الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة يمكن أن تكون جزءا من خطة لخفض حدة الهجمات في مضيق هرمز    العراق.. قتيلان في القصف الذي استهدف معسكرًا لفصيل مسلح في عكاشات غربي الأنبار    إن بي سي: خيارات ترامب تشمل عملية لاستعادة اليورانيوم الإيراني أو استخدام قوات للسيطرة على منشآت النفط    الشرطة النسائية.. تاريخ من الإنجاز والعطاء المستمر    المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 12 مسيّرة في المنطقة الشرقية    رئيس الوزراء البولندي: الانتخابات البرلمانية عام 2027 ستحدد بقاء بولندا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها    الجيش الكويتي: نتصدى لهجمات صاروخية ومسيرات معادية    مؤسسة «حماية»: فيديوهات التوعية أنقذت أطفالًا كثيرين من إجرام الاعتداءات    ننشر تفاصيل.. مقتل الطفل «إبراهيم» بعد خطفه لمساومة أسرته على فدية    قتل زوجته أمام أطفاله.. بسبب السحور    ريهام عبد الغفور.. چوكر الدراما    أفلام عيد الفطر.. والهروب الكبير للنجوم    ذكريات النجوم مع رائحة كحك العيد    باسم سمرة: توقعت نجاح «عين سحرية» لتوافر عناصره الفنية    باسم سمرة: شعرت باليتم بعد وفاة والدي.. و«عين سحرية» تجربة مختلفة    انفجار يهز قاعدة فيكتوريا.. واستهداف مستودع ذخيرة أمريكي في العراق    باسم سمرة: أفكر في الاعتزال.. والمهنة قاسية وليست للجميع    ميرنا وليد.. في ثوب جديد    آثار حريق شقة تفحمت ليلة العيد بدمنهور.. ورب الأسرة: عيالي مالحقوش يفرحوا    مؤتمر مدرب الجيش الملكي: نريد كتابة صفحة جديدة في تاريخ النادي أمام بيراميدز    «خزنة الكحك» ب39 ألف جنيه.. هل أصبح الكحك استثمارًا؟    هيئة محلفين أمريكية: إيلون ماسك ضلل المستثمرين أثناء شراء تويتر    برونو فيرنانديز: قدمنا ما يكفي لحصد ال 3 نقاط ضد بورنموث ولكن    حسين عبد اللطيف: هدف منتخب الناشئين الفوز ببطولة شمال أفريقيا    احذروا التقلبات مستمرة، الأرصاد تعلن تفاصيل حالة الطقس ثاني أيام عيد الفطر    مصرع شاب وإصابة اثنين آخرين فى حادث تصادم بصحراوى البحيرة    الشركة المنتجة لمسلسل السرايا الصفراء تدرس عرضه في أبريل المقبل    الصحة: الإفراط في تناول الحلويات والأطعمة الدسمة في العيد يسبب مشكلات هضمية ومضاعفات لمرضى السكر    البيت الأبيض يعلن خطة الحسم ضد طهران    في زمن الحروب والأزمات الاقتصادية.. كيف تستثمر أموالك بأمان؟    جهود مكثفة لكشف غموض العثور على جثة عامل بالبحيرة    «صحة الجيزة»: انتشار فرق المبادرات الرئاسية بالساحات العامة خلال عيد الفطر    استخراج ملعقة من معدة فتاة 19 عامًا بمعهد الكبد فى المنوفية    روسيا تعلن إسقاط 66 مسيرة أوكرانية فوق أراضيها خلال 3 ساعات    ترامب يوافق السيناتور جراهام في إعادة النظر بمسألة بقاء القواعد الأمريكية في إسبانيا    صعود النفط يربك الأسهم عالميا ويبدد رهانات خفض الفيدرالي أسعار الفائدة    «المراكز الطبية» تتابع سير العمل بمستشفى الهرم التخصصي خلال أيام العيد    فيفا يزيح الستار عن أولى أغنيات كأس العالم 2026    إيران: مشاركتنا في كأس العالم 2026 مؤكدة    أليسون يغيب عن قائمة البرازيل أمام فرنسا وكرواتيا    هل انتهت مسيرة ألكسندر أرنولد مع منتخب إنجلترا؟    