يعملون دون تأمين صحى أو معاش.. وأسرهم تعيش فى جوع مستمر «سعيد» حاصل على بكالوريوس تربية ولم يجد وظيفة فاضطر للعمل «فواعلى» «الدنيا خيرها وعزّها للشقيانين، يسعد صباحكم كلكم يا شغالين، يا ولاد بلدنا من جنوبها لشرقها، يا مشمرين عن السواعد كلها، النور حضن بلادنا وضمّها، والشمس هلّت بالأمل على الشقيانين، يسعد صباحكم كلكم يا شغالين».. تلك هى كلمات قصيدة «طلع الصباح» للفاجومى أحمد فؤاد نجم، والتى غناها الشيخ إمام بصوته الدافئ، هذه القصيدة بكل ما فيها تعبر عن أبطال الحدوتة هذه المرة.. «الفواعلية». كنت أراهم دائمًا من بعيد، يفترشون الأرصفة، يرتدون ملابس بسيطة ممزقة، وجوههم شاحبة، وملامحهم حزينة تحمل وجع سنوات، ونظراتهم متحسرة على حالهم المتردى وواقعهم المؤلم ومستقبلهم المُظلم، وهذا هو المشهد الذى يتكرر صباح كل يوم. الفواعلية أو عمال المعمار، يمكن أن نطلق عليهم «المعذبون فى الأرض»، وهذا لقب يستحقونه عن جدارة، فالحياة بالنسبة لهؤلاء هى حفنة نقود يشترون بها طعام لهم ولأولادهم ولا يحلمون بغير ذلك، فلا أحد منهم يحلم بشراء سيارة فارهة أو منزل فخم أو يرتدى بذلة من أحد التوكيلات، حلمهم يتلخص فى كلمتين هما «لقمة العيش». مررت فى أحد الأيام عليهم، فلاحظت كم الوجوه العابسة والأيادى الموضوعة على الرؤوس من الحسرة، فتساءلت: لماذا لا أعيش عامل فواعلى ولو ليوم واحد.. وأدخل هذا العالم المظلم الذى لا يشعر بمعاناته أحد؟ وقد كان. فى اليوم التالى، استيقظت السادسة صباحًا، وارتديت ملابس قديمة، كنت أحاول وقتها أن أشبه هؤلاء فى الملبس والهيئة؛ حتى لا يشعر أحدهم أنى دخيل على المهنة، تحركت من منزلى فى السابعة إلا ربع، متوجهًا إلى شارع الجلاء بمدينة طنطا الذى يجلس على أرصفته «الفواعلية»، جلست بينهم، وكان الوضع هادئًا فى البداية، مرت دقائق وبدأ بعضهم بالالتفاف إلىَّ وتدقيق النظر، والقلق يبدو على وجوههم، وأخذوا يتهامسون فيما بينهم، لعل أحدهم يعرفنى، حتى اقترب منى رجل يبدو أنه فى الخمسينيات من عمره، وسألنى متعجبًا «مين أنت»؟ نظرت إليه بوجه ضاحك وبصوت هادئ، قائلًا: «أنا زيكم جاى أكل عيش»، فصمت الجميع، وواصلوا الحديث فيما بينهم. مرت ساعات وما زال الجميع يجلس مترقبًا أن يأتى أحدهم، ويطلب عمالًا لإنجاز إحدى المهام المتعلقة بالمعمار، أو حمل شىء ما، أو أى عمل يجلب لهم أموالًا لشراء طعام لأسرهم الجائعة، وجاءت اللحظة التى ينتظرها الجميع، حيث ظهر رجل أربعينى نزل لتوه من سيارته الفارهة، ويبدو أنه ميسور الحال. بمجرد أن نظر إلى العمال نظرة واحدة، تهللت وجههم، وتيقن الجميع أن هذا من سيأتى لهم بالعمل، فهو بالنسبة لهم فى تلك اللحظة «مصباح علاء الدين»، يبدو أن