فى العام 2011 التقيت فى القاهرة برئيس الوزراء التركى أحمد داوود أوغلو فى حوار صحفى مصور، وقتها كان «أوغلو» وزيراً لخارجية تركيا، وكان شعاره الذى رفعه منذ توليه مهام منصبه -واشتهر به فى أنحاء العالم- هو «Zero Problem» أو «صفر مشاكل» وكان يعنى حل جميع المشكلات المتعلقة بعلاقات تركيا الخارجية إقليمياً ودولياً وإقامة علاقات دبلوماسية متعاونة مع الجميع. صحيح أن الرجل وبلاده وحزبه قد تخلوا عن هذا الشعار منذ التخطيط لثورات ما عُرف بالربيع العربى التى اجتاحت المنطقة بعد أن باتت تركيا أحد أذرع تنفيذ السياسات الغربية فى بلادنا العربية، إلا أن تقديم أوغلو لاستقالته يوم الخميس الماضى من رئاسة حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا أعاد إلى ذهنى تلك العبارة التى اشتهر بها كوزير للخارجية. فالرجل الذى قدم استقالته من رئاسة الحزب تمهيداً للانسحاب من رئاسة الوزراء آثر تجنب المشكلات مع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان العاشق لسياسة حكم الرجل الواحد أياً كان موقعه، رئيساً للوزراء أو رئيساً للجمهورية. بين عامى 2011 و2012 كان لى فرصة السفر لتركيا لإجراء حوارات مع العديد من الشخصيات بها بمن فيهم «رجب طيب أردوغان» وقت أن كان رئيساً للوزراء، وعدد من المثقفين والكتّاب، بالإضافة إلى رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت «عبدالله جول» ومستشاره السياسى «أرشد هرمزلو». وخرجت وقتها بانطباع كنت أردده لمن يسألنى عن واقع الحكم التركى -الذى يبدو من الخارج أنه مؤسسى تنفصل فيه السلطات- بأن أردوغان هو الرجل الأوحد الحاكم المسيطر فى تركيا وأنه جاء ليبقى فى السلطة أياً كان مسماه. وهو ما تحقق بتعديل 26 مادة دستورية قلصت من نفوذ القضاء والجيش التركى فى مفاصل الحكم، وهو ما تحقق بتولى أردوغان الرئاسة بعد انتهاء فترات السماح الخاصة برئاسته للحزب، وهو ما تحقق بسعى أردوغان لتعديل الدستور مرة ثانية وتغيير نظام الحكم من برلمانى إلى رئاسى، وهو ما عطلته نتيجة انتخابات البرلمان الأخيرة وما شهدته من تراجع فى نسب نجاح حزب العدالة والتنمية إلى حد إعادة الانتخابات لتشكيل الحكومة بعد كل العراقيل التى وضعها حزب العدالة والتنمية أمام تشكيل حكومة ائتلافية لا يكون فيها المسيطر. لذا لم أندهش من استقالة أحمد داوود أوغلو يوم الخميس الماضى، فالرجل فضّل مصلحة الحزب الحاكم فى تركيا على مبدأ صراع القوى بينه وبين أردوغان الذى لم يعد خافياً على أحد عدم رضاه عن تنامى نفوذ رئيس وزرائه خارجياً على المستوى الأوروبى والأمريكى. وهو ما عبر عنه تقرير «جون هدسون» فى مجلة فورين بوليسى منذ يومين تحت عنوان «الولاياتالمتحدة تفقد حليفها فى أنقرة»، قال فيه إن «الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء التركى أحمد داود أوغلو يوم الخميس تهدد بتدمير العلاقة المشحونة حالياً بين واشنطنوأنقرة، إذ يُعتبر داود أوغلو حليفاً موثوقاً به للولايات المتحدة وصوتاً للاعتدال داخل الحكومة التركية». ولذا جاء قرار نزع صلاحيات رئيس حزب العدالة والتنمية قبل شهر فى المؤتمر الأخير للحزب، وتحويلها إلى صلاحيات للجنة المركزية -كما تقول التقارير التركية- ليؤكد على رغبة «أردوغان» فى التحكم بسياسة الحكومة التركية من خلال قوته فى اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية، وهو ما دفع ب«داود أوغلو» لإعلان انسحابه والتخلى عن منصب رئيس الحزب حفاظاً على مكانة الحزب فى المجتمع التركى الذى باتت تحاصره الأزمات فى ظل تراجع للحريات وتزايد معدلات الإرهاب وتعدد المشكلات الاقتصادية والسياسية التى غرقت فيها تركيا فى السنوات الأخيرة. نعم اختلفت الصورة التى صدّرها حزب العدالة والتنمية عن نفسه منذ تأسيسه وتوليه الحكم فى العام 2002، لم تعد تركيا دولة الحزب الواحد ولكن دولة الرجل الواحد، وانهارت ملامح نموذج الإسلام التركى التى سعى أردوغان لتصديرها للغرب لإقناعهم بقدرته على قيادة المنطقة.