يفرق الشيخ على عبدالرازق، فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، بين الرسالة والملك، ويرى أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، كان رسولا فحسب، فبالنسبة له الرسالة مقام والملك مقام آخر. وهناك يقول: «كم من ملك ليس نبيا ولا رسولا، وكم لله جل شأنه من رسل لم يكونوا ملوكا، بل إن أكثر من عرفنا من الرسل إنما كانوا رسلا فحسب.. محمد ما كان إلا رسولا لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وإنه لم يكن للنبى، صلى الله عليه وسلم، ملك ولا حكومة، وإنه صلى الله عليه وسلم لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذى يفهم سياسيا من هذه الكلمة ومرادفاتها، ما كان إلا رسولا كإخوانه الخاليين من الرسل. وما كان ملكا ولا مؤسس دولة، ولا داعيا إلى ملك.. القرآن صريح فى أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، لم يكن له من الحق على أمته غير حق الرسالة». ويطلب عبدالرازق ممن يريد أن يحاججه فى هذا الأمر أن يمعن النظر فى القرآن والسنة ويبحث فيهما عن أى صيغة للحكم فى الإسلام، فلن يجد شيئا ذا بال، وهنا يتوجه إلى من يشكك فى هذا الأمر ويقول له: «التمس بين دفتى المصحف الكريم أثرا ظاهرا أو خفيا لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامى. ثم التمس ذلك الأمر مبلغ جهدك بين أحاديث النبى، صلى الله عليه وسلم، تلك منابع الدين الصافية فى متناول يدك، وعلى كثب منك، فالتمس فيها دليلا أو شبه دليل، فإنك لن تجد عليها برهانا، إلا ظنا، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا». وينهى عبدالرازق كتابه باعتبار أن الخلافة ليست نظاما دينيا، وليست نيابة عن صاحب الشريعة، وأن ما قيل فى هذا الاتجاه لم يكن سوى ترويج واضح لمسألة خاطئة بما يحقق مصلحة السلاطين. وهنا يقول: «الخلافة ليست فى شىء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها؛ فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة». هذا عن الكتاب، أما المؤلف فهو على عبدالرازق، الذى وُلد فى قرية «صفط أبوجرج» مركز «بنى مزار» بمحافظة «المنيا» بصعيد مصر سنة 1305ه 1887م. حفظ القرآن صغيرا والتحق بالأزهر، وتعلم على يد شيوخ كثر منهم الشيخ أحمد أبوخطوة، والشيخ أبوعليان. وحين افتتحت الجامعة الأهلية سنة 1908م، التحق عبدالرازق بها، من دون أن يترك دراسته الأزهرية، فجمع بين الاطلاع على العلوم الدينية والمدنية. وفى عام 1912 تخرج فى الأزهر، وحصل منه على شهادة «العالمية». وعقب تخرجه سافر إلى إنجلترا على نفقة أسرته، والتحق هناك بجامعة أكسفورد، عازماً على دراسة الاقتصاد، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى اضطره أن يعود إلى مصرسنة 1915م، ليعين فى السنة ذاتها قاضيا شرعيا. (ونكمل غدا).