في حضرة الحكمة والخدمة | المطران ذمسكينوس في حواره مع "البوابة نيوز": محبتي لمصر ليست مجرد إعجاب بل ارتباط عميق بأرض احتضنت التاريخ واحتضنت الإيمان    نجمتا وادى دجلة نادين الحمامى وهنا معتز تتأهلان إلى الدور نصف النهائي لبطولة JSW الهند المفتوحة 2026    الشوربجى: الصحافة القومية الأمين على الذاكرة الوطنية بما تملكه من كنوز صحفية وثائقية أرشيفية    في أول أيام العيد.. ميناء الإسكندرية يستقبل أحدث عبارات الرورو    عيد الفطر المبارك .. حلول سريعة لمعالجة مشكلة حموضة المعدة    مجدي حجازي يكتب: «للصائم فرحتان»    طلاب جامعة العاصمة يشاركون في احتفالية "عيد_سعيد" بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي    تخفيض سرعة القطارات بسبب الأتربة وانخفاض مستوى الرؤية    القابضه للكهرباء تكشف حقيقة استدعاء 10 آلاف مهندس وفني من الخارج    الذهب المصري يتماسك في عيد الفطر مع ثبات الأسعار العالمية    الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك داخل الساحات والمساجد بالمنيا (صور)    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر المبارك فى مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة.. رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعدد من المسئولين فى استقباله.. وخطيب المسجد: العفو والتسامح طريق بناء الأوطان    الرئيس السيسي يشهد خطبة عيد الفطر.. والإمام: يا شعب مصر سيروا ولا تلفتوا أبدا لصناع الشر    الفنان محمود جمعة يشعل الأجواء ميدان أبو الحجاج الأقصري بعد صلاة العيد    فجر العيد في كفر الشيخ.. روحانية وتكبيرات تعانق السماء (فيديو)    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟.. دار الإفتاء تجيب    صندوق النقد الدولى: مرونة سعر الصرف مكنت مصر من الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طنطاوي : تحملنا الإهانة من أجل مصر .. والمصريين شعب كويس
نشر في الصباح يوم 22 - 10 - 2012

تواترت أنباء متضاربة، خلال أمس وأول أمس، حول مصادرة جريدة «الأسبوع» التي لم تتم طباعتها في موعدها، بينما صرح الكاتب الصحفي مصطفى بكري، صباح أمس، أن مطابع دار التحرير قامت بطباعة الجريدة في وقت متأخر بعد منتصف ليل أمس «الأحد» .. وأنه تم توزيعها بعدد محدود في القاهرة والمحافظات.
الزميل مصطفى بكري أكد أن السبب في تعطيل طباعة الجريدة كان احتواء العدد على حوار صحفي أجراه رئيس التحرير مع المشير محمد حسين طنطاوي، وهو بالتأكيد خبطة صحفية، إذ أنها أول مرة يتحدث فيها الرجل بعد خروجه من منصبه.
على جانب آخر، صرح رئيس مجلس إدارة التحرير بأن ما أدى لتأخير طبع العدد هو «عطل فني طارئ أصاب المطابع».
«الصباح» رأت أن تُعيد نشر الحوار الذي أجراه الأستاذ مصطفى بكري مع المشير طنطاوي ليس فقط لقيمته المهنية ولكن أيضاً دعمًا لحرية الرأي والتعبير.
وكان اللقاء كالتالي:
الزمان: يوم الجمعة الماضى
المكان: أحد المساجد القريبة من مسكنه.