أطفالهم لن يناموا جوعى هذه الليلة كالتى سبقتها، وفى لمح البصر جرى الجميع مسرعًا نحو الرجل، يحاول كل منهم الفوز بهذا الكنز السمين. باغتهم الرجل قائلًا: «عايز عمال تشيل طوب ورمل وتساعد البنا»، ولم يشترط إلا شرطًا واحدًا، فهناك أدوات فى منزله الذى ما زال تحت الإنشاء، لكنه يريد إنجاز العمل فى ذات اليوم، وسرعان ما وقف الجميع صفًا واحدًا، واختار الفواعلية 3 عمال من بينهم لا يتجاوز سنهم الأربعين عامًا.. وكنت أنا من ضمن هؤلاء. استقلينا سيارة الرجل متوجهين إلى منزله، وبعد دقائق وصلنا، لأكتشف أنه منزل مكون من أربعة طوابق، ما زال تحت الإنشاء، محاط بتلال من الرمل وقوالب الطوب.. أخبرنا الرجل بما سنقوم به بالتحديد، وكان عبارة عن حمل الطوب للطابق الثالث حيث يتم البناء، وأيضًا نقل الرمل وشكارات الأسمنت للطابق ذاته لتجهيز «المونة» اللازمة للبناء. خلع كل منا حذاءه، وأحضر شكارة أسمنت فارغة ليستخدمها فى حمل الطوب، وبدأنا العمل، رفقائى كان لديهم من الخبرة ما يكفى لحمل عدد كبير من قوالب الطوب على أكتافهم، والصعود على سلالم المنزل وصولًا للدور الثالث، حيث فعلوا ذلك أكثر من مرة، وأنا مازالت واقفًا أشاهد فى صمت ما يحدث، مترددًا فى مشاركتهم بسبب شكى فى أن لياقتى ستساعدنى على هذا العمل، مرت دقائق حتى أتى أحدهم ويدعى «رضا»، أقترب منى قائلًا: «أنت هتفضل عطلان كده؟ ما تشيل معانا»، فنظرت إليه وأخبرته أننى لن أستطيع حمل كل هذا الطول على كتفى، والصعود به للطابق الثالث، هذا أمر مستحيل بالنسبة لى. وكان رد «رضا»، أنه يمكننى أن أحمل عددًا أقل من القوالب، وأنه سيعلمنى كيف أمسكها جيدًا حتى لا تتساقط أثناء صعودى، ساعدنى فى بداية الأمر ثم تمكنت بعد ذلك من فعلها، وحملت الطوب وصعدت به إلى أعلى عدة مرات، وكنت فى كل مرة أشعر أن كتفى سوف ينكسر من ثقل الحمل وبعد المسافة.. وأستمر العمل لساعات، كان زملائى يتفوقون علىَّ فى كمية الطوب التى حملها كل منا بعشرات المرات، بينما أنا أكافح وأتألم فى الوقت ذاته فى كل مرة أحمل فيها الطوب، وسط عرق غزير يُغرق وجهى وجسدى، حتى أشارت عقارب الساعة للواحدة ظهرًا، وكانت الشمس لا تحتمل، فجاء أحدهم وأخبرنى أنه قد حان وقت الراحة والغداء. عامل البناء والذين يطلقون عليه «صنايعى»، ذهب ليشترى لنا الغذاء من أحد المطاعم الصغيرة بالمنطقة، وكان عبارة عن عبوات صغيرة من «الكشرى»، وعدد من أرغفة الخبز، غسل كل منا وجهه ورأسه ويداه، وجلسنا نتناول الغذاء ونتبادل أطراف الحديث فيما بيننا، وكان معظمه عن العمل الشاق الذى نقوم به وصعوبته وعن قيمة الأجر الذى سنتقاضاه فور الانتهاء من العمل، همس أحدهم لصديقه قائلًا: «تصدق أن بقالى 3 أيام ما شتغلتش