حين يتحول العطاء من مجرد كلمات إلى واقع ملموس، وحين تصبح «التضحية» كلمة لا تفى ما فعلته الأم لصغارها، قد تمنح الأم أولادها كل أوقاتها وتسهر على راحتهم، وقد تتحول كلماتها وهمهماتها إلى دعوات وأمنيات لأبنائها، فتطيل فى سجدتها إلى الله تدعوه بإسعادهم، تظل قصص الأمهات جميعها متشابهة إلا فى حالات نادرة، فما فعلته جيهان محمد عز الدين حمودة مع أبنائها كان مختلفاً، فالوقت الذى منحته لأولادها الثلاثة والجهد الذى بذلته لكى تراهم كباراً وفى مراكز اجتماعية جيدة لم يكن كافياً بالنسبة لها، فحينما أصيب أصغر أبنائها شريف أحمد بأمراض مختلفة وهو صغير كان أخطرها هو إصابته بالفشل الكلوى، لم تهدأ الأم وقتها إلا حينما تبرعت له بإحدى كليتيها، ليعيش صغيرها حياته دون ألم، رحلتها مع صغيرها المريض بدأتها بفيضان من الحب والعطاء، ورغم أن الأم حالتها الصحية لم تكن تسمح بذلك وهو ما دعا طفلها لرفضه أن تتبرع أمه بكليتها وبدأوا رحلة البحث عن متبرع جديد، ليدخل شريف فى نوبات صعبة مع المرض دفعت الأم لأن تتوسل إلى الأطباء بأن يبلغوا الصغير أن هناك متبرعاً آخر جاء إلى المستشفى وهو من سينقل إليه كليته، يتقبل الصغير كلمات الأطباء ويدخل غرفة العمليات لتبدأ عملية نقل الكلى من أمه وزرعها فى ولدها الصغير الذى يكتشف بعدها أن أمه هى من تبرعت له وهى التى طالبت الأطباء بعدم إبلاغه بالأمر، يحكى شريف ما عاناه من قبل بالتهاب رئوى حاد أدى إلى إخبار الأطباء لأمه بتقبل الأمر الواقع وانتظار موت صغيرها فى أى وقت، لكن الأمل بداخلها لم يمت، وقلب الأم لم يتوقف لحظة عن حب الصغير لتظل بجانبه ليل نهار وتلازمه فى المستشفيات إلى أن استعاد عافيته من جديد وصار قادراً على استذكار دروسه إلى أن حصل على ليسانس حقوق وبات يعمل فى مهنة المحاماة. شريف الذى تجاوز الثلاثين من العمر يرسل قصة أمه باعتبارها أماً مثالية، يقول: «أمى تحملت كتير قوى.. وكانت هى المسئولة عن تربيتنا فى غياب أبى الذى كان يعمل بالقوات المسلحة»، يحكى شريف عن أخيه الأكبر الذى تخرج فى كلية الخدمة الاجتماعية وصار موظفاً بإحدى الشركات ولظروف خاصة أغلقت الشركة وبات يعمل فى صيدلية خاصة، فيما حصلت أخته على بكالوريوس تجارة وتزوجت هى الأخرى، يقول: «ما كان ذلك لولا وقوف أمى بجانبنا ومساعدتنا على استذكار دروسنا بالإضافة إلى خدمتها لكل المحيطين بنا من أقاربنا». الأم التى لم تتوقف عن العطاء يوماً بدأت حياتها الزوجية فى بيت العائلة حيث يعيش أهل زوجها وكانت هى المسئولة عن كل شىء فى البيت، لم تتذمر يوماً، فهى الأم التى دفعت الكثير من وقتها وضحت براحتها وصحتها من أجل إسعاد من حولها.