مضيت إلى هناك، علمت أنه يؤدى الصلاة فى هذا المسجد، كنت تواقًا إلى رؤيته والاستماع إليه، ذهبت لأداء الصلاة فى هذا المسجد، وصلت إلى هناك مبكرًا، ظللت أرقب القادمين إلى ساحة المسجد، وبعد الانتهاء من الصلاة أدركت أن المشير حسين طنطاوى لم يحضر فى هذا اليوم، التف حولى عدد من رواد المسجد، يسألوننى سؤالا واحدًا ووحيدًا أسمعه فى كل مكان: «هى البلد رايحة على فين؟!»..
سألتهم على الفور: لماذا لم يأت المشير اليوم للصلاة؟ فإذا بأحدهم يشير إليه، مضيت على الفور إلى هناك..
كان هناك عدد من الشباب يلتفون حوله، بعضهم يلتقط الصور التذكارية، بينما وقف على مقربة منه مدير مكتبه السابق اللواء يسرى زكى، واللواء سامح صادق عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة واللواء صالح صالح وآخرون.
فوجئ المشير بحضورى، تعانقنا، نظرت إليه متأملا، كان يرتدى قميصًا وبنطلونًا، ويوزع ابتسامته على الجميع، بادرنى بالسؤال على الفور: إيه اللى جابك هنا؟
قلت له: جيت علشان أشوفك وأسمعك.. إيه أخبارك يا سيادة المشير؟.. حاول أن يرسم ابتسامة على شفتيه قال.. أنا كويس، الحمد لله، المهم مصر تبقى كويسة، وإن شاء الله تبقى كويسة.
- انت متفائل يا سيادة المشير؟
- طبعًا أنا متفائل جدّا، ربنا بيحرس مصر، متخافوش على مصر، الشعب المصرى ده شعب عظيم، شعب واعى وفاهم وبيحب البلد.
كانت الكلمات تخرج من أعماقه، ذكّرتنى هذه الكلمات بعتابى عليه خلال الاجتماع قبل الأخير للأحزاب بالمجلس العسكرى فى شهر مايو الماضى.
يومها قلت للمشير: إن عدم الحسم فى كثير من القضايا أوصلنا إلى هذه الحالة، يومها انفعل المشير بشدة وقال لى: أنا عارف إن ده رأيك وبسمعه، ولكن أنا عاوز أقول لك ولكم جميعًا «ونظر إلى قادة الأحزاب»: أنا عارف مسئولياتى جيدًا، ولا أطلب شيئًا، ولا أنا ولا غيرى لدينا طمع فى الحكم، لقد تعهدنا منذ اليوم الأول بتسليم السلطة فى الموعد المحدد، وتحملنا الإهانات، وكان بإمكاننا الرد، ولكننا تصرفنا التصرف الذى يليق بالمصريين وبجيشهم الوطنى، لقد استُشهد الكثيرون منا فى الحرب، والذين لم يدخلوا الحروب لديهم رغبة فى الشهادة دفاعًا عن هذا الوطن، ومن أجل ذلك أخذنا على نفسنا عهدًا بالحفاظ على مصر والحيلولة دون إراقة قطرة دم واحدة.
أنا عاوز أقول لكم: «المشير طنطاوى عارف بيعمل إيه، لذلك أطلب منكم التوافق حول الجمعية التأسيسية حتى لا يقال هؤلاء هم المصريون، لا نريد أن نصوم ثم نفطر على «بصلة»، لأ.. نريد أن يفطر المصريون على «تورتة».. أنا جاهز أطلع فورًا وآخذ قرارات صعبة، لكن عليكم أن تتخيلوا معى «مصر حتروح فين»، مصر هى التى ستعانى ولذلك أدعوكم للتوافق، نريد أن نعبر إلى بر الأمان.. ننتظر الأيام الباقية لنا بفارغ الصبر».