والعيال كانت جعانة فى البيت لولا استلفت قرشين من أخويا وجبتلهم أكل»، فنظر إليه الثانى بوجه حزين، وقال: «ومين سمعك أنا بقالى 4 أيام ما اشتغلتش والحالة ضنك خالص». نظرت إليهما متحسرًا، بعدما فهمت من حديثهما أنهما ليس لهما دخل آخر سوى هذه المهنة، وكذلك معظم العاملين فى مجال المعمار، وقد تمر عليهم أيام طوال بلا عمل وبالتالى لا يوجد أموال.. حياة صعبة حقًا وأصعب ما فيها أن معظمهم مسئول عن أسر، لا يقل عدد أفراد أحداها عن 5 أشخاص، وعندما يمرض أحدهم لا يجد علاجًا ولا نقودًا أيضًا، لأن هذه المهنة تتطلب صحة جيدة وبنية قوية، فمن يمرض منهم يمد يديه للناس ليقترض نقودًا يعيش بها لحين شفائه، الأغرب من كل هذا أنى وجدت زميلنا الثالث فى العمل، ويدعى «سعيد» حاصل على بكالوريوس تربية قسم لغة عربية، وهو خريج عام 2010، ولم يجد أى وظيفة فاضطر للعمل «فواعلى» ليساعد أسرته الفقيرة ويتحمل نفقاته الشخصية. علمت أيضًا أن هناك موظفين فى بعض الوزارات وهيئات وشركات القطاع العام، لكن رواتبهم لا تكفيهم لشراء مستلزمات المعيشة، فيضطروا للعمل بعد خروجهم من الوظائف، وفى أيام العطلات لزيادة دخلهم، أما ما يقلق العاملين المتفرغين لهذا المجال، يتمثل فى عدم وجود رعاية صحية لهم ولا تأمين اجتماعى، ولا حتى معاش بعد بلوغهم سن الكبر، فيضطرون للعمل حتى الممات ليعيشوا وتعيش أسرهم. وأنا أستمع للقصص المأساوية لكل واحد منهم، أدركت أنى دخلت إلى عالم غير موجود على خريطة مصر، عالم يعيش تحت الأرض ولا يشعر به أحد ولا يعرفه أحد، حتى أن لقمة العيش التى يتناولونها مغمسة بالذل. وبعدما حكى كل منهم معاناته، كنا قد تناولنا الغذاء ثم الشاى، ونهضنا لنكمل العمل.. لكن استجدت بعض المهام، حيث وقف أحد زملائى يساعد البّناء فى عمله يحمل له الطوب وبعض «المونة» وهى خليط من الأسمنت والرمل والمياه، وزميلى الآخر تفرغ لخلط هذه «المونة»، واستمر العمل هكذا إلى أن مر الوقت، وأصبحت الساعة الخامسة والنصف مساءً، وقتها جاء صاحب المنزل، وقام بمعاينة الموقع وما أنجزناه من العمل ووجد كل شىء على ما يرام، ووجه الشكر للجميع. جاءت اللحظة الحاسمة التى ينتظرها الجميع، للحصول على الأجر، حيث أدخل الرجل يده فى جيبه وأخرج النقود، وأعطى كل منا أجره، وكان 70 جنيهًا لكل شخص، أصابتنى صدمة وذهول مجتمعان، بعد كل هذا العمل الشاق الذى تعدت ساعاته ال 10 ساعات شبه متواصلة يكون الأجر 70 جنيهًا.. وضعتهم فى جيبى وارتديت حذائى ثم انصرفت، وأنا متأكد أن زملائى الذين كانوا معى سوف يظلون لعدة أيام قادمة بدون عمل، وأن أمامهم تحديًا كبيرًا هو الإنفاق على أسرتهم بهذا المبلغ لعدة أيام، معادلة صعبة حتى أن صعوبتها تفوق «حسبة برما».