بينما يصطف المسلمون أمام شركات الطيران للسفر إلى المملكة العربية السعودية، شوقاً للطواف حول الكعبة وزيارة مدينة الرسول فى رمضان، يقف أبناء طائفة البهرة طوابير للسفر إلى القاهرة لأداء مناسك العمرة داخل مسجد الحاكم بأمر الله، الموجود بشارع المعز بجوار باب الفتوح بمنطقة الجمالية. و«البهرة» كلمة هندية قديمة غير متداولة وتعنى التاجر كثير الترحال، وهم طائفة شيعية عاشت فى مصر خلال العصر الفاطمى، وهاجروا فى أيامه الأخيرة وانتقلوا فى عدة بلدان، ثم استقروا فى جنوبالهند واختلطوا بالهندوس الذين أسلموا وهم يعتبرون أن هناك عدداً من العتبات المقدسة حول العالم منها الجامع الأزهر والحسين والسيدة زينب ومسجد الحاكم الذى تم ترميمه بعد حرب 1973 بموافقه من الرئيس الراحل محمد أنور السادات بعد كشف ممثلى البهرة انتماء المسجد للفاطميين، حيث صدق حديثهم عن وجود بئر فى وسط المكان. ويصعب زيارة المسجد الأثرى المعروف فى القاهرة القديمة، فى هذا الوقت من السنة، بسبب تدفق وفود طائفة البهرة على المكان لأداء فريضة العمرة التى أمر بها أمير الطائفة المعروف ب«الداعى» وفقاً لمذهب الشيعة الإسماعيلية، الذى تنتمى إليه الطائفة. وتبدأ مناسك عمرة البهرة بعد تناول الإفطار، حيث يناول أبناء الطائفة طعامهم فى قاعة خاصة ملاصقة لضريح الخليفة الفاطمى، العزيز بالله، ويصطف فيها الرجال الذين يرتدى أغلبهم قفطاناً قصيراً فوق بنطلون وطاقية على الرأس ولحية متوسطة الطول، وعلى الجانب الأيمن من منضدة طويلة، ويخصص الجانب الأيسر للنساء، وبعد الانتهاء من تناول الإفطار، ينتقل الحضور بهدوء إلى قاعة أخرى مخصصة للصلاة وملاصقة أيضاً للضريح، حيث يؤدون فريضة تسمى «صلاة التطوعات» وهى أولى فرائض العمرة الرمضانية وتتكون من 12 ركعة وكل منها خاتمة تسليمية، وبعد الانتهاء منها يقيمون صلاة المغرب والعشاء، حيث يعتقدون أن الصلاة بجوار الضريح تساوى ألف صلاة، ترتفع إلى 70 ألفاً فى مضان. ويختتم أبناء الطائفة الصلاة قبل توجههم إلى حجرة الضريح ليطوفوا حوله رافعين أعلام الدولة الفاطمية، مرددين شعائر وترانيم، «لم نستطع الحصول على معناها أو ترجمتها» ثم ينبطح كل منهم للشرب من بقعة ماء موازية للضريح تبركاً بها، لاعتقادهم أن الخليفة الحاكم بأمر الله، شرب منها قبل وفاته مباشرة. وعند الانتهاء من أداء هذه الطقوس يجلس أبناء الطائفة فى إحدى قاعات المسجد المخصصة للمحاضرات للاستماع إلى خطبة الأمير الذى يجب طاعته بشكل مطلق، وعندما تنتهى الخطبة، يقوم كل منهم بتقبيل يد الداعى اليمنى وركبته، قبل أن يحملوه على مقعده الخشبى ليطوفوا به حول الضريح قبل صلاة الفجر بساعة كاملة. وتتم طقوس أخرى فى الطابق الثانى للمسجد، والمقسم إلى 7 غرف كبيرة مساحة الواحدة منها أكثر من 110 أمتار، حيث تبلغ إجمالى مساحة المسجد كله 2000 متر حسب هانى عزالدين، الموظف بوزارة الآثار، المسئول عن المسجد، والذى قال ل«الفجر» إن طائفة البهرة بدأوا فى التوافد بكثرة خلال السنوات القليلة الماضية، ما تسبب فى حالة من التكدس الخانقة فى المنطقة، لذا حرر سكان شارع المعز، عدة محاضر ضدهم قالوا فيها إن أبناء الطائفة يتسببون فى فوضى عارمة فى الشارع ما يمنع ملاك ورش الأرابيسك من استقبال زبائنهم الذين يأتون خصيصاً فى رمضان من كل عام، ما دفع بعض ملاك المحال إلى استئجار أماكن أخرى فى شارع خان الخليلى لترويج بضائعهم. لا يسمح البهرة لأحد بدخول الغرف ال7 أعلى المسجد لأنهم يمارسون شعائرهم الدينية فى سرية تامة، وعندما يشكون أن الخُدام المصريين الذين يعاونونهم مصدر ترويج معلومات فى الصحف عنهم، يستغنون عنهم مباشرة. ويحرص أبناء الطائفة على الصلاة داخل المسجد، لأنهم يعتبرون أن الخليفة الحاكم هو من أئمة آل البيت المعصومين والإيمان به واجب وطاعته فرض، وذلك إمام وخطيب المسجد المعين من وزارة الأوقاف- رفض نشر اسمه- مؤكداً أنهم ظلوا يمكثون داخل المسجد طوال 40 عاماً مضت دون أن يصدر عنهم أى مضايقات، لأنهم يفضلون عدم الاحتكاك بالمصلين السنة الذين يعبرونهم محتلين لمسجد إمامهم المقدس. وقال الدكتور أحمد القاسم، الباحث فى شئون التيارات الإسلامية، إن طائفة البهرة الإسماعيلية تمارس شعائرها الدينية فى سرية تامة، ويخفون معتقداتهم خشية وقوع أى ضرر عليهم، لذا يأمرهم الداعى بالتخفى حتى ينالوا الأجر والثواب. ولا تقتصر المشاهد الغريبة على رؤية أبناء طائفة البهرة بأزيائهم غير المألوفة، إذ يجاور المسجد مجموعة من المحال والكافيهات، بينما تلعب مجموعات من الصبية الكرة داخل ساحته، رغم وجود شرطة الخيالة التى تمر دوريا فى الشارع طيلة اليوم.