صمت المشير برهة، ثم استكمل حديثه قائلا: «هناك من يقول إن المصريين موش كويسين» ، هذا كلام غير صحيح .. من يقل ذلك لا يعرف المصريين، نحن شعب متحضر وعظيم.. أنا متأكد أننا سنعبر الأزمة وستبقى مصر متماسكة وعظيمة مهما حدث.. أنا لا أعرف الطريق إلى اليأس.. لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس كما قال مصطفى كامل، والحق دائمًا فوق القوة كما قال سعد زغلول، هناك عظماء كثيرون فى تاريخ هذا الشعب، فلا تُحبطوا ولا تيأسوا، من باب أولى أنا الذى أُحبط من جراء ما يجرى حولنا، ولكنى أقول: «أنا لن أترك مصر إلا شهيدًا أو منتصرًا.. والانتصار بالنسبة لى يعنى وصول البلد إلى بر الأمان» .
كانت تلك هى كلماته، ساعتها التزم الجميع الصمت، كان الصدق واضحًا فى عينيه، لكننى بقيت عند وجهة نظرى، فالحسم أمر مهم، بغض النظر عن المبالغة فى المخاوف.. كان ذلك منذ أكثر من خمسة أشهر مضت.. فماذا عن الموقف الآن؟!
فى الطريق إلى قاعة قريبة من المسجد، مضينا، طرحت السؤال نفسه على المشير، قال: «لولا الحكمة لكان مصيرنا الآن كمصير ليبيا أو سوريا، انظر إلى المعارك الأهلية والدماء التى تسيل، لقد كان علينا فى قيادة الجيش أن نجنب مصر هذا المصير، كانت تلك مهمتنا ورسالتنا، لقد رفضنا كل محاولات دفعنا إلى الصدام، تناسينا الإهانات والاستفزازات، وظل جيشنا العظيم محافظًا على الالتزام والانضباط، لقد حمينا الثورة ولم نطلق رصاصة واحدة، كان انحيازنا للشعب، وأحمد لله أننا أوفينا بما تعهدنا به، أجرينا انتخابات نزيهة وحرة، وسلمنا السلطة إلى الرئيس المنتخب فى الموعد المحدد».
فى حديثى معه، كان المشير حذرًا فى كلماته كالعادة، عندما تحاول أن تستفسر منه عن أمر ما، هو لا يريد أن يتحدث فيه، ينظر إليك ويقول «ربنا مع مصر إن شاء لله» .
الآن وصلنا إلى القاعة التى تبعد أمتارًا قليلة عن المسجد.. جلسنا بداخلها لنحو الساعة تقريبًا: المشير طنطاوى واللواء سامح صادق عضو المجلس العسكرى السابق واللواء يسرى زكى مدير مكتبه السابق واللواء أحمد الجواهرجى واللواء حسن جنيدى وأنا..
كان جلوسى إلى جوار المشير، بدأ حديثنا بكيف يقضى يومه.. قال: أحاول أتمشى وألعب رياضة خفيفة، وأحيانًا أشارك فى ماتش كرة، وطبعًا القراءة.
- سألته: لماذا لا تكتب مذكراتك؟
- قال: ولله فكرة، سأحاول أن أسجل الأحداث المهمة وأكتب مذكراتى.
- قلت له: هل أنت متفائل يا سيادة المشير؟!
- نعم ومتفائل جدّا، أنا لست خائفًا على مصر، ولا على الشعب المصرى، أحمد الله أننا تجاوزنا أخطر مرحلة فى تاريخ مصر، وكنا أمناء مع أنفسنا، وتحمل جيشنا العظيم بالصبر والعناء إلى جانب تغليب المصلحة الوطنية المسئولية التاريخية وأجهض كل محاولات استهداف هذا الوطن ووحدته وأمنه القومى.
قلت له: أشهد أن بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى 12 من فبراير، أى بعد نجاح الثورة بيوم واحد، كان يؤكد تسليم السلطة إلى قيادة مدنية منتخبة؟!
