الدعوة لجلسة طارئة لمجلس الوزراء في 5 آب/أغسطس 2025 لوضع جدول زمني لتنفيذ مسألة حصر السلاح بيد الدولة.
وجاء في نص الدعوة أن الجلسة ستبحث "بسط سيادة الدولة على جميع أراضيها بقواتها حصرياً" – وهي عبارة تُقرأ كإقرار علني بمبدأ نزع سلاح حزب الله وتسليم سلاحه للجيش. وستتناول الجلسة أيضاً "ترتيبات وقف إطلاق النار... بما فيها الأفكار الواردة في مقترح السفير براك حول تنفيذه".
انقسام داخلي
حزب الله جدد رفضه تسليم السلاح في ظل استمرار الغارات. نعيم قاسم قال إن الحزب لا يفاوض على السلاح قبل وقف العدوان، معتبراً أن المطالبة به الآن تخدم إسرائيل. المفتي الجعفري أحمد قبلان حذر من أن نزع سلاح الحزب سيترك لبنان بلا حماية. وفي المقابل، صعّدت قوى معارضة نبرتها، واعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية أن اللحظة تستوجب الحسم لا التردد، فيما وصف النائب جبران باسيل السلاح بأنه بات عبئاً وطنياً.
وفيما يستعد مجلس الوزراء لجلسة قد تكون الأهم منذ اتفاق الطائف، تترقب العواصم الإقليمية والغربية مسار التصويت وما سيليه. فنجاح التسوية سيعني بدء عملية تاريخية لنقل سلاح الحزب إلى يد الدولة. أما الفشل، فقد يعيد البلاد إلى مربع التصعيد.
جلسات الحكومة لبحث الورقة الأمريكية
عقدت الحكومة اللبنانية جلستين متتاليتين في القصر الجمهوري مطلع آب/أغسطس 2025 لبحث ملف نزع سلاح حزب الله في ضوء "الورقة الأمريكية" التي سلّمها المبعوث توم براك.
في الجلسة الأولى يوم الثلاثاء 5 أغسطس، ناقش الوزراء مضمون الوثيقة الأمريكية، بما في ذلك الجدول الزمني المقترح وآلية إنهاء الوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية والمواقع الاستراتيجية، وانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس التي احتلتها خلال الحرب الأخيرة.
وبسبب الانقسام الحاد حول التوقيت والترتيبات، انسحب وزراء الثنائي الشيعي من الجلسة بعد انتهاء النقاش وقبل اتخاذ القرار، ولم يُتخذ قرار بشأن البنود التفصيلية، لكن تم تكليف الجيش اللبناني إعداد خطة شاملة لحصر السلاح بيد القوى الشرعية، على أن تُنجز وتُعرض على مجلس الوزراء في موعد أقصاه 31 آب/أغسطس لمناقشتها وإقرارها.
لم يتأخر حزب الله في الرد على هذه الجلسة وأصدر بياناً قال فيه انه سيتعامل مع هذا القرار وكأنه "غير موجود"
أما الجلسة الثانية يوم الخميس 7 أغسطس، التي امتدت لأكثر من أربع ساعات، فقد شهدت تصعيداً سياسياً تمثل بانسحاب الوزراء الشيعة، وبينهم ممثلون لحزب الله وحركة أمل، اعتراضاً على المضي في إقرار أهداف الوثيقة قبل تثبيت وقف إطلاق النار وضمان الانسحاب الإسرائيلي.
ورغم ذلك، أقرّ مجلس الوزراء مقدمة الوثيقة المكوّنة من 11 هدفاً، وأبرزها ضمان ديمومة وقف الأعمال العدائية، وإنهاء الوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية، ونشر الجيش اللبناني في المواقع المحددة، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها خلال الحرب، مع التأكيد مجدداً على تكليف الجيش إنجاز خطته التنفيذية قبل نهاية الشهر، تمهيداً لاعتمادها والشروع في التنفيذ قبل نهاية العام.
"خطوة مقابل خطوة"
في الثامن عشر منأغسطس، عاد توماس باراك إلى بيروت ورافقته في الزيارة نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس.
جاءت هذه الزيارة بعد جلسات الحكومة التي اتخذ فيها القرار بحصرية السلاح بيد الدولة.
في بيروت، قدّم الموفد الأمريكي توم باراك عرضاً سياسياً عنوانه "خطوة مقابل خطوة" ربط فيه التزام لبنان ببدء مسار تجريد حزب الله من السلاح بدعوةٍ صريحة لإسرائيل لاتخاذ إجراءات موازية.
