التقيت «الصادق المهدى» فى القاهرة خريف عام 2003، ثم التقيته فى الخرطوم فى مطلع صيف 2004، أثناء حضوره محاضرة للعالم المصرى الدكتور «أحمد زويل» فى قاعة الصداقة بالخرطوم. فى لقاء القاهرة، طرحت على «المهدى» أسئلتى بشأن الثورة والدولة، على خلفية ما جرى تاريخياً فى الثورة المهدية، وما جرى لاحقاً فى العالم العربى. والحادث أن الثورة المهدية لا تحظى بالمكانة المناسبة فى الوعى العربى، وهى لا تكاد تكون حاضرة فى دوائر التفكير السياسى النظرى فى العالم العربى. ربما لأنها بعيدة بحكم المكان.. فهى فى السودان الذى تبدو أحداثه بعيدة عن المشرق العربى وكذلك المغرب. وربما لأنها بعيدة بحكم الزمان.. فهى من جيل الثورة العرابية فى مصر.. وبين زماننا وزمانها الكثير من الأحداث والخرائط. وربما -أيضاً- لأنها بدأت بعيداً، وبقيت بعيداً، فهى رغم طموحاتها الكبرى فى التصدير لم تحقق شيئاً فى ذلك، بل إنها لم تمكث فى السودان نفسه إلا قليلاً. وربما -كذلك- لأنها كانت فى طموحها غير عاقلة.. ففى مرة أرسلت الثورة المهدية جيشاً لإخضاع «النجاشى» ملك الحبشة لسلطانها، ومرة ثانية تطمح فى تحوّل الإمبراطورية البريطانية إلى الإسلام.. حتى لقد أرسلت حكومة الثورة المهدية إلى ملكة بريطانيا رسالة جاء فيها «إن تسلمى تُسلمى، وزوجناك محمود ولد أحمد»! وكان «محمود ولد أحمد» واحداً من فرسان الثورة المهدية، ورأت حكومة الثورة أن فى ذلك مكافأة للملكة على إسلامها! وربما لأن الذين ورثوا الثورة المهدية، ومن بينهم «عبدالله التعايشى» الذى صار الخليفة من بعد «محمد أحمد المهدى»، لم يكونوا أهلاً لما ورثوا، فقد كان «التعايشى» رجلاً ضعيف الحنكة والحكمة. وربما -أخيراً- لأن جيل الثورة العرابية، وفى الطليعة منها الثورة المهدية، قد غاب تماماً، بعد أن جاءت ثورة 1919 فى مصر، ثم ثورة 1952 وبدء زمن جديد وجيل جديد من الثورات العربية. ■ ■ يعود تاريخ السودان الحديث إلى حملة نابليون على مصر عام 1798، حيث غادر عدد من المماليك المصريين إلى السودان، ثم جاء نظام «محمد على» باشا فى مصر الذى أرسل حملة إلى السودان بقيادة «إسماعيل» ومعه أحد عشر ألفاً من رجاله. وفى عام 1821 كان معظم السودان يخضع لحكم «محمد على» فى مصر. وأما زعيم الثورة المهدية الذى يمثل المرحلة الأهم فى تاريخ السودان الحديث، فهو «محمد أحمد»، من مواليد دنقلة عام 1844، وقد انتقل لتعلم القرآن فى جزيرة آبا، وكان يعمل فى صناعة المراكب، ثم أعلن نفسه المهدى المنتظر، وبدأ حركة إصلاحية دينية كبرى. جاءت ثورة «المهدى» فى بداياتها حركة إصلاحية ضد التصوف المنحرف وشيوع الأساطير فى الممارسات الإسلامية، ثم تحولت إلى ثورة ضد حكم الأتراك، وخاض «المهدى» عدة معارك ضد الأتراك فى السودان. فى عام 1884 أصبح «المهدى» سيّداً على السودان ما عدا الجنوب، ثم أسس المهدى دولته فى 26 يناير عام 1885. نجح «المهدى» فى إقامة دولته، وأدخل فيها العنصر الأسود، وبعد مرحلة الإصلاح الدينى، ثم مرحلة النضال ضد الأتراك، جاءت مرحلة الصراع مع بريطانيا. وتتمتع وقائع الثورة المهدية وحروبها بالإثارة، وقد حظيت باهتمامات أدبية واسعة، ويشتهر فى ذلك العمل الشهير ل«ونستون تشرشل».. «حرب النهر»، وهناك «سلاطين» باشا وهو نمساوى ألّف كتاباً شهيراً فى نقد الثورة المهدية بعنوان: «السيف والنار». وفى عام 2003 أنتجت هوليوود فيلماً سينمائياً للمخرج الأمريكى «شكور كابور» باسم «الريشات الأربع»، حول التدخل البريطانى ضد الثورة المهدية نهاية القرن التاسع عشر.. وهو فيلم يُظهر الثوار المسلمين وهم منظمون تحت قيادة ضابط إنجليزى، ثم يغرقون فى الفوضى فور توليهم قيادة أنفسهم! ■ ■ فى عام 1898 فشلت الثورة المهدية وبلغت نهايتها، فقد دخل الجنرال البريطانى «هربرت كيتشنر» فى حرب مع ستين ألفاً من قوات الثورة المهدية فى شمال أم درمان، وقتل منهم عشرة آلاف وجرح ستة عشر ألفاً، ودخل «كيتشنر» أم درمان.. وفى يناير 1899 وقّعت بريطانيا مع مصر الاتفاقية الثنائية لحكم السودان. لقد لاقت الثورة المهدية تقدير بعض تيارات الفكر الإسلامى، وقد اعتبرها جمال الدين الأفغانى «هَبَّة الشرق فى وجه الاستعمار»، ووصفها «عبدالودود شلبى» بأنها قد مثلت كل حركات الإصلاح الإسلامى فى عصرها.. وأنها أيقظت حالة إسلامية راكدة. الجزء الثانى.. الأسبوع المقبل بمشيئة الله. حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.