قال المشير: لم يكن لدينا أى طمع فى السلطة.. كانت تلك مسئولية تحملناها فى ظروف صعبة للغاية، وكان علينا أن نكون أوفياء لما تعهدنا به.. لقد قلنا منذ البداية إننا نريد تسليم السلطة بعد ستة أشهر، ولكن التطورات ومطالب بعض الأحزاب كانت وراء تأجيل الانتخابات عن موعدها المحدد، مع ذلك عندما أعلنَّا عن خارطة المرحلة الانتقالية أصررنا على الالتزام بها رغم أحداث العنف التى شهدها العديد من المناطق فى مصر، وكنا كما قلت سابقًا على مسافة واحدة من الجميع..لم ننحز لحزب سياسى بعينه، بل احترمنا اختيارات الشعب المصرى، ولم نتدخل فى شىء، فكان جيش مصر على قدر المسئولية التى تحملها بأمانة ووفاء.
قلت له: أرجو ألا تهتم كثيرًا ببعض ما يُنشر من ادعاءات فى بعض الصحف ووسائل الإعلام؟!
قال المشير: لا يهمنى ما يُنشر، فقد تحملت الكثير قبل ذلك، وأنا أترك كل شىء لحكم التاريخ، فحقائق التاريخ وحدها هى الفيصل فى كل شىء.. لقد تحملنا الكثير من أجل الوطن، وظللنا مخلصين لرسالته حتى اللحظات الأخيرة.. نحن لسنا نادمين على شىء، ولم نكن طامعين فى شىء، وعندما كنا نسمع البعض يقول إن الجيش لن يترك السلطة كنا نسخر من ذلك؛ لأن الجميع كان ينتظر بفارغ الصبر تسليم السلطة والعودة إلى الثكنات، فتلك هى مهمتنا الأساسية.. لقد انحزنا للثورة لأنها كانت ثورة شعب وكان انحيازنا لها انحيازا للشرعية، فالشعب هو أصل الشرعية.
انتقل الحديث مع المشير طنطاوى إلى وضعه الشخصى فى الوقت الراهن، فقال إنه يمارس الرياضة يوميّا وأحيانًا يمارس رياضة المشى لمدة نصف ساعة، وإنه يحرص على القراءة ومتابعة أحوال البلاد عبر الصحف ووسائل الإعلام المختلفة.
وقال إنه يلتقى بين الحين والآخر عددًا من أصدقائه المقربين، ونفى ما يتردد من أنه مصاب بحالة من الاكتئاب أو غيره، وقال إن بينه وبين ربنا عمارًا، وإن ضميره مرتاح، وإنه أخلص للوطن وخاض حروبًا عديدة من أجله، وقال إن «مصر تستحق منا الكثير».
كان المشير يؤكد دائمًا، ولايزال، أن الجيش كان قد حسم خياره منذ البداية وقرر تسليم السلطة لرئيس «مدنى» منتخب، لم يكن له أى طموح سوى ذلك، لقد رفض المشير يوم 29 من يناير 2011، أى بعد جمعة «الغضب» الأولى، عرضًا قدمه له الرئيس السابق حسنى مبارك بتولى منصب نائب رئيس الجمهورية، اعتذر رغم إلحاح الرئيس، لقد قال المشير لمبارك يومها «بقائى فى الجيش أفضل»، أنا لا أريد السلطة ولا أسعى إليها.
جرت داخل القصر وخارجه قبل هذا التاريخ صراعات عديدة كان بطلها جمال وسوزان مبارك، كانت سوزان تدرك أن المشير يقف عقبة أمام مخطط التوريث، وكان جمال يسعى إلى إقناع والده بضرورة إبعاده.. حاول ذلك مرتين قبل ذلك وفشل.
كان مبارك يقول لنجله دومًا، لن أسمح لك بالتدخل فى الأمور التى تخص «أحمس» أو «عمر».. وكان « أحمس» هو الاسم الحركى للمشير طنطاوى، وكان «عمر» هو عمر سليمان!!، غير أن «جمال» حاول وفشل، بعد أن رفض المشير وعمر سليمان أن يكونا أداة فى يده ويد والدته، التى حاولت هى الأخرى الزحف على الجيش، فتصدى لها المشير.