وقال باراك عقب لقائه الرئيس جوزاف عون إنّ "بيروت قامت بالخطوة الأولى"، وإنّ واشنطن ستجري مباحثات مع إسرائيل حول وقفٍ طويل الأمد للأعمال العسكرية، بما يشمل الانسحاب من خمس تلال حدودية ما تزال القوات الإسرائيلية متمركزة فيها ووقف الضربات الجوية، إضافةً إلى بحث حزمة دعم اقتصادي لإعادة الإعمار.
ويقوم المقترح الأمريكي على مراحل زمنية تنتهي مع نهاية العام: يتسلم فيها الجيش اللبناني سلاح الجماعات المسلحة بالتوازي مع توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وانسحاب القوات من مواقع محددة في جنوب البلاد.
وكانت الحكومة اللبنانية كلّفت الجيش بإعداد خطة التنفيذ.
على الضفة المقابلة، تواصل القيادة الحالية لحزب الله رفض أي تعهّد بتسليم السلاح قبل وقف "العدوان الإسرائيلي"، إذ لا زالت إسرائيل تنفذ غارات جوية على مواقع لحزب الله في البلاد.
وحذّرت قيادة الحزب من "تداعيات داخلية" إذا مضت الحكومة في الخطة، وهو موقف غير جديد يعبر فيه الحزب عن رفضه التخلي عن سلاحه، قائلاً إنّ ذلك يخدم مسار "مصالح إسرائيل".
في المقابل، جدّد الرئيس جوزاف عون تمسّكه بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بما ينسجم مع القرار الحكومي الأخير.
من الحرب إلى وقف إطلاق النار غير المكتمل
في خريف عام 2023، بدأت المواجهات العسكرية تتصاعد تدريجياً على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، مع تكرار عمليات القصف والاشتباك بين حزب الله والجيش الإسرائيلي. لكن الشرارة الكبرى جاءت نهاية صيف 2024، بعد سلسلة من الهجمات النوعية التي نفذها الحزب، وردّت إسرائيل عليها بتنفيذ تفجيرات عنيفة استهدفت قواعد صاروخية ومراكز قيادة ميدانية، وعملية كبرى بتفجير أجهزة اتصال لاسلكية يستخدمها أعضاء حزب الله عُرفت إعلامياً باسم "تفجيرات البايجرز" وأدت إلى جرح آلاف الأشخاص وتسببت بإعاقات دائمة للكثير منهم. بعد أيام، اغتالت إسرائيل عدداً من أعضاء مجلس القيادة العسكرية لحزب الله، ما مثّل تصعيداً حاسماً في مسار المواجهة.
لكن نقطة التحوّل المفصلية جاءت في سبتمبر 2024، حين قُتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في غارة دقيقة استهدفت أحد المقرات المحصنة في الضاحية الجنوبية لبيروت. تبع ذلك قصف إسرائيلي يومي على الضاحية ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع، ما دفع حزب الله إلى الرد بإطلاق آلاف الصواريخ على الجليل والجولان ووسط إسرائيل، ووقعت مواجهات ميدانية عنيفة امتدت لأسابيع.
تدخّلت واشنطن، بدعم فرنسي وأممي، للتوسط في اتفاق لوقف إطلاق النار أُبرم في 27 نوفمبر 2024. الاتفاق قضى بانسحاب مقاتلي حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، على أن تنفرد قوات الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة بالانتشار جنوباً. في المقابل، تعهّدت إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المتبقية التي تحتلها، ووقف الغارات الجوية والعمليات الأمنية.
لكن التنفيذ كان منقوصاً. أبقت إسرائيل على خمس نقاط عسكرية قرب الحدود، متذرعةً بأسباب أمنية، وواصلت تنفيذ غارات جوية شبه يومية، تقول إنها تستهدف مواقع إعادة تموضع أو أسلحة لحزب الله أو عناصر منه. من جانبه، اتهم لبنان الرسمي إسرائيل بارتكاب أكثر من ثلاثة آلاف خرق لبنود الهدنة خلال الأشهر اللاحقة، وأشار إلى مقتل أكثر من 230 شخصاً، معظمهم من المدنيين.
الحرب الأخيرة شكّلت ضربة قاسية للحزب. فإضافة إلى الخسائر البشرية والميدانية، فقد الحزب قيادته المركزية. فبعد مقتل نصر الله، استُهدف أيضاً هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي وخليفته المحتمل، في غارة دقيقة على الضاحية. هذا الفراغ القيادي تولاه سريعاً الشيخ نعيم قاسم، الذي بات الأمين العام الفعلي للحزب في مرحلة حرجة داخلياً وإقليمياً.
في ظل هذا الواقع، عاد ملف سلاح الحزب إلى الواجهة، لكن هذه المرة ضمن مفاوضات علنية تقودها واشنطن، في سياق تفاهمات دولية تشمل إعادة إعمار لبنان وترتيب الوضع الأمني في الجنوب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.