المحاولات كثيرة ومتعددة، ولكن التاريخ يشهد أن المشير واجه هذه المحاولات بكل ضراوة فى هذا الوقت، وصمم على أن يبقى الجيش بعيدًا عن صراعات القصر، وكان مصممًا على إسقاط مخطط التوريث بأى ثمن، ومهما كلفهم ذلك.
لقد مضى مبارك، بعد أن أجبر على التنحى، وكان موقف الجيش حاسمًا منذ اليوم الأول، إلا أن البيان الأول الصادر عن اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم الخميس 10 من فبراير كان هو العامل الحاسم فى قرار تفويض الرئيس لعمر سليمان بمهام رئيس الجمهورية، ثم فى تنحى الرئيس فى اليوم التالى.
رفض المشير فى هذا الوقت اقتراحًا يقضى بانقلاب العسكرى على الرئيس، وصمم على أن تجرى الأمور بشكل يفضى إلى تسليم السلطة بشكل اختيارى، منعًا لإراقة الدماء وانتصارًا للثورة الشعبية العارمة التى انطلقت فى أنحاء البلاد.
على مدى أكثر من عام ونصف العام جمعتنى لقاءات عديدة مع المشير فى مكتبه على انفراد أو بحضور الفريق سامى عنان، أو فى إطار اجتماعات المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع قادة الأحزاب السياسية، كان هاجس المشير الدائم والمستمر هو «البلد»، كان يقول دومًا «أنا خايف على البلد»، وكان البعض يرى أن خوفه الزائد على الحد دفعه إلى التردد وعدم حسم كثير من الأمور، لكنه كان دومًا يطرح رؤيته ومبرراته.
ويعز على المشير أن يصوره البعض بأنه كان يسعى إلى الاستئثار بالسلطة، ويتساءل دومًا كيف ذلك ونحن الذين صممنا رغم رفض الكثيرين على إجراء الانتخابات البرلمانية فى موعدها، وكذلك الأمر بالنسبة للانتخابات الرئاسية؟!.
صمم على إجراء الانتخابات البرلمانية رغم العنف الذى كان سائدًا فى ميدان التحرير وشارع محمد محمود والإسكندرية والعديد من المحافظات الأخرى، وصمم على إجراء الانتخابات الرئاسية رغم أحداث العباسية، ورغم التحذيرات التى انطلقت بأن هناك احتمالا بفوز مرشح الإخوان أو التيار الإسلامى.
كان الخيار بالنسبة له هو خيار الشعب، وبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية، قال البعض «إن هناك اتفاقًا قد جرى بين المجلس الأعلى والإخوان»، ينكر المشير ذلك بكل شدة ويؤكد أنه لم يعلم بنتيجة الانتخابات النهائية سوى من التليفزيون، وأنه كان يجلس مع أعضاء المجلس العسكرى ودخل «الحمام» ثم عاد ليتم إبلاغه بفوز د.محمد مرسى بمنصب الرئيس، كان يقول هذا خيار الشعب، وهذه هى النتيجة التى أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية دون تدخل من أحد.
المشير يلتزم الصمت تجاه الكثير من علامات الاستفهام التى تدور فى الشارع حاليًا، هو لا يريد أن يتحدث عن الأيام الأخيرة، وماذا جرى خلال اللقاء المغلق الذى ضمه هو والفريق سامى عنان واللواء محمود نصر مع رئيس الجمهورية د.محمد مرسى بعد عصر يوم الأحد 12 من أغسطس، والذى أفضى إلى إقالة المشير ورئيس الأركان وتعيين الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزيرًا للدفاع والفريق صدقى صبحى رئيسًا لأركان القوات المسلحة.
لقد ظل المشير بعيدًا عن الإعلام، يرفض الاقتراب منه، حتى فى اللحظات التى أقنعته فيها بإجراء حوار تليفزيونى خلال شهر فبراير من العام الجارى، وحددنا الأشخاص والمحاور والمكان، عاد المشير ليرفض إجراء أى مقابلات تليفزيونية أو حوارية، كان الأستاذ هيكل قد التقاه أكثر من مرة، وكان دومًا يبعث عبرى برسالة إليه مضمونها «نجاحك فى خطابك»، أى بما يعنى أن خطابه للجماهير هو وحده الذى يمكن أن يخلق جسر التواصل فيتحقق نجاح ما هو مطروح من مشروعات أو مقترحات، كان يقول دائمًا «وجودى مؤقت فى إدارة البلاد، ولذلك لا أريد أن يفهم الناس أننى أمهد الطريق للاستمرار فى السلطة، أنا أنتظر اللحظة بفارغ الصبر».
وهكذا لايزال المشير حتى الآن رافضًا، إنه مصمم على أن يطوى الكثير من الأسرار بداخله، وربما لو تحدث لتمكن من الرد على الكثير من علامات الاستفهام التى لاتزال مطروحة فى الشارع حتى الآن.
قلت للمشير مجددًا، أتمنى بالفعل أن نقرأ مذكراتك قريبًا، قال: «إن شاء الله»، غير أننى أدرك أن المشير حتى لو كتب مذكراته فربما لن ينشرها، لقد ظل صامتًا أمام الرأى العام لسنوات طويلة، ويبدو أنه مصمم على الاستمرار كذلك، لقد حاولت التطرق خلال هذه الجلسة التى استمرت قرب الساعة مع المشير وبحضور عدد من كبار الضباط السابقين إلى موضوعات محل تساؤل فى الشارع، لكنه يأخذك دومًا إلى العموميات، لأنه يدرك أن التفاصيل هى ليست ملكه.
لقد قلت له فى هذا اللقاء إن الناس لديها تساؤلات عديدة، يجب أن تتحدث حتى لا يساء الفهم، خصوصا ما يتردد عن صفقات أو غيره، قال المشير «أنت تعرف أننا فى كل مواقفنا لم نسع لهدف شخصى أو سلطة وإنما لمصلحة مصر واستقرارها وتفويت الفرصة على أعدائها، وسوف يأتى وقت يدرك فيه الكثيرون حقائق الأوضاع ودور الجيش المصرى فى الحفاظ على مصر ووحدتها وأمنها واستقرارها».
كان الوقت يمضى سريعًا مع المشير، كان يدرك أن كل همه هو التقاط كلمة من هنا أو هناك، إنه يعرف غريزة الصحفى ولذلك كان يحاول فى اللقاء جرِّى إلى ما هو «إنسانى».. قال لى هل تعرف أننى عشت فترة طويلة من حياتى فى منطقة «كوم الدكة» بالإسكندرية، ووالدتى أصلاً من الإسكندرية، وراح يتحدث عن هذه الفترة التاريخية المهمة من حياته، وعندما سألته عن «أسوان» ومتى يزورها باعتبارها منشأ والده، قال «والله نفسى أروح أسوان وأقعد براحتى شوية، وحتمًا سأفعل ذلك قريبًا».
كان طبيعيّا بعد ذلك أن أمضى، عانقت المشير، وطلبت منه الإذن للمغادرة، جئت على غير موعد، لم أكن مدركًا عن يقين أن المشير يصلى حقّا فى هذا المسجد أسبوعيّا، لكننى تحركت إلى هناك، وفجأة وجدت نفسى معه وجهًا لوجه، فتحركت بداخلى غريزة الصحفى، وقررت رصد هذه الدردشة والانطباعات.. رغم معرفتى أن المشير لا يسعى إلى وسائل الإعلام ولا يبحث عن الأضواء ويرفض كثيرا الحوارات الصحفية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.